IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

أزمة كورونا.. التحديات والفرص

 الثلاثاء. 27 أبريل., 2021

أزمة كورونا.. التحديات والفرص

 أ. د. ساري حنفي

حتى الآن، من المؤكد أن عام ٢٠٢١ لن يرقى إلى مستوى تمنياتنا التي بُحنا بها ونحن ندخل في هذا العام الجديد. نحن نشهد حاليًا واحدة من أكثر الأوبئة المدمرة في التاريخ الحديث، مع 148 ملايين حالة مؤكدة وأكثر من 3 مليون حالة وفاة على مستوى العالم. فالتداعيات البشرية والاقتصادية التي ألحقها فيروس كورونا بالعديد من بلدان العالم ربما تصبح نقطة تحول مهمة بالنسبة للعالم والمستقبل بأسره، فقد كشفت الأجواء السريالية لوباء كوفيد - ١٩ خطوط الصدع في الثقة بين البشر والدول؛ بين المواطنين والحكومات، وهي تدفعنا إلى طرح أسئلة كبيرة حول أنفسنا وعلاقاتنا الاجتماعية والحياة بوجه عام. ولا تقتصر هذه الأزمة فقط على الصحة العامة والبيئة أو الاقتصاد، فما نشهده هو لحظة الحقيقة فيما يتعلق بأزمة الحداثة المتأخرة ونظامها الرأسمالي على نطاق واسع وشامل، ولن نتمكن من العودة ببساطة إلى «العمل كالمعتاد» بعد أن نمر بهذه الأزمة، وينبغي أن تعمل العلوم والأبحاث الاجتماعية وغيرها على تحليل هذه الحقائق الجديدة والانخراط بنشاط في معالجتها.

حتى الآن، من المؤكد أن عام ٢٠٢١ لن يرقى إلى مستوى تمنياتنا التي بُحنا بها ونحن ندخل في هذا العام الجديد. نحن نشهد حاليًا واحدة من أكثر الأوبئة المدمرة في التاريخ الحديث، مع 148 ملايين حالة مؤكدة وأكثر من 3 مليون حالة وفاة على مستوى العالم. فالتداعيات البشرية والاقتصادية التي ألحقها فيروس كورونا بالعديد من بلدان العالم ربما تصبح نقطة تحول مهمة بالنسبة للعالم والمستقبل بأسره، فقد كشفت الأجواء السريالية لوباء كوفيد - ١٩ خطوط الصدع في الثقة بين البشر والدول؛ بين المواطنين والحكومات، وهي تدفعنا إلى طرح أسئلة كبيرة حول أنفسنا وعلاقاتنا الاجتماعية والحياة بوجه عام.
 ولا تقتصر هذه الأزمة فقط على الصحة العامة والبيئة أو الاقتصاد، فما نشهده هو لحظة الحقيقة فيما يتعلق بأزمة الحداثة المتأخرة ونظامها الرأسمالي على نطاق واسع وشامل، ولن نتمكن من العودة ببساطة إلى «العمل كالمعتاد» بعد أن نمر بهذه الأزمة، وينبغي أن تعمل العلوم والأبحاث الاجتماعية وغيرها على تحليل هذه الحقائق الجديدة والانخراط بنشاط في معالجتها.
 
مستقبل الحركات الاجتماعية «ما بعد كورونا»
 
أثبت فيروس كوفيد - ١٩ بالفعل أن العالم قرية صغيرة، وأوضح مدى الترابط الحقيقي للعالم، الأمر الذي وضعنا أمام تساؤل حقيقي، ومفاده هل هذا القدر من التضامن الإنساني عالميًا الذي تجلّى خلال جائحة كورونا لم تفرضه العولمة من قبل؟، وفي معرض الإجابة عن هذا التساؤل، يرى معظم باحثي العلوم الاجتماعية أن القوى التقدمية وبعض القوى اليسارية فشلت في إصلاح الإشكاليات التي تمخَّضت عنها العولمة والحداثة المتأخرة التي تفرضها.
 
وقد جادل الفيلسوف الفرنسي «جيل ديلوز» أن اليسار وعددًا ليس بالقليل من باحثي العلوم الاجتماعية، باستثناء الاقتصاديين الأرثوذكس، يدركون العالم من خلال العلاقات التي تبدأ من بعيد، وتتحرك إلى الأقرب.  ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى ظاهرة اللامساواة الاجتماعية باعتبارها نموذجًا على ترسيخ حالة الاستغلال في النظام الدولي منذ الحقبة الاستعمارية، وتشكيل الإمبراطوريات العظمى. ومن هنا، جاءت مناشدات أطلقها علماء الاجتماع لمعالجة التبعات الاجتماعية للاستعمار، والانتقال بعد ذلك إلى معالجة جذور الاستغلال، وفضلًا عن ذلك، فإن كثيرًا من الحركات الاجتماعية اليسارية تهتم بالمشاركة الديمقراطية العرضية (أي المرتبطة بحدث ما).
 
