IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

أسواق العمل في مصر: نظرة مستقبلية

 الإثنين. 07 يونيو., 2021

أسواق العمل في مصر: نظرة مستقبلية

 د. سمير رضوان

مقدمة: نحو منهجية جديدة لدراسة أسواق العمل هناك إجماع على أن الموارد البشرية هي المصدر الأساسي للميزة النسبية للاقتصاد المصري نظرًا لندرة الموارد الطبيعية الأخرى، ومن هنا فقد حظى موضوع "تنمية القوى البشرية " باهتمام كبير عبر المراحل المختلفة لتطور الاقتصاد المصري، وقد كانت مصر من أوائل الدول التي بادرت باستحداث تعداد السكان في عصر الحملة الفرنسية (1798) وتعداد النفوس في عهد محمد علي (1805- 1849)، وإن كانت هذه محاولات محدودة، إلى أن تم أول تعداد شامل في 1882، واستمر كل عشر سنوات تقريبًا إلى الوقت الحاضر. ولكن يلاحظ أن البيانات لم تتعد حصر أعداد القوى العاملة دون الدخول في التفاصيل، واستمرت منهجية الحصر العددي إلى أن جاء تقرير "بتلر" في عام 1932، والذى أرسى أسس اقتصادات العمل بما فيها الأجور وظروف العمل

مقدمة: نحو منهجية جديدة لدراسة أسواق العمل

هناك إجماع على أن الموارد البشرية هي المصدر الأساسي للميزة النسبية للاقتصاد المصري نظرًا لندرة الموارد الطبيعية الأخرى، ومن هنا فقد حظى موضوع "تنمية القوى البشرية " باهتمام كبير عبر المراحل المختلفة لتطور الاقتصاد المصري، وقد كانت مصر من أوائل الدول التي بادرت باستحداث تعداد السكان في عصر الحملة الفرنسية (1798) وتعداد النفوس في عهد محمد علي (1805- 1849)، وإن كانت هذه محاولات محدودة، إلى أن تم أول تعداد شامل في 1882، واستمر كل عشر سنوات تقريبًا إلى الوقت الحاضر. ولكن يلاحظ أن البيانات لم تتعد حصر أعداد القوى العاملة دون الدخول في التفاصيل، واستمرت منهجية الحصر العددي إلى أن جاء تقرير  " بتلر" في عام 1932، والذى أرسى أسس اقتصادات العمل بما فيها الأجور وظروف العمل والصحة المهنية  ، ومع تطور النشاط الاقتصادي وبروز قطاعات الصناعة والتجارة، دخلت دراسات العمل مرحلة جديدة سيطرت عليها  منهجية " تخطيط القوى العاملة" Manpower Planning، والتي ركزت على التوصيف الرقمي للقوى العاملة في إطار عملية التخطيط الشامل للاقتصاد، ودون النظر إلى ديناميكية أسواق العمل بل إن هذا الاصطلاح لم يكن مستخدمًا حتى  مجيء  بعثة منظمة العمل الدولية في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي ، فقد " طلب رئيس وزراء مصر إلى المدير العام لمنظمة العمل الدولية ، إيفاد بعثة خبراء دولية لبحث استراتيجية العمل في مصر في أقرب وقت مناسب ، لدراسة النمو الاقتصادي ، والعمالة والعدالة الاجتماعية في وقت السلم ......." واتفقت الأطراف المعنية على الهدف البعيد للمشروع، وهو "تمكين الاقتصاد المصري من التنمية بطريقة توفر العمالة الإنتاجية لكل من يريد العمل وتوليد دخل كافٍ يكفل الوفاء بالاحتياجات الأساسية لمجموع السكان"، ولقد دشنت البعثة منهجية جديدة لدراسة مسار النمو في الاقتصاد تتمحور حول مفهوم سوق العمل والتفاعل بينها وبين متغيرات الاقتصاد الكلي  في إطار ديناميكي يبعد عن جمود منهجية " تخطيط القوى العاملة" ويقدم صورة واقعية لعمل الاقتصاد الوطني ليساعد صانع السياسات في كيفية إدارة هذا الاقتصاد نحو هدفي النمو والعدالة في آن واحد . وقد تم تقديم تقرير البعثة من خلال حوار موسع، وقبلته الحكومة عازمة على أن يكون إطارًا للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
 
ولقد جاء بعد ذلك العديد من دراسات أسواق العمل، سواء على المستوى القطاعي أو حسب النوع والفئات العمرية وكان ذلك بفضل الطفرة التي حققها الدكتور راجي أسعد بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بتطوير قاعدة بيانات سوق العمل وأداتها الرئيسة "بحث القوى العاملة “، والذى يرجع تاريخه إلى عام 1957، وتم تطويره جذريًّا ليمكن الباحثين من الوقوف على الحراك في أسواق العمل.
 
