IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

القضية السكانية: مصر بعد الـ 100 مليون

 الخميس. 18 فبراير., 2021

القضية السكانية: مصر بعد الـ 100 مليون

 أ.د. ماجـد عثمـان

تطور سكان مصر عبر مائة عام تجاوز عدد سكان مصر الـ 100 مليون نسمة، لتصبح الدولة رقم 14 على مستوى دول العالم من حيث عدد السكان، وتأتي الصين والهند في المقدمة، وكل منهما تجاوز 1,3 مليار نسمة، تليهما الولايات المتحدة التي بلغ عدد سكانها نحو 330 مليون نسمة، ثم أربع دول يتراوح عدد سكانها بين 200 و300 مليون، هي: إندونيسيا وباكستان والبرازيل ونيجيريا، ثم سبع دول يتراوح عدد سكانها بين 100 و200 مليون نسمة، وهي: بنجلاديش وروسيا والمكسيك واليابان وإثيوبيا والفلبين ومصر.وقد تغير عدد سكان مصر خلال القرن الماضي، من نحو 13 مليونًا في 1920 إلى نحو 32.7 مليونًا في 1970، ثم إلى 100 مليون في 2020، وخلال القرن الماضي اتجه متوسط الزيادة السنوية إلى الارتفاع عبر الزمن، فقد أضافت مصر إلى سكانها 3.6 ملايين نسمة بين عامي 1920 و1940

تطور سكان مصر عبر مائة عام تجاوز عدد سكان مصر الـ 100 مليون نسمة، لتصبح الدولة رقم 14 على مستوى دول العالم من حيث عدد السكان، وتأتي الصين والهند في المقدمة، وكل منهما تجاوز 1,3 مليار نسمة، تليهما الولايات المتحدة التي بلغ عدد سكانها نحو 330 مليون نسمة، ثم أربع دول يتراوح عدد سكانها بين 200 و300 مليون، هي: إندونيسيا وباكستان والبرازيل ونيجيريا، ثم سبع دول يتراوح عدد سكانها بين 100 و200 مليون نسمة، وهي: بنجلاديش وروسيا والمكسيك واليابان وإثيوبيا والفلبين ومصر.
 
وقد تغير عدد سكان مصر خلال القرن الماضي،  من نحو 13 مليونًا في 1920 إلى نحو 32.7 مليونًا في 1970، ثم إلى 100 مليون في 2020، وخلال القرن الماضي اتجه متوسط الزيادة السنوية إلى الارتفاع عبر الزمن، فقد أضافت مصر إلى سكانها 3.6 ملايين نسمة بين عامي 1920 و1940، ثم 9.3 ملايين نسمة بين عامي 1940 و1960، ثم 16.7 مليون نسمة بين عامي 1960 و1980، ثم 25.5 مليون نسمة بين عامي 1980 و2000، ثم 33.5 مليون نسمة بين عامي 2000 و2020.
 
وتبين دراسة اتجاه عدد المواليد السنوي خلال الفترة من 2000 إلى 2019  أن الثبات في عدد المواليد - والذي ظل سائدًا عند مستوى 1.8 مليون مولود سنويًّا في السنوات الخمس الأولى - أعقبه اتجاه إلى الزيادة بدءًا من عام 2006 ليصل إلى 2.7 مليون مولود عام 2014، بزيادة نحو 50% في  8 سنوات، وهي زيادة ضخمة جدًّا إذا ما أخذنا في الاعتبار تبعاتها على قطاعات عديدة منها قطاع التعليم، الذي واجه تحديًا مزدوجًا، وهو تقديم تعليم أفضل لعدد أكبر؛ حيث فرضت عليه الزيادة السكانية مواجهة تحدي استيعاب 50% تلاميذ إضافيين، والاستجابة على التوازي لمتطلبات الارتقاء بجودة التعليم في ظل إمكانات محدودة. 
 
ولتوضيح دلالة عدد المواليد في مصر مقارنة بمواليد دول أخرى يتضح أن إجمالي عدد مواليد مصر خلال الفترة 2015-2020 بلغ 12.9 مليون مولود، ويعادل ذلك عدد المواليد خلال الفترة نفسها لكل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والسويد والنرويج وفنلندا مجتمعة، وفي المقابل يصل تقدير إجمالي عدد سكان هذه الدول في عام 2020، إلى نحو 261 مليون نسمة، أي أكثر من مرتين ونصف عدد سكان مصر، ويصل إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول مجتمعة إلى 9.4 تريليونات دولار، أي نحو 26 ضعف إجمالي الناتج المحلي في مصر.
 
