IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

كورونا وتغيير العالم ومصر

 الخميس. 18 مارس., 2021

كورونا وتغيير العالم ومصر

 د. عبد المنعم سعيد

يتناول هذا المقال الأهمية التاريخية لأزمة "كورونا" أو "كوفيد ١٩" التي ألمَّت بالعالم مع بداية عام ٢٠٢٠، ومستمرة حتى الآن في عام ٢٠٢١، مع إشارات إلى تراجعها واستمرار هذا التراجع حتى نهاية العام. وسواء كانت مدة "الجائحة" عامًا واحدًا أو عامين أو عده أعوام، فإنها تظل ظاهرة تاريخية فارقة، بمعنى أنها غيّرت من الدنيا كلها بما فيها مصر، وبقي علينا أن نتقصى كيف يمكن فهم هذه الظاهرة، وكيفية التعامل معها الآن وفي المستقبل، وتجنب ما فيها من مخاطر، ونستغل ما يمكن أن يسنح فيها من فرص.

المجالات البحثية

تداعيات كورونا

يتناول هذا المقال الأهمية التاريخية لأزمة "كورونا" أو "كوفيد ١٩" التي ألمَّت بالعالم مع بداية عام ٢٠٢٠، ومستمرة حتى الآن في عام ٢٠٢١، مع إشارات إلى تراجعها واستمرار هذا التراجع حتى نهاية العام. وسواء كانت مدة "الجائحة" عامًا واحدًا أو عامين أو عده أعوام، فإنها تظل ظاهرة تاريخية فارقة، بمعنى أنها غيّرت من الدنيا كلها بما فيها مصر، وبقي علينا أن نتقصى كيف يمكن فهم هذه الظاهرة، وكيفية التعامل معها الآن وفي المستقبل، وتجنب ما فيها من مخاطر، ونستغل ما يمكن أن يسنح فيها من فرص. 
 
فلسفة التغيير
الحقيقة الدائمة في حياة البشر هي التغيير، وكل من كتبوا تعلموا مقولة أن الإنسان لا ينزل في النهر نفسه مرتين. المتغيرات التكنولوجية التي جرى إجمالها في مجموعات، مثل الثورة الصناعية من الأولى إلى الرابعة، بالفعل غيرت الدنيا في مناحٍ كثيرة؛ وأحيانًا فإن الأمر لا يحتاج إلى إجمال؛ فاختراع القطار أو السيارة أو الطائرة أو آلة الاحتراق الداخلي أو استخدام البخار أو المفاعلات الذرية والكمبيوتر والتليفون الحديث بكل أنواعه، شكّل نقلات كبيرة، ليس فقط في حياة البشر، وإنما أيضًا في النظام العالمي.
 
هناك اتفاق أن العالم يتغير نتيجة فيروس كورونا، ولكن ما اختلفوا عليه كان مدى التغيير، وفي أي اتجاه. والإعلان عن هذا التغيير، بالسرعة التي عاشها البشر خلال القرن العشرين وعقدين من القرن الحالي، والكلمات الشائعة في المقالات والتحليلات والدراسات لا تخلو من عبارة أن العالم بعد أزمة كورونا لن يعود كما كان، والحياة بعد الأزمة لن تكون كما كانت قبلها، والبعض من الجماعة الفكرية قفز فورًا إلى "عالم ما بعد كورونا".
 