وفي هذا السياق، يتمثل مستقبل فاعلية الحركات الاجتماعية والتنظير المعرفي لها في مرحلة ما بعد كورونا في القدرة على الانتقال من المقاربة التقليدية (من البعيد إلى القريب) إلى حركة الذهاب والإياب في عدة مستويات، أي البدء بمفهوم القريب (الجماعة والأُسرة وأخلاقيات الحب والضيافة والرعاية)، ثم الارتقاء إلى مستوى الدولة الوطنية والإنسانية ككل. 
 
ففي كثير من بقاع العالم، دفعت أزمة كورونا وظائف منظمات المجتمع المدني المتمثلة تاريخيًّا في الإغاثة والتوعية والمدافعة والتأثير في متّخذي القرار، إلى تفعيل وظيفة جديدة هي التضامن. ووفقًا لـ «جوفري بلايرز» فإن الإغاثة تختلف عن التضامن في كون هذا الأخير هو فعل اجتماعي لا يتم عبر قيام الأشخاص الأكثر ثراءً بالتبرع لـ «إنقاذ الفقراء»، وإنما بالتكاتف لمواجهة الفيروس والأزمات، من خلال مبادرات أكثر فاعلية ممّا تقدمه المنظمات الأهلية في عملها الإغاثي المعتاد.
 
وفي ظل أزمة كبيرة مثل جائحة كورونا، والتي ألقت بظلالها على جميع دول العالم، فإن التركيز على تفعيل وظيفة التضامن خلال هذه الأزمة يجب ألّا يُخفي الأدوار المهمة التي تؤديها اليوم الحركات الاجتماعية، باعتبارها مصدرًا لمعرفة جديدة تنبع ليس فقط من حسها العملي الناتج عن نشاطها وحركتها، بل أيضًا عن تنظير أكاديميتيها ومثقفيها.
 
مكافحة التدمير الإيكولوجي
 
كوفيد - ١٩ هو مرض العولمة، والأنثروبوسين (Anthropocene) هو حلقة من حلقات التدمير التي يقوم بها الإنسان في حق بيئته وكوكبه، عُرِف منذ مدة، أن موطن هذا الفيروس المُستجد هو بعض الحيوانات الصغيرة غير المُستأنسة، التي يبقيها الصينيّون في منازلهم والمَطاعم، وتُقدَّم كوجباتٍ فاخرة لإظهار التميُّز الاجتماعي، والتي تستخدم أيضًا كعقارات طبية وعلاجات سحرية لبعض الحالات المستعصية، إن هذه المُعتقدات لا تنحصر بالصينيين ولا يجب تحميل مسؤولية انتشار هذا الفيروس بما نوصم (إعطاء أحكام نمطيّة مُسبقة) به الصينيين من «انعدام النظافة» في الطعام، وأكلهم لأنواع مختلفة من الحيوانات بما في ذلك القطط والكلاب (دون التساؤل لماذا يُعد أكل مثل هذه الحيوانات غريبًا جدًا بينما لا نجد ذلك عند شعوب أخرى تأكل الحلزون مثلًا!)، الموضوع هو مُشاركتنا جميعًا بتَدمير بيئتنا بسبب الجشع، حيثُ نأكل كثيرًا، ونسعى إلى تجميع الكثير من المال، ولا نكتفي بما لدينا بل نريد المَزيد دائمًا، المزيد من السفر (إذ أصبحت الإجازة تعني السفر حصريًا)، والملابس الفاخرة وأحدث الماركات، وأحدث الهواتف المَحمولة. لذا سمحت الرأسماليّة الريعيّة والجشعة والعولمة بتحقيق ثروات كبيرة لحفنة من رجال الأعمال في مُدننا وذلك في وقتٍ قصيرٍ جدًا.
 