تطورات أسواق العمل في نصف قرن
 
وفي هذا الإطار، يمكن إجمال التطورات في أسواق العمل المصرية خلال نصف القرن الماضي في الأربع مراحل التالية، لكل مرحلة سماتها الأساسية والسياسات المتبعة لإدارة الاقتصاد الوطني، والمؤسسات القائمة على تنفيذ هذه السياسات، ويكون ذلك بمثابة تمهيد لفهم الوضع الراهن والتأمل في مسارات المستقبل.
 
1. مرحلة الستينيات: اقتصاد الوفرة في اليد العاملة وحل مشكلة التشغيل عن طريق التوسع في التوظيف الحكومي وبداية الطفرة في التصنيع عن طريق الإحلال محل الواردات، وقد اتسمت تلك الفترة بانخفاض معدل البطالة السافرة التي تراوحت بين 2-3%، ولكن كانت هناك مشكلة البطالة المقنعة وخاصة في قطاع الزراعة والقطاع غير المنظم مما حدا بآرثر لويس إلى الإشارة إلى مصر باعتبارها نموذجًا لفائض العمالة الذي ينتظر الانتقال إلى القطاعات الأكثر إنتاجية.
 
2. 1975 – 1985 بداية البطالة السافرة نتيجة تضافر مجموعة من العوامل في ظل تطبيق سياسة "الانفتاح الاقتصادي"، حيث وصل معدل النمو إلى 8% سنويًّا في المتوسط مدفوعًا بتدفق الموارد الخارجية من قناة السويس، وصادرات النفط، والسياحة وتحويلات العاملين في الخارج. وقد أصبحت مشكلة البطالة أكثر تعقيدًا نظرًا لتراجع المصادر التقليدية للطلب على العمالة في القطاع العام والحكومي وكذا في قطاع الزراعة، ولم يعوض ذلك التشغيل في قطاعي التشييد والخدمات. وإن كانت حدة البطالة قد انخفضت نتيجة لزيادة الطلب من دول الخليج على العمالة المصرية نتيجة ارتفاع سعر النفط بعد عام 1974، مما أدى إلى هجرة 10-15% من قوة العمل إلى دول الخليج، وفي المقابل أدى ذلك إلى تقليص المعروض من القوى العاملة الماهرة وما صاحبه من ارتفاع للأجور. بعبارة أخرى، تزامنت البطالة مع ندرة العمل جنبًا إلى جنب، وتراوحت تقديرات البطالة بين 10-13%.
        
3. 1986 – 1995 تباطؤ النمو مع زيادة البطالة، حيث شهدت تلك الفترة تقلص الموارد الخارجية خاصة بعد حرب الخليج، وبداية التراجع في الهجرة، مما أدى إلى تراجع معدل النمو إلى ما يتراوح بين 2.5- 3% في السنة، ومعدل نمو دخل الفرد، دون الصفر. ولذا بلغ معدل البطالة 10% وظل يتراوح حول هذا المعدل حتى عام1993. 
 
4. 1995 – 2010: تزايد النمو مع تزايد البطالة، فقد تم إعفاء مصر من جانب من الديون الخارجية، وازدهرت السياحة وازدادت حركة قناة السويس وكذلك تحويلات العاملين في الخارج، وكان من جراء ذلك الارتفاع في معدلات النمو حتى بلغت 7.2% في عام 2008 مثلا، ولكن ارتفع أيضًا معدل البطالة، حيث تراوح بين 8-11% خلال تلك الفترة. وقد أدى ذلك إلى وصف تلك المرحلة بفترة النمو منخفضة التشغيل "Jobless Growth" وذلك أن النمو المرتفع لم ينعكس على أداء أسواق العمل بصورة مماثلة ، فقد بلغ معدل الزيادة في عرض العمل 3% سنويًّا في حين كان معدل الزيادة في الطلب 2.8%، والفارق كان ينضم لطابور المتعطلين أو القطاع غير المنظم الذى أصبح يستوعب 35% من إجمالي قوة العمل و 50% من التشغيل في الحضر ، في حين كان نصيب الزراعة 27% والحكومة 28%، ولم يمثل القطاع الحديث سوى 10% فقط، ومما يفسر إخفاق أسواق العمل في الاستجابة للنمو السريع نظرًا لعدم المواءمة بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل ، فقد كان 41% من قوة العمل إما أميين أو شبه أميين مما أدى إلى الحد من مقدرة العامل على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة.
 