لكن لماذا يصبح فيروس "كوفيد-١٩" على هذه الدرجة من الفعالية التي تقلب الدنيا رأسًا على عقب؟ العقدة هي أن حساب المتغيرات العالمية الكبرى ارتبطت بأحداث عظمى مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، والكساد الكبير خلال ثلاثينيات القرن الماضي، ونهاية الحرب الباردة، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١، والأزمة المالية ٢٠٠٨، فهل يمكن وضع فيروس كورونا وانتشاره ضمن هذه الأحداث العظمى؟ 
 
كان التغيير كما يقال مكتوبًا فوق الحائط الزمني، حيث إن العالم يتغير في اتجاهات جديدة إلى عالم ثلاثي الأقطاب، وعالم ما بعد الثورة العلمية الرابعة، والتي قبل أن نعلم ما هي، كنا في الحقيقة نتحدث عما غيرته. ومن الممكن أن يكون "كوفيد-١٩" كاشفًا عن أمور تغيرت بالفعل وظهرت خلال الأزمة. وربما يكون ذلك جوهر الموضوع، حيث تمثلت وظائف الأزمات التاريخية في أنها كاشفة عن القوى الكثيرة التي تحدد المستقبل البشري، وربما تكون معجّلة لها، ولكن قد يكون من قبيل العجلة استباق الأحداث وهي لا تزال جارية. وكما هو الحال في كل ملامح التغيير في العالم أو الدول أو حتى الإنسان والمخلوقات، فإن الأحداث والتكنولوجيا والمتغيرات تعطي فرصة للتغيير والاختيار، ولكن الانقلاب رأسًا على عقب في العادة ينتظر لفترة من الزمن تكون الأزمة فيها خلفنا، وبالتالي فالعالم يتغير نتيجة "كوفيد -١٩"، ولكن ما مدى هذا التغيير؟ وفي أي اتجاه؟
 
وفي ذلك انقسم المهتمون والمفكرون إلى اتجاهين؛ أولهما: أن العالم ينقلب رأسًا على عقب، باختصار يصبح هناك عالم آخر. وثانيهما: أن الأزمة في حقيقتها "كاشفة" عن عالم كان يتغير بالفعل، وما علينا إلا مراقبة ما كان من تغيرات تكنولوجية، وتوازنات القوى الدولية؛ حتى نرى ما نراه، وما هو قادم أيضًا، ولكن ما بين الاتجاهين مسافات كثيرة، وظلال بين وجهة نظر وأخرى؛ إذ أدت جائحة "كورونا" إلى تحطيم الحياة، حينما تم تعطيل الأسواق، والمتصوَّر بعدها أن تحدث تحولات دائمة في القوة السياسية والاقتصادية بطرق لن تظهر إلا لاحقًا. ومن ناحية أخرى، فإن صعود الصين، مع التطور التكنولوجي الذي دمج ثورة المعلومات مع ثورة التكنولوجيا الحيوية، خلق ثورة تكنولوجية عالمية رابعة، حتى قبل أن تترسخ نتائج الثورة الثالثة، والظهور الكبير لما سُمي "سياسات الهوية" التي تجابه "سياسات العولمة"، والدعوة إلى إعادة تأسيس المؤسسات الدولية، كل ذلك كان موجودًا، وما بقي هو معرفة ما جرى عليه من تغيرات بعد حدوث الجائحة.
 