ويمكن الوصول إلى النتيجة نفسها إذا ما قمنا بمقارنة عدد مواليد مصر بعدد مواليد دول نامية أخرى، وتشير تجارب دول آسيوية عديدة إلى نجاح في ضبط وتيرة النمو السكاني، ومنها فيتنام والتي يقترب عدد سكانها الـ (97.3 مليونًا) من عدد سكان مصر، إلا أن عدد مواليدها خلال الفترة من 2015 إلى 2020 يساوي ثلثي عدد مواليد مصر خلال الفترة نفسها، وينطبق ذلك أيضًا على تايلاند، والتي يصل عدد سكانها إلى نحو 70% من عدد سكان مصر إلا أن عدد مواليدها لا يتجاوز 28% من عدد مواليد مصر خلال الفترة من 2015 إلى 2020، أما الصين والتي انفردت باتخاذ إجراءات حادة وطبقتها بطريقة صارمة فقد شهدت تحولًا أكثر سرعة، ففي خلال الفترة من 1960 إلى 1980 ارتفع عدد سكان الصين بنحو 51%، لتكسر الصين حاجز المليار نسمة في عام 1980 بعد أن كان عدد سكانها في عام 1960 نحو 660 مليون نسمة، ونتيجة لتطبيق سياسة الطفل الواحد انخفضت معدلات الزيادة السكانية لتصل إلى 29% خلال الفترة من 1980 إلى 2000، وواصلت الصين ضبط معدلات النمو السكاني خلال الفترة من 2000 إلى 2020؛ حيث زاد عدد سكانها بنحو 11% فقط، وقد أدى هذا الانخفاض السريع في معدلات الإنجاب إلى استفادة الصين من المنحة الديموجرافية (demographic dividend)، والتي بمقتضاها يؤدي الانخفاض السريع في عدد الأطفال إلى استثمار أكبر في الطفل، والذي بدوره سيؤدي بدوره لزيادة متوسط الإنتاجية، ومن ثمَّ دفع الاقتصاد إلى الأمام بسرعة أكبر، ومن المتوقَّع أن يزداد عدد سكان الصين بأقل من 1% خلال العشرين سنة القادمة، وأن يصل عدد سكان الصين إلى الثبات عام 2031، لتترك الصدارة باعتبارها أكبر دول العالم سكانًا إلى الهند بحلول عام 2027، وإن كانت ستظل محتفظة بتفوقها الاقتصادي والعلمي الذي لم يكن من الممكن تحقيقه في ظل استمرار الزيادة السكانية التي كانت تشهدها قبل تبنِّي سياسة الطفل الواحد.   
 
سكان مصر نظرة مستقبلية
وفرت الدراسات التحليلية والنماذج الكمية مصدرًا مهمًّا لعمل إسقاطات سكانية طويلة الأجل للسكان وفقًا لسيناريوهات متعددة، ويعد هذا المجال من المجالات العامرة بالدراسات التي أنتجها الباحثون المصريون على مدار الخمسين عامًا الماضية، كما يقوم قسم السكان بالأمم المتحدة بإعداد إسقاطات سكانية دورية لكل دول العالم، وفقًا لمنهجية واحدة تسمح بالمقارنات الدولية، ويتم تحديث هذه الإسقاطات السكانية دوريًّا وفقًا لنتائج التعدادات أو المسوح السكانية التي يتم عملها، وفي إصدارة 2012 قدر مكتب السكان بالأمم المتحدة أن عدد سكان مصر سيصل بحلول عام 2030 إلى 102.6 مليون نسمة، ويصل بحلول عام 2050 إلى 121.8 مليون نسمة، إلا أن الإصدارة الأخيرة لمكتب السكان رجَّحت وصول مصر بحلول عام 2030 إلى 120.8 مليون نسمة، وإلى 160 مليونًا بحلول عام 2050. 
 