وقامت الطبقة الوسطى الجديدة والطبقة الوسطى الدنيا الجديدة بنسْخ هذا الجشع ولو على مستويات أقل لعدم قدرتها على التقليد الكامل، إنها مُحاولات أسطوريّة للوصول إلى السعادة، في ظل «معدلات النمو» المستمرة كما لو أن الموارد لا نهاية لها، إلا أن هذه النمطية لا تؤدي إلا إلى المزيد من المشكلات الصحية والأوبئة والموت والكوارث الطبيعية: إن التخمة عدو للشهوة، ويربط الفيلسوف اللبناني «مشير باسيل عون» حق الدهاء الاقتصادي المعولم الذي يُتقن فن النفاذ إلى باطن الوعي الإنساني المعاصر، بتخريب مباني الرغبة السليمة.
 
ويسترجع «عون» الفيلسوف الفرنسي «بول ريكور» (١٩١٣ - ٢٠٠٥) الذي اعتبر أن «اللذّة المتخيَّلة تُسمَّى رغبة»، الرغبة إذًا قد تعني التخيُّل والتوهُّم وتعبِّر عن جزء لا عقلاني ولا شعوري من النفس، وهنا تستطيع «مخطّطات الاقتصاد الاستهلاكي أن تنسل إلى مباني الوعي الباطني لكي تنقض على مخيلة الإنسان الراغب، فتزيّن له الواقع المشتهى بأبهى الصور والرسوم».
 
ويتابع في هذا الخط بأمثلة على نتائج ذلك: «لست أظن أن بالناس حاجةً إلى ابتلاع ثمار من الأرض المزروعة حُقنت بمواد مستلّة من عضويات أخرى أو جرى التلاعب بتركيبتها الجينيّة، ولست أظن أن التواصل الإنساني يُسرّ بتكثيفٍ ضخم في التناقل المعلوماتي وبتسريع هائل في الإبلاغ الهوائي يُفضيان كلاهما إلى موجات حارقة تخترق الأجساد، وتتلف الأعصاب، وتضرّ بالخلايا... ولست أظن أن الإنتاج الزراعي لا يكفي الناس حتى يقتلعوا الغابات ويطردوا منها الحيوانات والحشرات التي منها تأتيهم جميع ضروب الفيروسات الفتّاكة». 
  
إذًا لا يمكن فصْل النضال من أجل البيئة عن نوع الاقتصاد السياسي وطبيعة النظام الاقتصادي الذي نريده. إن رأسمالينا النيو ليبرالية ليست فقط طريقة إنتاج بل هي أيضًا تكوينات اجتماعية تنظم العلاقة بين البشر والطبيعة، وربما أفضل تحليل للأزمة الحالية في توجُّه الدول «للنمو السريع» جاء من جانب الاقتصادي الأمريكي «جيمس جالبريث»، وعالم الاجتماع الألماني «كلاوس دور»، حيث ذكرا أن النمو السريع يعتمد على استقرار التكاليف (costs) الثابتة للمواد الخام والطاقة على المدى الطويل، وعندما لا يكون كذلك، كما هو الحال الآن، تتكثّف المضاربات المالية وتتقلّص الأرباح، وتُوَلَّد نزاعات حول توزيع الأرباح بين العمال والإدارة والمالكين وسلطات الضرائب، إضافة إلى ذلك، فإن تكلفة التغير المناخي مرتفعة، حيث إن محاولة خفض انبعاثات الكربون أكثر فأكثر جعلت العديد من الأنشطة التجارية المستهلكة غير مربحة، وبالتالي يقترح كلا المؤلفيْن «اقتصادًا جديدًا واعيًا بطيء النمو، يدمج الأسس البيوفيزيائية للاقتصاد في آليات عمله»..
 
الجاهزية للمستقبل
 
يتعين على الأكاديميين الاستعداد لمرحلة ما بعد الوباء، وكذلك جميع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني وصانعي السياسات العامة، من أجل تحويل هذه المأساة إلى ميزة، ولنتذكر، كان للكساد العظيم (Great Depression) في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي تأثير عميق في جميع أنحاء العالم، وكانت الاستجابات السياسية للأزمات مختلفة جذريًا، لنأخذ الولايات المتحدة والصفقة الجديدة (New Deal) التي اقترحها الرئيس «فرانكلين روزفلت» بين عامَي ١٩٣٣ و١٩٣٩ مثالًا، حيث كانت الصفقة عبارة عن سلسلة من البرامج الخاصة بالإصلاحات المالية، وإصلاح قوانين العمل، وإصلاح العلاقات بين الإثنيات، ومشروعات للأشغال العامة،  وعلى النقيض، تعاملت ألمانيا مع الأزمة من خلال استبدال النظام النازي بالديمقراطية. ويذكرنا «ميشيل فيفيوركا»، في مقابلة أجراها مع صحيفة ليبراسيون الفرنسية، أنه في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت المقاومة الفرنسية في عام ١٩٤٤برنامج عمل للمقاومة، وأسموه «الأيام السعيدة» (Les Jours heureux).
 