أصول التغيير 
منذ أن وقف الإنسان على قدميه، وانفك الرباط بينه وبين مخلوقات المملكة الحيوانية الأخرى، وهو في حالة من الصراع مع كل المخلوقات التي ربما بدأت بالوحوش الضارية لكنها لم تنته بالمخلوقات متناهية الصغر، كان الإنسان في حالة صراع طبيعي مع كل الممالك الأخرى من المخلوقات، وفي القرون الأخيرة ومع الثورة الصناعية والحداثة بجميع أشكالها، دخل البشر في حروب للإبادة الجماعية لأشكال مختلفة من القوارض والحشرات والميكروبات والبكتيريا والفيروسات، وعملية التوصل إلى التقدُّم البشري، وتتمثل عظمة العبقرية الإنسانية في التوصل إلى التحكم أولًا في الطبيعة من حيث الموارد وحتى في الزمن والمسافة من خلال ثورات كبرى في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، وثانيًا تحقيق التقدُّم الذي جرى في مواجهة تحديات الحرب والمجاعات والطاعون، من خلال سياسات لتحقيق السلام الذي يمنع الحرب، والطعام الذي قضى على المجاعة في معظم دول العالم، والتوصل إلى لقاحات وأدوية تحقق العافية وتقاوم أو تمنع الأوبئة. أصبح التطور الإنساني خطيًّا نحو الأمام بعد أن أصبحت العولمة والرأسمالية والدولية الليبرالية والديمقراطية هي علامة العصر وأعلامه التي تقود البشرية إلى جنتها السعيدة. لكنها أصبحت قصة أخرى تمامًا في النوع والكم والأطراف، فهي ليست كما كان متوقَّعًا قبل مجيء "كوفيد-١٩" باعتباره مجرد وباء آخر مثل ذلك الذي عرفته الكرة الأرضية خلال العقود الماضية من "الإيدز" إلى "السارس" ثم "الإيبولا"، وأنواع أخرى من إنفلونزا الطيور والخنازير وحتى جنون البقر. هذه كلها كانت تحديات خلقت آليات التعاون معها؛ حيث استنفرت الجماعة العلمية الطبية العالمية، وانتهت إلى لقاحات ودواء يشفي من المرض، أو يخفف من نتائجه، أو ببساطة يمكن "التعايش" معه.
 
ما حدث في فرْض السيطرة الإنسانية على الطبيعة كان اختلالًا كبيرًا للتوازن في الطبيعة كلها، وربما في التوازن الجاري بين الكوكب الذي نعيش فيه والكواكب الأخرى، أخذ أشكالًا من "الاحتباس الحراري"، وثقوبًا في غلاف الأوزون الذي يحمي الكرة الأرضية. ولكن مع نهاية القرن العشرين بات الإنسان مغرورًا وواثقًا من نفسه، إلى الدرجة التي أعلن فيها نهاية ليس فقط التاريخ (الإنساني بالطبع)، وإنما نهايات صراعات الإنسان مع "المجاعة" أو الجوع، و"الطاعون" أو المرض، و"الحرب" أو الصراع بين الممالك الإنسانية. استقر الأمر للإنسان، واستوى على عرش الكون، ولكن الثابت من تجربتنا مع "كوفيد-١٩" أن هناك ممالك أخرى من المخلوقات تنتظرنا، وكما هي العادة غريبة ومميتة. ولكن ربما يكون هذا سببًا مهمًا في تحقيق نوع من التواضع الإنساني في مواجهة النفس الإنسانية؛ حتى تسترجع بعضًا من تواضعها. والبشرية لا تزال مهدَّدة من ممالك أخرى، ربما تكون أصيلة لم نرها، وربما تكون تحولات أو Mutations لممالك قديمة تحركت أو قامت من رقادها؛ نتيجة محفزات ربما كنا -نحن البشر- في عالمنا الحالي قد أطلقناها.
 
المستقبل العالمي بعد كورونا
عقب ظهور فيروس كورونا، برزت العديد من النقاشات حول العديد من القضايا التي ما زالت مستمرة ولم نصل الى حلول لها، والتي من أبرزها:

أولًا: حياة الفرد أم الاقتصاد والمال؟
واجهت حكومات الدول معضلة أخلاقية في الاختيار بين اتخاذ العديد من الإجراءات الاحترازية للحفاظ على صحة المواطنين؛ مما يضع الفرد أولًا لكن يدمر الاقتصاد ويؤدي الى انهيار الأعمال والصناعات، أو تضع الاقتصاد في المرتبة الأعلى حتى لو أدى ذلك الى وفيات أكثر. والنظرية الثالثة يميل أصحابها إلى فكرة التعايش مع الفيروس، وتأمل من خلالها الحكومات في التحكم في عملية انتشار كورونا، والتدخل لتحديد البؤر، ومعالجة المصابين والمرضى، ومراقبة الحاملين للفيروس، وفي الوقت نفسه العودة التدريجية الى عجلة الاقتصاد.
 