وتأتي هذه المراجعة في ضوء القرائن التي أظهرها المسح السكاني الصحي لعام 2014، وفي ضوء نتائج التعداد السكاني لعام 2017، فإن الهرم السكاني لمصر حدث فيه تغير فيما بين تعدادي 2006 و2017، حيث اتسعت قاعدة الهرم لتدل على زيادة نسبية في التركيبة العمرية لصالح الشريحة الأصغر عمرًا، ففي حين كانت نسبة السكان أقل من 5 سنوات في تعداد 2006 نحو 10.6%، ارتفعت النسبة إلى 13.6 % في 2017، وحدث ذلك أيضًا في الفئة العمرية التالية، وهو مؤشر على اتجاه مؤشرات الإنجاب إلى الارتفاع، ويلاحظ أن الانخفاض الذي شهدته أعداد المواليد هو تحول في الاتجاه الصحيح، ولكن يجب ملاحظة أن الارتفاع في معدلات الإنجاب، والذي بدأ منذ عام 2006 سيستمر تأثيره لمدد طويلة؛ حيث إن مواليد الفترة من 2006 إلى 2016 سيستمر تأثيرهم لعقود قادمة، سواء من الناحية الديموجرافية عندما يصلون إلى عمر الإنجاب ويسهمون في إحداث موجة أخرى من الزيادة السكانية، أو من الناحية الاقتصادية عندما يصلون إلى عمر العمل ويشكلون ضغطًا على سوق العمل.

وربما يكون من المفيد تقييم هذه الأرقام في ضوء مقارنة التغير الذي من المتوقَّع أن تشهده مصر بالتغير الذي من المتوقَّع أن تشهده دول نامية أخرى، وقد وقع اختيارنا لعقد هذه المقارنة على دولتين من دول إقليم الشرق الأوسط هما تركيا وإيران، وتتشارك مصر مع هاتين الدولتين، في كونها الدول الثلاث الأكبر سكانًا في المنطقة، وظل عدد سكان الدول الثلاث متقاربًا إلى حد كبير طوال النصف الأول من القرن العشرين بفارق كبير عن عدد سكان باقي الإقليم،  فإن عدد سكان الدول الثلاث كان متساويًا حتى عام 1990، ثم زاد عدد سكان مصر بمعدلات أكبر مما شهدته تركيا أو إيران، ويقدِّر مكتب السكان بالأمم المتحدة أن الفارق بين سكان مصر وسكان كل من تركيا وإيران بلغ عام 2020 نحو 18 مليون نسمة، ويُتوقَّع أن يتسع الفارق تدريجيًّا ليصل سكان مصر إلى 160 مليون نسمة عام 2050، مقابل 103 ملايين نسمة في إيران، و97 مليون نسمة في تركيا، ومن شأن التوازن السكاني الجديد الذي ستشهده منطقة الشرق الأوسط أن يُوفِّر فرصًا لاستعادة الريادة الإقليمية لمصر في حال تمكَّنت من الاستثمار بكثافة في رأس المال البشري، بحيث يرتفع متوسط إنتاجية الفرد، ويُترجَم ذلك إلى قوة اقتصادية. أما إذا أخفقت مصر في تحقيق ذلك؛ فإن الزيادة السكانية المُشار إليها ستكِّبل مصر بقيود لن تُمكِّنها من تحقيق مثل هذه الانطلاقة.  
 
السياسات السكانية
أطلقت مصر سياسات سكانية عديدة خلال العقود الخمسة الأخيرة، وكان آخرها الاستراتيجية القومية للسكان (2015-2030)، وتبنَّت هذه الاستراتيجية المبادئ العامة التالية:
 
1. النظر إلى السكان باعتبارهم أحد عناصر القوة الشاملة للدولة، على ألَّا تتعدى معدلات الزيادة السكانية قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية بالجودة المناسبة، وعلى ألا تؤثر معدلات الزيادة السكانية على متوسط نصيب الفرد من الموارد الطبيعية، لا سيما المياه والطاقة والأرض الزراعية، وعلى أن تتناسب معدلات الزيادة السكانية مع قدرة الاقتصاد الوطني في تحقيق مستوى مرتفع من التنمية البشرية، وتحقيق خفض في معدلات البطالة.
2. حق الأسرة في تحديد عدد أبنائها، مع تأمين حقها في الحصول على المعلومات، وكذلك وسائل تنظيم الأسرة، والصحة الإنجابية التي تمكِّنها من الوصول إلى العدد المرغوب من الأطفال. 
3. مسؤولية الدولة عن توعية أفراد المجتمع بأخطار معدلات الإنجاب المرتفعة على الصعيد الوطني، وأخطار الإنجاب المتكرر والمتقارب على صحة الأم والطفل، ومسؤوليتها عن توفير خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية بجودة مرتفعة لمن يطلبها مع توفيرها بالمجان للأسر محدودة الدخل. 
4. تلتزم الدولة بإدماج المكون السكاني في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبتحقيق أهداف سكانية من خلال تنفيذ المشروعات القومية، وبتطبيق الحوافز الإيجابية لتشجيع تبنِّي مفهوم الأسرة الصغيرة، من خلال البرامج التي تهدف إلى تمكين الفقراء والتخفيف من حدة الفقر.
5. المشكلة السكانية بأبعادها المختلفة تمثِّل تحديًا يستوجب ضرورة توفير البيئة المحفزة على مشاركة الجمعيات الأهلية والقطاع الخاص، كما تتطلَّب إذكاء الجهود التطوعية لمواجهتها.   
6. تطبيق اللامركزية في إدارة البرنامج السكاني، بما يزيد من فاعلية المشروعات وكفاءتها، وضمـــان مـراعـاتـهـــــا للخصوصية الثقافية للمجتمع المحلي.
7. ضمان حق المواطن في الهجرة والتنقل داخل البلاد وخارجها، بما لا يتعارض مع القوانين المعمول بها.

