IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

كورونا وعدالة توزيع اللقاحات

 الأربعاء. 07 أبريل., 2021

كورونا وعدالة توزيع اللقاحات

 د. إسراء أحمد إسماعيل

صاحَب التفاؤل بشأن التوصل إلى العديد من اللقاحات لفيروس كورونا بروز عوائق كثيرة أمام توفيرها وتوزيعها في دول العالم، مع عودة الأنماط المألوفة من عدم المساواة إلى الظهور مع اكتساب حملة اللقاحات العالمية زخمًا كبيرًا. علاوة على ذلك، فإن التنافس الجيوسياسي يعوق التعاون متعدد الأطراف في القضايا الحاسمة بما في ذلك الصحة العامة، وبالنظر إلى أن ما يقدَّر من ١٠% فقط من سكان العالم أصيبوا بفيروس كورونا المستجد حتى الآن، فإن ذلك يوضح حجم الجهود اللازمة لتوسيع نطاق توزيع اللقاحات عالميًّا، وهو ما سيتطلب توثيق التعاون الدولي، الأمر الذي قد يستغرق وقتًا أطول بكثير مما يتصوره البعض. وفي هذا الإطار، سيتم إلقاء الضوء على أبرز التحديات التي تواجه عملية توزيع اللقاحات في العالم، وتداعيات التوزيع غير المتكافئ على الاقتصاد العالمي.

صاحَب التفاؤل بشأن التوصل إلى العديد من اللقاحات لفيروس كورونا بروز عوائق كثيرة أمام توفيرها وتوزيعها في دول العالم، مع عودة الأنماط المألوفة من عدم المساواة إلى الظهور مع اكتساب حملة اللقاحات العالمية زخمًا كبيرًا. علاوة على ذلك، فإن التنافس الجيوسياسي يعوق التعاون متعدد الأطراف في القضايا الحاسمة بما في ذلك الصحة العامة، وبالنظر إلى أن ما يقدَّر من ١٠% فقط من سكان العالم أصيبوا بفيروس كورونا المستجد حتى الآن، فإن ذلك يوضح حجم الجهود اللازمة لتوسيع نطاق توزيع اللقاحات عالميًّا، وهو ما سيتطلب توثيق التعاون الدولي، الأمر الذي قد يستغرق وقتًا أطول بكثير مما يتصوره البعض.  وفي هذا الإطار، سيتم إلقاء الضوء على أبرز التحديات التي تواجه عملية توزيع اللقاحات في العالم، وتداعيات التوزيع غير المتكافئ على الاقتصاد العالمي.
هيمنة الدول الغنية على اللقاحات 
في تقرير نشرته مجلة فورين أفيرز، أوضحت خلاله حصول الدول مرتفعة الدخل على نحو ٩ مليارات جرعة من اللقاحات، من خلال التعاقد مع شركات الأدوية، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى الاستحواذ على الإنتاج العالمي للقاحات خلال العام المقبل، وربما لفترة أطول، على سبيل المثال، نحو ٨٠% من جرعات لقاح فايزر-بايونتيك التي يُتوقَّع إنتاجها في عام ٢٠٢١ محجوزة بالفعل، وكذلك ١٠٠% من الجرعات التي تتوقع شركة مودرنا Moderna إنتاجها. ولم تكتف الدول الغنية فقط بالإسراع لتأمين توفير اللقاحات لشعوبها قبل الدول الأخرى، وإنما قامت العديد منها بتخزين كميات كبيرة من اللقاحات، مثل الولايات المتحدة واليابان، وأمام هذا الموقف ستواجه الدول منخفضة الدخل مشكلة التأخير في الحصول على اللقاحات اللازمة لمواطنيها، وانتظار توزيعها وفقًا للآليات التي تراها الدول الغنية المانحة مناسبة.  