ثانيًا: النظم الديمقراطية والاستبدادية
هاجم فيروس كورونا العالم في وقت كانت فيه الديمقراطية متعثرة عالميًّا، حتى قبل تفشي الوباء، وباتت بالفعل تحت التهديد، وكان الانكماش الديمقراطي حادًّا بشكل خاص في السنوات الخمس الماضية (٢٠١٥ حتى ٢٠١٩)، وهي فترة السنوات الخمس التي انتقلت فيها الدول إلى الاستبداد أكثر من الديمقراطية، وقد يستغرق الأمر بعض الوقت، ربما سنوات، قبل أن يتم الحكم على التأثير الكامل للوباء على الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، كما يعتمد على كيفية أداء الديمقراطيات، مقارنة مع الأنظمة الاستبدادية، في احتواء الآثار الصحية والاقتصادية للفيروس، وعلى نطاق أوسع على الصين أو الولايات المتحدة والدول الديمقراطية مجتمعة. ولا يوجد سبب وجيه للاطمئنان بشأن التوقعات العالمية للدول الديمقراطية؛ فهناك الكثير من الأسباب التي تدعو الى القلق. لقد ضرب الوباء العالم خلال أصعب فترة للديمقراطية منذ نهاية الحرب الباردة، وعلى الجانب الآخر لم تُضيِّع الأنظمة الاستبدادية أي وقت في استغلالها لتوسيع قوتها وتصلبها؛ فهناك محاولات عديدة من قِبل السياسيين لاستخدام الأزمة للترويج لنموذجهم السياسي المُفضّل. والسجل التاريخي لا يظهر علاقة قوية بين الفعالية ونوع النظام، ففي حين أن أداء بعض الأنظمة الاستبدادية جيد، مثل سنغافورة والصين، فإن أداء البعض الآخر كان ضعيفًا للغاية مثل إيران، وبالمثل، تعثّرت بعض الديمقراطيات، مثل إيطاليا والولايات المتحدة، بينما كان أداء البعض الآخر مثيرًا للإعجاب، مثل كوريا الجنوبية وتايوان.
 
ثالثًا: العولمة والدولة القومية
ربما ما كان سببًا في تفاقم الأزمة، أنه جرى استبعاد "الأمراض المعدية" وسريعة الانتشار من حسابات "العولمة" التي ركزت أكثر على التجارة وحركة المال والاقتصاد في عمومه، وربما القيم أيضًا، والتواصل الاجتماعي أكثر من هجوم ممالك أخرى من المخلوقات على الجنس البشري. وفي وقت بدت فيه "العولمة" ذاتها موضع تساؤل نتيجة الانحراف اليميني الذي جرى في العالم المتقدم خلال العقد المنصرم. ومن الممكن الاستمرار في رصد أشكال الاضطراب الفكري الجارية في النظرة إلى عالم ما بعد "كورونا"، بل إنه يمكن النظر اليه من زاوية أن الأزمة ذاتها لا تزال مستمرة، وأن دلائل عدم اليقين بالنسبة لها لا تزال ماثلة، فلا أحد يعرف متى تنتهي، وحتى الاعتماد على أن نقطة النهاية تكون مع وجود اللقاح والدواء لا يمنع من وجود إمكانية لمعاودة العدوى مرة أخرى، كما أن خصائص المرض ذاتها لا تزال غامضة.
 