وارتكزت الاستراتيجية على العناصر التالية:
1. تمايز في التناول يراعي التنوع بين الفئات المستهدفة (المناطق الجغرافية والشرائح الاجتماعية).
2. توظيف القوة الكامنة للعمل التطوعي، وتشجيع المجتمع المدني والقطاع الخاص على لعب دور أكبر في تحقيق أهداف البرنامج السكاني.
3. آلية فعالة للتنسيق على المستوى المركزي وكذلك على المستوى المحلي.
4. توظيف للأدوات العصرية، لا سيما الإعلام الاجتماعي.
5. منظومة معلوماتية مُحدَّثَة تسمح بالمتابعة والتقييم على المستوى المحلي.
6. مكون قوي للبحث العلمي الاجتماعي لفهم ومتابعة التحولات في السلوك الإنجابي ومحدداته.  

وتبنَّت الاستراتيجية الأهداف التالية:
1. الارتقاء بنوعية حياة المواطن المصري من خلال خفض معدلات الزيادة السكانية؛ لإحداث التوازن المفقود بين معدلات النمو الاقتصادي ومعدلات النمو السكاني.  
2. استعادة ريـــادة مصــــــر الإقليمية من خلال تحسين خصائص المواطن المصري المـعـرفـيــــــة والـمـهـاراتـيـــــة والســـلـوكـيـــــة.
3. إعادة رسم الخريطة السكانية في مصر من خلال إعادة توزيع السكان على نحو يحقق الأمن القومي المصري، ويأخذ في الاعتبار تحقيق أهداف سكانية للمشروعات القومية التي يتم التخطيط لها.  
4. تحقيق العدالة الاجتماعية والسلام الاجتماعي من خلال تقليل التباينات في المؤشرات التنموية بين المناطق الجغرافية. 

الزيادة السكانية: منحة أم محنة؟
بصفة عامة تصبح الزيادة السكانية منحة، إذا ترتَّب عليها زيادة مقابِلة في الإنتاج الحقيقي للدولة، والذي يتحقق بزيادة في أعداد المنتجين والمبدعين وليس في أعداد المتعطلين، وأن يترتَّب على الزيادة السكانية خفض في معدلات الفقر وزيادة في متوسط الدخل بحيث تصاحب الزيادة في حجم السوق زيادة مماثلة في القوة الشرائية، وتصبح دافعًا لتنشيط التصنيع المحلى، وبالتالي يصبح المجتمع قادرًا على خلق فرص عمل منتجة.
 
"أدى الانخفاض السريع في مـعــــــدلات الإنـجـــــــــــــــــاب بالصين إلى استفادتها من المنحة الديموجرافية، والتي بمقتضاها يتم الاستثمار بشكل أكبر في الطفل، ومن ثمَّ زيادة متوسط الإنتاجية، ودفع عجلة الاقتصاد."