من الضروري أن نقول إنه لم يكن هناك فقط بعض التدابير السياسية لاستعادة الديمقراطية، ولكن تم إدراج تدابير اقتصادية راديكالية، إلى جانب بعض التدابير الاجتماعية، ولا سيما تحسين الأجور، وإعادة تأسيس نقابات العمال المستقلة، وخطة شاملة للضمان الاجتماعي، كانت السنوات الثلاثون التالية فعلًا السنين السمان، أي أيامًا سعيدًة حقًا لفرنسا، وبالتالي، علينا أن نقرر في أي اتجاه سنذهب، وما هو نمط حياتنا لما بعد كورونا، التخطيط مهم للغاية، ولكن يجب تعبئة جميع الموجهين الأخلاقيين لبناء الاعتراف والحظوة المجتمعية لا على النجومية والنزعة الاستهلاكية التمييزية والتنافسية، بل على مدى تضحية الفرد من أجل الجماعة، واجتهاده في خدمتها، وهذا هو معراج في مدارج الإنسان نحو الكمال.
 
 إن إعادة انغراس الاقتصاد في المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي لن يتحقق دون ربط العلوم الاجتماعية بالفلسفة الأخلاقية، بالطريقة التي اقترحها «بول ريكور»: «هدفنا هو عيش الحياة الطيبة مع الآخرين ومن أجلهم في مؤسسات عادلة» (“the Aim of Living the Good Life with and for Others in Just Institutions”)، أي أن ربط فكرة العيش الكريم والأخلاقي مع الآخر لا يمكن أن يكون عملًا فرديًّا دون إشراك الجماعة والمجتمع، ويتم ذلك من خلال تبنِّي أخلاقيات الحب والتضامن والضيافة والعطف مع الآخر، وبخاصة عندما يكون الآخر مهمشًا، وقد سعى الوطن العربي لتبنِّي مقاربات جادة في هذا السياق، تماشت مع اتجاه فرانكوفوني عالمي مناهض للنزعة النفعية، وفي هذا الصدد، أناشد بضرورة العودة إلى الوعي الأنثروبولوجي المشترَك للإنسانية، ليس بصفة إنسان «اقتصادوي» (Homo Economicus) (أي أناني)، وإنما إنسان يؤثر التعاون والتضامن، والذي تحدث عنه «مارسيل موس» (١٨٧٢ - ١٩٥٠) في دراساته عن الهبة أو اقتصاد التبادل. 
 
وهذا الاتجاه الأخلاقي ينادي بضرورة التغيير على مستويين: المستوى الفردي، بتذكير الإنسان برسالته في الحياة، ومستوى السياسات العامة، من خلال إجراءات لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة، على سبيل المثال، وضع حد أدنى للدخل بالنسبة للعائلات (يحدَّد في كل بلد)، وحد أعلى لدخل الفرد (عن طريق سياسات ضرائبية تصاعدية صارمة)، ولو أدى ذلك إلى هروب بعض الاستثمارات وبطء النمو، وكذلك من خلال فرض ضرائب أعلى على الأملاك. 
 
وأخيرًا، فإنه علينا قراءة أزمة كورونا على أنها اختبار إنساني وجودي؛ وأمام كل اختبار يبلغ الإنسان الحد الأقصى من إمكانات الاستيعاب، ويتهيأ للانعتاق من كل ما هو مادي ليسمو روحانيًا، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل وصلت إنسانيتنا إلى هذا الحد من الانعتاق والسمو الوجداني؟ لن يكون لعلومنا وأبحاثنا لمرحلة «ما بعد كورونا» معنى إلا إذا كنت مسلحًا باليوتوبيا، أو «يوتوبيا واقعية» (Real Utopias)، لأنه حتى إذا لم يكن من الممكن تحقيقها بالكامل، فستوجه أفعالنا، لا توجد حياة أخلاقية بلا يوتوبيا، ومن ثمّ، يمكن القول إن الخروج من أزمة كورونا يستوجب تعبئة شاملة؛ وذلك من أجل إعادة ربط الإنسان بأخيه الإنسان، وربطه بالمجتمع والطبيعة.
 

تقييم الموقع