ويمكن أيضًا الاستسلام لفكرة أن العالم كان مضطربًا قبل ظهور "كوفيد - ١٩"، حينما جرى التمرد على "العولمة" والانكماش في اتجاه "الدولة القومية" التي تقيم الأسوار والحوائط، وتقطع ما تقدر عليه من جسور فيما سُمي بسياسات "الهوية" التي جعلت كل جماعة بشرية تنسحب أو تنكمش على نفسها. حدوث مثل ذلك مع الاستمرار في التقدم التكنولوجي وتطبيقاته في الثورة التكنولوجية الرابعة، لا بد وأن يؤدي إلى الكثير من الاضطراب والحيرة، خاصة أن الحوكمة العالمية، والمنظمات الدولية، والإقليمية أيضًا، ضعفت وقل شأنها وهيبتها، وباتت حتى أشكال مختلفة من المفاوضات والمعاهدات الدولية متعددة الأطراف موضعًا للشك والتراجع. ما نعلمه حقًا أننا نعيش في عالم مضطرب، وأن هذا العالم المضطرب هو أهم معطيات عالم ما بعد الوباء. وبات العالم يدخل عصرًا من تفكيك العولمة ليس فقط لأن العالم عرف ذلك من زاوية الجغرافيا السياسية من خلال "البريكست" عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكن لأن الشركات تجد استمرار العولمة كمحرك للاقتصاد العالمي أكثر صعوبة، وتجد نفسها مضطرة لأن تعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بتوطينها محليًّا.
 
ولكن ربما كان أكثر ما استغرق جماعة التفكير كان حالة "العولمة"، ومن رأى أن منشأ الأزمة استند إلى الحالة العالمية المندمجة والمرتبطة ليس فقط بسلاسل الإنتاج العالمية وخطوط مواصلاتها واتصالاتها، وإنما أكثر من ذلك بالفيروسات أيضًا. بعد هذا التوصيف تمشي الجماعة في طريقين: التخلص من العولمة والانكفاء داخل الدولة القومية، أو أن "العولمة" كما كانت المشكلة، فإن فيها أيضًا يكمن الحل؛ مما يعني أن تكون هناك عولمة من نوع آخر. وهو ما كتب عنه الملك "عبد الله الثاني ابن الحسين" ملك الأردن، والذي طالب بإعادة العولمة التي تقوي وتبني القدرات، وتبشر بتعاون حقيقي، بدلًا من المنافسة، العولمة التي تعترف بأن دولة واحدة تعمل وحدها لا يمكن أن تنجح. وهذا يعني إعادة معايرة عالمنا وأنظمته، وإعادة تشكيل المؤسسات الدولية، وبناء مؤسسات جديدة عند الحاجة، واستدامة منظمات جديدة تعتمد على مهارات وموارد القطاعات المختلفة عبر الحدود الوطنية. 
 
الخلاصة أنه من الممكن أن يصل العالم إلى المرحلة الأخيرة من الأزمة، وهي مرحلة "التعافي"، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحالة العالمية كلها، ومدى قدرة الدول على التعاون مع بعضها البعض في وقت جرت فيه العديد من التطورات الدولية المهمة. يصل العالم إلى هذه المرحلة، وهو منهك وأقل ثروة وأكثر توترًا، وهو ما يستدعي ترتيبات عالمية جديدة، خاصة أن الترتيبات القائمة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لا تبدو جاهزة للتعامل مع مشكلات ومعضلات عالمية جديدة، كما جرى مع منظمة الصحة العالمية، والعجز الظاهر للأمم المتحدة في التعامل مع المشكلات العالمية المعاصرة. الخروج من أزمة الفيروس بات ممكنًا، ولكن القضية باتت ما هو العالم الذي نجده بعد الشفاء من المرض؟ والحقيقة أنه سوف يكون عالمًا مختلفًا، ولكنه لن يكون فقط استنادًا إلى طبيعة المرض والاستجابة له، وإنما أيضًا، ماذا سوف يتم إعداده والتجهيز له للتعامل مع هذه الحالة الجديدة.
 