وتستند الإجابة عن هذا السؤال في الســـيـــــــاق الـمـصــــــــري إلى تحليل تأثير حجم الـســـــــكـان والـزيــــــــــادة الســــكـانـيـــة علـــى كـــــل من الجوانـــب الأربـعــــة التالية:
1) القوة الشاملة للدولة
من المؤكد أن التكاثر هو ضرورة للحفاظ على الجنس البشرى، وهو حتمية لوجود الدولة وبقائها؛ لأن التراجع الحاد في أعداد السكان يؤدى بالضرورة إلى تراجع القوة البشرية التي تدافع عن الدولة متمثلة في جيش يدافع عن حدودها، وإلى تراجع القوة البشرية التي تبني اقتصادها متمثلة في قوة العمل التي تدير عجلة الإنتاج وتوفر الخدمات الأساسية لسكان الوطن، وبالتالي فإنه من المنطقي أن تسعى المجتمعات إلى الحفاظ على بقائها من خلال الحفاظ على عدد سكانها باعتباره أحد عناصر القوة الشـــاملة للدولة، إلا أن هذه النظرية أصبحت على المحك في ضوء قناعة راسخة بأن نوعية البشر أكثر أهمية من عددهم، وأن الاستخدام المتنامي للروبوتات، وإدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف نواحي الحياة سيقلل الاعتماد على قوة العمل بمواصفاتها الحالية، وسيؤدي إلى اختفاء تدريجي لمهن عديدة؛ مما يؤدي بدوره إلى تحول ملايين العاملين في أرجاء العالم إلى متعطلين.
 
وفي السياق المصري، يؤدي عدم ضبط مستويات الزيادة السكانية إلى زيادة الواردات من السلع الغذائية ومصادر الطاقة، وبالتالي إلى زيادة الاعتماد على الخارج، وهو ما يؤثر بدوره على استقلال القرار الوطني، يضاف إلى ذلك ما ستؤدى إليه الزيادة السكانية من زيادة في حجم الطلب على السلع دون أن يصاحب ذلك زيادة في متوسط دخل الفرد، ومن ثمَّ سيتم إشباع الطلب على السلع من خلال مزيد من الاستيراد الذي يجعل مصر سوقًا واعدة لتصريف السلع التي تنتجها دول أخرى.
 
2) الموارد الطبيعية المـتـــاحـــة والتنميـــة المستدامة
ستؤدى الزيادة السكانية حتمًا إلى زيادة الطلب على المياه وعلى مصادر الطاقة، وستؤدي إلى مزيد من البناء على الأرض الزراعية، وسيشكل ذلك إضرارًا بالبيئة واستنزافًا للموارد الطبيعية، وسيمثِّل ذلك تحديًا لاستدامة التنمية، وسيزيد من هشاشة المجتمع، وسيؤثر سلبًا على قدرته على مواجهة التحديات البيئية وعلى رأسها التغير المناخي، وما يمكن أن ينجم عنه من احتمال ارتفاع مستويات البحار وغرق مساحات من الدلتا المكتظة بالسكان.
 
3) جودة الحياة وجودة الخدمات المقدَّمة
ستؤدى الزيادة السكانية حتمًا إلى تراجع في نوعية الحياة، وإلى تراجع في إتاحة الخدمات الأساسية، وإلى تدني جودة هذه الخدمات، كما ستؤدى إلى مزيد من التزاحم الذي يؤثر سلبًا على السلوكيات والأخلاق العامة، بالإضافة إلى ما تسببه من ضغط على المرافق العامة والإسكان. 
 
4) رأس المـــال البشـــــري 
يتوافق المجتمع المصري على أن الاستثمار في البشر هو السبيل الوحيد حتى تُحدث مصر نقلات نوعية وسريعة في تحقيق تنمية مستدامة، ويعكس هذا التوافق برنامجًا لإصلاح التعليم العام يركز على نوعية التعليم، وعلى تنمية القدرة على التعلم وتحفيز الإبداع لدى الطفل المصري، ويعتمد نجاح هذا البرنامج على عناصر عديدة، من أهمها توفير الموارد المادية والبشرية لتنفيذه، وغني عن البيان أن حجم هذه الموارد يعتمد على عدد التلاميذ الذين سيشملهم البرنامج، وزيادة أو نقص عدد التلاميذ يرتبط بأعداد المواليد أي بمستويات الإنجاب، وكلما تمكَّنت مصر من ضبط مستويات الزيادة السكانية أدى ذلك إلى تخصيص موارد كافية لكل طفل، وإذا لم يتمكَّن هذا البرنامج من تغطية كل أو معظم الأطفال في سن التعليم بموارد كافية، فإن الزيادة السكانية بمستوياتها الحالية لن تؤدى إلى زيادة في أعداد المنتجين والمبدعين وإنما ستضاف إلى رصيد المتعطلين.
 