انعكست هذه التطورات منذ الستينيات وحتى الآن على الوضع الراهن لأسواق العمل المصرية، ولقد ظلت بلا تغير يذكر بسبب عدم التحوط في فترات الرواج وإدخال الإصلاحات الهيكلية على هيكل الاستثمار وسوق العمل، ولقد تضافرت عدة عوامل أخرى لتفاقم من حجم التحديات، ومن أهمها الزيادة السكانية المتسارعة، والآثار المترتبة على جائحة كورونا. ولقد شهدت الفترة 2011- 2020 أحداثًا كان لها بالغ التأثير على الأداء الاقتصادي بصفة عامة وكفاءة سوق العمل بصفة خاصة، وتراجع معدل النمو الحقيقي إلى 1.8% في عام 2011 وظل أقل من معدل نمو السكان حتى عام 2014، ثم أخذ بالتعافي في عام 2015 وسجل 4.4%، وحقق ارتفاعًا ملموسًا في عامي 2018 وسجل 5.3% وفي 2019 سجل 5.6%، ولكنة تراجع إلى 3.6% في 2020 بسبب جائحة كورونا. وبالتزامن مع ذلك ارتفع معدل البطالة إلى 12% و13% في السنوات من 2011 حتى 2017 ثم تراجع إلى 9.6% في عام 2020. 
 
ومما يلفت الانتباه هو أن مشكلة البطالة هي في الأساس بطالة الشباب، ووفقًا لبيانات 2020، فإن المتعطلين في الفئة العمرية (19-25) يمثلون 66% من إجمالي المتعطلين، حيث يصل معدل البطالة لهذه الفئة أكثر من 22%، كذلك فإن البطالة هي في جوهرها بطالة المتعلمين، فقد وصل معدل البطالة بين الجامعيين إلى 20% بينما كانت نحو 1-3% فقط بين الأميين. 
هذه صورة سريعة للوضع الراهن في سوق العمل، ويثور السؤال حول إمكانية مواجهة التطورات المتسارعة في العالم والناتجة عن التحول التكنولوجي السريع. 
وسوف نجمل ملامح التغيرات العالمية، وما يفرضه ذلك من مسارات المستقبل. 
 
مستقبل العمل وانعكاساته على أسواق العمل عالميًّا ومحليًّا
 
إن استشراف آفاق التغيرات الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها على أسواق العمل عالميًّا ومحليًّا يشير إلى أن هناك مجموعة من العوامل التي تؤثر بقوة على مستقبل العمل (The Future of Work)، وذلك في الاقتصادات المتقدمة والناشئة والآخذة في النمو على حد سواء، وقد بات من الضروري الوقوف على هذه التأثيرات عند تكوين الرؤية للمستقبل الاقتصادي والاجتماعي لمصر. هذا ويمكن إجمال هذه العوامل فيما يلي: 
 
أولًا: التأثير المزدوج للعولمة والتقدم التكنولوجي (الثورة الصناعية الرابعة)
 