لقد أظهرت أزمة كورونا مشكلة تنامي النزعات القومية فيما يتعلق بتوزيع اللقاحات Vaccine nationalism، إذ تضع البلدان الغنية عراقيل لا يمكن للدول النامية التغلب عليها والوصول إلى اللقاحات؛ حيث إن قدرتها على تجربة لقاحات لفيروس كورونا وتصنيعها بتكلفة زهيدة تعوقها قواعد الملكية الفكرية، وكمثال على ذلك، تم حظر اقتراح قدمته الهند وجنوب إفريقيا إلى منظمة التجارة العالمية، في أكتوبر ٢٠٢٠، لتعليق حقوق الملكية الفكرية بهدف توسيع نطاق إنتاج اللقاحات في البلدان الفقيرة، حيث عارض كلٌّ من كندا والاتحاد الأوروبي والنرويج والولايات المتحدة والمملكة المتحدة الاقتراح، ويرجع الدافع لتقديم هذا الاقتراح إلى أن النهج القائم على السوق لا يعمل على النحو المنشود لإتاحة الفرصة أمام الدول النامية لإنتاج لقاحات لمواجهة فيروس كورونا بكميات كافية، وبأسعار معقولة، وحتى مبادرة "كوفاكس" غير كافية لضمان الوصول الشامل والمنصف في الوقت المناسب للقاحات، خاصة مع رفض الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا المشاركة فيها، أما الدول الغنية فقد رفضت هذا الاقتراح على أساس أن نظام الملكية الفكرية يحفز الابتكار، وأن الوصول العادل للقاحات يمكن تحقيقه من خلال المبادرة، ونقل التكنولوجيا على أساس كل حالة على حدة. هذا ويتم بالفعل استخدام اللقاحات المنتَجة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين على نطاق واسع، لكن الجرعات لا يتم تقاسمها بالتساوي بين البلدان، فالدول الغنية التي تمثل نحو ١٤٪ فقط من سكان العالم اشترت أكثر من نصف اللقاحات ٥٣%. 
ووفقًا لوحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجلة الإيكونوميست، لن تتمكن العديد من الدول الإفريقية من الوصول إلى اللقاح قبل عام ٢٠٢٣، ويمكن أن يمتد هذا الجدول الزمني حتى منتصف العقد حتى تتحقق التغطية الشاملة لجميع سكان القارة، وبالتالي، قد تعاني العديد من الدول الإفريقية من الآثار الاجتماعية والاقتصادية للوباء بسبب التحديات المتعلقة بإمكانية الوصول إلى اللقاح؛ بسبب نقص الإمدادات العالمية، حيث تحتاج القارة إلى ١,٥ مليار جرعة لتطعيم ٦٠% من السكان، وهو الحد الحالي المستهدف للاتحاد الإفريقي. وحتى الآن، حصل الاتحاد على ٢٧٠ مليون جرعة لقاح فقط، شملت لقاح فايزر-بايونتيك وجامعة أكسفورد وأسترازينيكا، وجونسون آند جونسون، ووفقًا للمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، فإن معظم بلدان القارة وفرت التطعيمات الكافية لما بين ٥ - ١٠% فقط من سكانها، وهناك نقص يقدَّر بنحو ١,٣ مليار جرعة للوصول إلى هدف الاتحاد المتمثل في تحصين ٦٠% من السكان. 