المثال المصري
جاءت جائحة كورونا خلال الشهور الأولى من عام ٢٠٢٠؛ لكي تضع مصر ومسيرتها التنموية موضع الاختبار أمام أزمة مختلفة جاءت من مملكة أخرى غير ممالك البشر أو ممالك الدول، وإنما هي من الممالك التي تهدد وتقتل ولا تُرَى، ويكون ضحاياها من البشر ومن الثروة. ورغم ما حدث من تراجع في الإصابات والوفيات منذ مطلع العام الجاري ٢٠٢١ في مصر والعالم، فإن الأزمة مستمرة وهي لا تخص مصر وحدها، وإنما النظام الاقتصادي العالمي؛ مما أثّر على مصر أيضا في أمور كثيرة لها علاقة بالتجارة والسياحة، وأسعار النفط، وما يترتب عليها من تحويلات للعاملين المصريين في الخارج. وهكذا تعرضت مسيرة التنمية في مصر التي انطلقت خلال السنوات الخمس الماضية الى ضربة كبيرة على الرأس عندما انفجرت أزمة كورونا، ولن يقلل من الضربة كثيرًا أن الأزمة عالمية بالفعل ولم تنج منها دولة في العالم. وفي الحقيقة، فإن أزمة كورونا أضافت ثلاث أزمات مُحْكَمة التأزُّم: الأولى كانت أزمة صحية كبري، والثانية أزمة اقتصادية لها أبعادها العالمية والمحلية، والثالثة ذات طبيعة اجتماعية؛ حيث فرضت الأزمة تغيرات كثيرة في السلوكيات الاجتماعية، خلقت صعوبات كثيرة في التكيف معها.
 
والحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يتنبأ بموعد انقشاع غبار الأزمة، والمرجَّح أن بعضًا من آثارها سوف يظل معنا دائمًا، وما لا يقل أهمية عن ذلك سوف يكون شكل ونوعية الركام الذي سوف تتركه. ولعل ذلك تحديدًا هو ما على الدولة والنخبة الاقتصادية والفكرية والشعب بكل أطيافه أن يفكروا فيه على ضوء أمرين؛ أولهما: أنه رغم كل الأبعاد السابقة للأزمة فإن المسيرة التنموية المصرية لم تتوقف، وكانت مصر ضمن عدد قليل من دول العالم التي حافظت على معدل إيجابي للنمو خلال سنة الأزمة الأولى. وثانيهما: أنه رغم التوصل إلى اللقاحات، وبعض من العلاج للمرض، فإن التغيرات الجارية في الفيروس، وعمليات تصنيع وتوزيع اللقاح على مستحقيه، كلها تشي بأن الأزمة أو بعضًا منها سوف تستمر معنا حتى نهاية العام، وسوف تُلقي بآثارها بشكل أو آخر على الأعوام القادمة، وعلى ضوء ذلك فإن الاستراتيجية المصرية للتعامل مع الأزمة عليها من ناحية أن تقلل من آثارها إلى أدنى درجة، بينما تعزز القدرة على استمرار التنمية، وبمعدلات نمو عالية في الوقت نفسه. 
 
تحقيق ذلك يمكن من خلال أربعة مجالات رئيسة أثّرت فيها أزمة كورونا، ويمكنها أن تشكِّل فرصة ودفعة كبيرة على الطريق الذي تسير فيه مصر الآن، وتستفيد من أهم إنجازاته، وتتوقَّى أخطر المعوقات أمامه، وهي: تحويل قطاع الصحة الخدمي إلى صناعة كبيرة متعددة الأبعاد، وتحقيق التباعد الاجتماعي من خلال تقليل الكثافات السكانية والانتشار العمراني من نهر النيل إلى البحار والخلجان والجزر المصرية، وتفعيل أكبر وأكثر كفاءة للبنية الرقمية في مصر، والدفع الكبير لتحقيق التوازن الاقتصادي في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، كلها تقع في قلب العملية الجارية لتنمية مصر والدفع بها إلى صفوف الدول المتقدمة. وهذه الأمور كلها لا تدعو إلى تغيير المسار، وإنما جعله أكثر كفاءة وسرعة وإنتاجية ومراعاة لعملية السباق الجارية في العالم. الأزمة لم تشلّ مصر، ولم تعوقها، ولكنها وضعت أعباءً أدت إلى تباطؤ النمو الذي يحتاج إلى استئناف، وزيادة في السرعة والمعدلات. 

تقييم الموقع