"كلما تمكَّنت مصر من ضبط مســـــتويات الزيادة السكانية، أمكنهـا تخصيص موارد كافية لكل طفل، ومن ثمَّ النجاح في برنامج إصلاح التعليم، والذي يـســــــتـهـدف الارتـقــــــاء بنوعية التعليم، وتنمية قدرة الطفل المصري على الإبداع."

نظرة مستقبلية: أجندة مقترحة للبرنامج السكاني المصري 
الأجندة المقترحة للبرنامج السكاني المصري يجب أن تنطلق من قراءة نقدية متعمقة لمسار أكثر من نصف قرن من التخطيط السكاني، تمثَّل في عدد من السياسات والاستراتيجيات السكانية، وهذه القراءة النقدية يجب أن: 
تأخذ في اعتبارها النجاحات التي تحققت في التجربة المصرية دون أن تتجاهل الإخفاقات التي وقعت. 
تستفيد من تجارب دول أخرى حققت نجاحات في إحداث تخفيض ملموس في معدلات الزيادة السكانية، ولا تتجاهل أن ما نتج عن ذلك من تغير في التركيبة السكانية يجب أن يؤخذ في الحسبان، دون أن تصبح هذه التغيرات هاجسًا يؤدي إلى تفضيل العمل بالوتيرة نفسها التي لن تحدث تغييرًا جذريًّا في معادلة السكان – الموارد الطبيعية – جودة الحياة.
تتبنَّى مدخلًا محايدًا وموضوعيًّا للإجابة عن السؤال الرئيس «هل الزيادة السكانية منحة أم محنة؟»، وأن تكون الإجابة عن هذا السؤال نابعة من ضرورات الواقع، أخذًا في الاعتبار أنها ليست ثابتة عبر الزمن، وإنما تتغير حسب تغير الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
تعيد دراسة مسلمات استقرت في الأذهان دون أن تكون مبنية على القرائن، ولا تستبعد أن هذه المسلمات شكَّلتها مجموعات المصالح أو ساندتها تصورات شخصية غير مبنية على الدراسات الجادة، ويحتاج الأمر إلى إعادة دراسة العلاقة بين السلوك الإنجابي والدين، وبين مستوى الإنجاب والتعليم، وبين مستوى الإنجاب والفقر، ومدى قدرة التوسع العمراني على استيعاب الزيادة السكانية.
    
سبق أن أشـــــــرنا إلى أن السـيــاســــــــات والاستراتيجيات السكانية المتتابعة لم تنجح في تحقيق كل الأهداف الكمية التي تبنَّتها، ويُقترح أن تلتزم كل الجهات الحكومية وغير الحكومية بتبنِّي برنامج سكاني يتسم بالفاعلية في تحقيق الأهداف والكفاءة في استخدام الموارد المحدودة، وتراعي الجوانب التالية:
1. ترجمة الإرادة السياسية المساندة لجهود ضبط الزيادة السكانية على المستوى المركزي إلى المستوى المحلي، والحرص على تكريس الالتزام بها؛ بهدف ضبط الزيادة السكانية فيما يتعلق بصياغة السياسات والتشريعات القطاعية (ومنها الضمان الاجتماعي – التشغيل – التأمين الصحي) وفي اللوائح والقرارات الوزارية. 
2. إدارة الملف السكاني دون إغفال جوانب الاقتصاد السياسي (Political economy) للقضية السكانية، بما في ذلك جماعات المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية، التي تتشابك مصالحها مع محاور العمل الخاصة باستراتيجيات ضبط الزيادة السكانية.
3. استحداث إطار مؤسسي مناسب يراعي تناول القضية السكانية من خلال مدخل متكامل يعالج المحاور المختلفة بشكل متوازٍ، ويضمن تحمُّل كل الشركاء لمسؤولياتهم، على أن يتم ذلك من خلال آليات تتسم بالمرونة، وسرعة الاستجابة، والاستفادة بالتجارب السابقة في هذا الصدد.
4. تطبيق آلية للمتابعة والتقييم على المستوى المحلي، تعتمد على مؤشرات يتم قياسها بواسطة جهات مستقلة (بمعزل عن مقدم الخدمة) وفقًا للقواعد المنهجية المتعارف عليها دوليًّا.  
5. عدم الإغراق وإضاعة الجهد والوقت في استحداث سياسات واستراتيجيات جديدة والاكتفاء بالمتاح منها، والذي لم يتم تنفيذه (كليًّا أو جزئيًّا).

تقييم الموقع