مشكلة فوائض اللقاحات
شهد عدد من الدول الغنية تطوير عدد كبير من اللقاحات تجاوز الكمية المطلوبة لتطعيم مواطنيها، في ظل محاولة تجربة فعاليتها، وهنا يثور التساؤل حول مصير اللقاحات الزائدة، وهل سيتم إهدارها، أو تداولها بسعر أعلى، أو تخصيصها مجانًا أو بسعر التكلفة للبلدان الأفقر، وفي ضوء تلك المخاوف، أعرب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، "تيدروس أدهانوم"، عن أسفه لعدم حصول العديد من البلدان على اللقاحات، وهو ما دفعه لوصف العالم بأنه "على شفا فشل أخلاقي كارثي"؛ إذ لا يعد تطوير لقاح كورونا ناجحًا حتى يتم حل مشكلة إعادة التوزيع.  وفي هذا الإطار، حصل الاتحاد الأوروبي على ٢,٣ مليار جرعة، بناءً على الاتفاق مع ست شركات مختلفة؛ شملت: فايزر-بايونتيك (نحو ٦٠٠ مليون جرعة)، أسترازينيكا (نحو ٤٠٠ مليون جرعة)، ولقاح سانوفي- جي إس كي (٣٠٠ مليون جرعة)، وجونسون آند جونسون (٤٠٠ مليون جرعة)، ولقاح كيورفاك (٤٠٥ ملايين جرعة)، وموديرنا (١٦٠ مليون جرعة)، إضافة إلى محادثات المفوضية الأوروبية مع شركة نوفافاكس، للحصول على نحو ٢٠٠ جرعة من لقاحها، ومع شركة فالنيفا للحصول على ٦٠ مليون جرعة.  وذلك على الرغم من أن تعداد الاتحاد الأوروبي بلغ نحو ٤٤٨ مليون نسمة (في يناير ٢٠٢٠)، وقد يُرجع البعض الزيادة في حجم الجرعات التي تعاقد عليها الاتحاد الأوروبي إلى أن هذه اللقاحات تتطلب جرعتين لتوفير الحماية الكاملة -باستثناء بعض اللقاحات أحادية الجرعة مثل لقاح شركة جونسون آند جونسون- لكن حتى مع ذلك سيكون هناك فائض من اللقاحات، وبالطبع، سيتغير حجم هذه الفوائض مع ظهور بيانات جديدة، حيث قد يتم تقديم طلبات جديدة، أو إلغاء بعضها، وقد تفشل اللقاحات التي ما تزال قيد التطوير أثناء الاختبار.
وقد يعد تخزين اللقاحات من قِبل بعض الدول أمرًا مقبولًا، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية الحاجة إلى لقاحات سنوية أو دورية، ومع ذلك، فإن احتمالية انتهاء صلاحية بعض اللقاحات الفائضة لدى بعض الدول، أو أن تصبح عديمة الفعالية في بعض مناطق العالم؛ نظرًا لتحور الفيروس، تشير إلى أن التخزين أمر غير منطقي، وقد تسمح بعض العقود بتأجيل أو إلغاء الدُفعات التي تم طلبها بشكل زائد عن الحد، ولكن ذلك من المستبعد أن يحد من مشكلة فوائض اللقاحات.
يمكن للعديد من المؤسسات الدولية المساعدة في إعادة التوزيع، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، والتحالف العالمي للقاحات (GAVI)، والتحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة (CEPI)، إلى جانب مرفق إتاحة لقاحات كوفيد - ١٩، المعروف بمبادرة "كوفاكس" Covax، وهي آلية تهدف لمشاركة اللقاحات بشكل عادل حول العالم، وتطعيم ما لا يقل عن ٢٠٪ من سكان كل دولة بحلول نهاية هذا العام،  وتسعى المبادرة على وجه الخصوص لضمان حصول أفقر ٩٢ دولة على اللقاحات في الوقت نفسه مع أغنى ٩٨ دولة ، وقد أحرزت بالفعل تقدمًا فيما يتعلق بطلب لقاحات جديدة والتخطيط لتوزيعها بشكل أوليّ، لكنها لم توضح بعد كيف ستعيد توزيع أي لقاحات فائضة يتم التبرع بها لها، كما أن "كوفاكس" لا تملك سلطة الإلزام لإجبار الدول على مشاركة فوائضها معها، وسيُترَك الأمر لقرارات الحكومات الفردية، أخذًا في الاعتبار إمكانية استخدام فوائض اللقاحات لتعزيز أهداف السياسة الخارجية للدول.
التنافس الجيوسياسي
تسعى الصين لتقديم المساعدات للدول الأخرى في ظل ما أُطلق عليه "دبلوماسية اللقاح" الصينية، ومن بين ١١ لقاحًا مضادًا لوباء كورونا تم التصريح به حتى الآن، يوجد ثلاثة لقاحات صينية، وهي: "سينوفارم" (Sinopharm)، و"سينوفاك" (Sinovac، و"كانسينو)" (CanSino)، وتهدف بكين لتعظيم نفوذها السياسي والاقتصادي، ولذلك أرسلت اللقاح إلى عدة دول، من بينها كمبوديا وميانمار وباكستان وصربيا، فضلاً عن عزمها على توزيع اللقاحات على العديد من الدول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا ، وعلى هذا النحو، تجد الدول النامية نفسها عالقة بين دبلوماسية اللقاح الصينية ورغبة الغرب في الاستحواذ على اللقاحات، فقد تعهَّد الرئيس الصيني "شي جين بينغ"، في مايو ٢٠٢٠، بجعل لقاحات كورونا منفعة عامة عالمية global public good، لكن تشير بعض التقديرات الغربية إلى أن التفاصيل المتعلقة بإيصال اللقاح غير واضحة، على سبيل المثال، اقترحت الحكومة الصينية في البداية توفير اللقاحات للدول الإفريقية مجانًا، لكنها عادت وذكرت لاحقًا أنها ستوفر اللقاحات بتكلفة منخفضة، كما تتصاعد الشكوك حول فعالية هذه اللقاحات، حيث تتراوح فعالية لقاح كورونافاك الصيني بين ٥٠,٤٪ و٧٨٪، على سبيل المثال. ومع ذلك، فقد أنشأت الصين شبكات لوجستية لتوصيل اللقاحات إلى إفريقيا، ومناطق أخرى من العالم، من خلال جسر جوي بين شينزين وأديس أبابا. كذلك تعمل دول أخرى على تكثيف دبلوماسيتها في مجال اللقاحات، فقد عرضت روسيا على الاتحاد الإفريقي ٣٠٠ مليون جرعة من لقاح Sputnik V، إلى جانب حزمة تمويل للدول التي ترغب في تأمين اللقاحات، كما تستفيد الهند من صناعة الأدوية لتوسيع نطاق قوتها الناعمة، وفي هذا الإطار، تلقى كل من أفغانستان، وبنجلاديش، وميانمار، وجزر المالديف، ونيبال، وسريلانكا، وسيشيل جرعات مجانية من لقاح أكسفورد أسترازينيكا من إنتاج معهد المصل في الهند، الذي يعد من أكبر مصانع اللقاحات في العالم.  
التشكيك في فعالية اللقاحات
في دراسة استقصائية أشار إليها تقرير مجلة فورين أفيرز، حول الاستعداد للتلقيح في ١٩ دولة، وافق ٧١% فقط من المستجيبين على أن يتم تطعيمهم، وكانت أعلى نسبة في الصين ٩٠%، وأقل نسبة في روسيا ٥٥%، كما أوضح مسح آخر شمل ١٥ دولة، تخلُّف سكان أوروبا وأمريكا الشمالية عن سكان آسيا وأمريكا اللاتينية في الرغبة في تلقي اللقاح، فضلًا عن تراجع الرغبة في التطعيم خلال الأشهر الأخيرة، حيث تنامت الشكوك في مدى فعالية اللقاحات، خاصة في ضوء وقوع عدد من حالات الوفاة بعد التطعيم في بعض الدول، علاوة على انتشار المعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ مما أسهم في تقويض الثقة في اللقاحات، وإعراض الكثيرين عن الحصول على التطعيم. 
تحديات لوجستية وفنية
تثور التساؤلات حول المعيار الذي يتحدد بموجبه المكان الذي يجب إرسال اللقاحات إليه، وفي هذا الصدد يوجد مقترحان؛ المناطق التي تشهد ارتفاع معدلات العدوى بالفيروس، ومخيمات النازحين واللاجئين، حيث يصعب تطبيق التباعد الاجتماعي، وغالبًا ما تفتقر إلى الإمدادات الطبية، ومعدات الحماية الشخصية. ومن ناحية أخرى، ستواجه عملية توزيع اللقاحات التي تتطلب تخزينًا باردًا مشكلة لدى كثير من البلدان التي تفتقد إلى البنية التحتية اللازمة، وهنا تبرز إحدى الأفكار المبتكرة في استخدام المطارات الدولية في بعض البلدان التي تتوفر لديها الإمكانات اللازمة "كمطارات تبريد" coolports، وتوزيع اللقاحات المعتمدة من هناك، ومن ثمَّ قد يصبح المعيار المتحكم في عملية التوزيع ليس حاجة الدول أو أهداف السياسة الخارجية لبعض الدول، وإنما مدى توفر الخدمات اللوجستية.  فبالنسبة لقارة إفريقيا على سبيل المثال، لدى اثنان وعشرون دولة فقط نظام تبريد مناسب لتخزين وحفظ اللقاحات، وذلك بخلاف التحديات الأخرى الخاصة بمحدودية قدرة العاملين في مجال الرعاية الصحية.  
تحديات مالية
تقود خطة توزيع اللقاحات منظمة الصحة العالمية (WHO)، بمشاركة التحالف العالمي للقاحات (GAVI) والتحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة (CEPI)، وقد تمكنت مبادرة "كوفاكس" من جمع ٦ مليارات دولار، لكنها ما زالت تحتاج على الأقل إلى ملياري دولار إضافية لتحقيق هدفها لعام ٢٠٢١، وقد تعهدت الولايات المتحدة بدفع مبلغ ٤ مليارات دولار في ديسمبر، وكان أحد الإجراءات الأولى للرئيس "جو بايدن" بعد توليه منصبه، انضمام الولايات المتحدة إلى مبادرة "كوفاكس". ومن ناحيتها، ساهمت حكومة المملكة المتحدة بمبلغ ٧٣٤ مليون دولار، وأوضحت أنها ستتبرع بمعظم فائض إمداداتها من اللقاحات للدول الفقيرة، وفي هذا الإطار، أوضح الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" أن على الدول الغنية إرسال ما يصل إلى ٥٪ من إمداداتها الحالية من اللقاحات إلى الدول الفقيرة، وتشمل البلدان ذات الدخل المنخفض التي يُحتمل أن تتلقى اللقاحات الأولى: أفغانستان وهايتي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا والصومال.   
تداعيات التوزيع غير المتكافئ للقاحات
مهما كان حجم الخسائر الناجمة عن الجائحة، فإن الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان ستتحمل ما يقرب من نصف عبء الاضطرابات المستمرة في التجارة العالمية، حتى لو تمكنت هذه الدول من تطعيم جميع سكانها، ووسط التوزيع غير المتكافئ للقاحات والذي يقود إلى تخلُّف البلدان الفقيرة كثيرًا عن الدول الأكثر ثراءً، هناك موضع قلق آخر يطرح نفسه، يتمثل في تكلفة عدم تطعيم الجميع، إن التوزيع غير المتكافئ للقاحات من شأنه إلحاق ضرر كلي بالاقتصاد العالمي، فعلى سبيل المثال، يعتمد قطاع البناء في الولايات المتحدة على الفولاذ المستورد من البرازيل، ويحتاج مصنعو السيارات الأمريكيون إلى الزجاج والإطارات التي تأتي من دول في آسيا، وما إلى ذلك، وقد تسببت جائحة كورونا في تعطيل شحنات الصلب والزجاج وغيرهما من الصادرات إلى الدول الأخرى.  
وقد أظهرت التقديرات كيف يمكن أن تساعد اللقاحات في تخفيف هذه التكاليف الاقتصادية؛ لأن القوى العاملة السليمة تعني زيادة القدرة على الإنتاج، وبالتالي حتى إذا تم تطعيم سكان الدول الغنية بالكامل بحلول منتصف هذا العام، في مقابل تطعيم نصف سكان الدول النامية فقط، فإن الخسائر الاقتصادية العالمية قد تصل إلى حوالي ٤ تريليونات دولار أمريكي، في حين أنه لو لم تقم الدول النامية بتطعيم أي من مواطنيها فإن الخسائر الاقتصادية ستصل إلى حوالي ٩ تريليونات دولار، ومن ثمَّ يتضح أن المصلحة الاقتصادية المباشرة للدول الغنية تتطلب توزيع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا في الدول الفقيرة بشكل كامل أيضًا، فالصناعات التي تعتمد على سلاسل إمداد خارجية ستستمر في المعاناة إذا لم يتم توفير اللقاحات في جميع أنحاء العالم، ولن يتحقق الانتعاش الاقتصادي العالمي الكامل إلا عندما تتعافى كل اقتصادات العالم من الوباء. 
 

تقييم الموقع