مما لاشك فيه أن القوة المزدوجة للعولمة والتقدم التكنولوجي الذى فجرته الثورة الصناعية الرابعة، قد ساهما في إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي والعلاقات بين الدول بشكل غير مسبوق، وقد تجلى هذا التغيير خاصة في أسواق العمل، فالثورة الصناعية الرابعة تختلف عن الثورات الثلاث السابقة بالسرعة والاعتماد على المنصات الإلكترونية وإدخال الذكاء الاصطناعي في جميع مناحي الحياة، ولقد أدت الموجات المتسارعة من التطور التكنولوجي إلى ظهور أنماط جديدة للتشغيل ، وتناقص الطلب على المهارات التقليدية وظهور مهارات أخرى مستحدثة . هذا، ويمكن رصد ثلاثة محركات رئيسة سوف تؤدي إلى تغيرات جذرية في أسواق العمل، أولها: هو التأثير الهدام (Disruptive effect) نظرًا لانتقال العمالة إلى أماكن الطلب الجديد، واختفاء بعض الوظائف وظهور أخرى. وتشير الدراسات إلى أن 46% من الوظائف في الولايات المتحدة الأمريكية قد تختفي خلال السنوات العشر القادمة، وأن الروبوتات سوف تحل محل 5 ملايين وظيفة. وثانيها: أن التأثير الهدام سوف يترتب عليه رابحون وخاسرون ويتوقف ذلك على إمكانية استجابة قوة العمل للتغيرات التكنولوجية السريعة، وقد يترتب على ذلك تناقص نصيب عنصر العمل في الناتج القومي مع تراجع نصيب الأجور مقابل نصيب العائد على رأس المال، وذلك في الاقتصادات الغنية والفقيرة على السواء. والمحرك الثالث: بروز البطالة الهيكلية (Technological Unemployment) خاصة في الدول النامية حيث يتوقع أن يزيد حجم السكان في سن العمل بحوالي نصف مليار بحلول 2030. وفى محاولة لرصد تأثير هذه المحركات على أسواق العمل ، تمت دراسة 702 مهنة، وأشارت إلى تزايد الاستقطاب في أسواق العمل ، حيث ينمو الطلب على المهن ذات العائد المرتفع في الأعمال التي تتطلب مهارات إدراكية وخلاقة، وأيضًا الأعمال اليدوية متدنية الدخل، في حين يتراجع الطلب بشكل كبير على الفئات متوسطة الدخل في المهن الروتينية والأعمال التكرارية ، مع بروز أنماط جديدة في علاقات العمل من أهمها النمو السريع للعمل المستقل ، أو ما يسمى " اقتصاد العجلة " (The Gig Economy) أو اقتصاد الشراكة (Sharing Economy) ، ويشير ذلك إلى علاقات عمل غير رسمية لأداء أعمال محددة مقابل أجر معين دون التقيد بعقود العمل التقليدية أو الوجود في ساعات محددة في مقر العمل. وكذلك النمو السريع لمنصات العمل المستقل مثل Uber, Freelancer Up work.
 
ثانيًا: زيادة هوة الفروقات بين الدول وفي داخل كل دولة 
 
هناك إجماع على أن الفروقات المتزايدة في توزيع الدخل تبرز كمصدر لعدم الاستقرار في العالم بما فيه البلاد الغنية والفقيرة على حد سواء. وقد أشار Jeffrey Sachs إلى أن اللامساواة بين الدول وفي داخل الدولة سوف يعتمد على النفاذ إلى التكنولوجيا. كما حذر Paul Krugman) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2008) من العودة إلى الرأسمالية الثرواتية (حيث تصبح الثروة أهم من العمل)، وأشار إلى أن نصيب الـ 1% من الأمريكيين قد ارتفع من 17% من الدخل في 1979 إلى 43% في 2007.

وقد أدت جائحة كورونا إلى تفاقم اللامساواة، حيث زاد إجمالي ثروة أغنى 3 أشخاص في العالم من 214 مليار دولار إلى 497 مليار دولار في أقل من عام. 
 
ثالثًا: الضغوط غير المسبوقة على أسواق العمل (البطالة وتراجع نصيب العمل في الناتج القومي) 
 
أصبحت مشكلة البطالة القاسم المشترك بين دول العالم، ويأتي في مقدمة المتعطلين الشباب والنساء، ولا يخفى تأثير ذلك على الاستقرار الاجتماعي. كذلك يلاحظ تراجع نصيب العمل في الناتج القومي، وهذا ما أكده الاقتصادي الفرنسي Thomas Piketty في كتابه "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" والقائم على كم هائل من البيانات تعود إلى القرن الثامن عشر، حيث يشير إلى أن معدل العائد على رأس المال يفوق معدل النمو الاقتصادي على المدى الطويل؛ مما يؤدي إلى تركز الثروة واللامساواة في توزيع الثروات مما يتسبب في غياب الاستقرار الاجتماعي. وتثبت التجربة خلال المائة سنة الماضية أنه من الضروري تطبيق مبادئ الحوكمة حتى لا تترك قوى السوق على عواهنها وذلك من خلال احترام مواثيق العمل الدولية المتعلقة بحقوق العمال.
 
رابعًا: النزاعات والحراك الاجتماعي 
 
حذرت منظمة العمل الدولية (ILO) من أن تفاقم البطالة (900 مليون في العالم) واللامساواة قد أديا إلى إذكاء لهيب عدم الاستقرار الاجتماعي، ومن الضروري تدارك الأمور بالتحرك السريع من جانب صناع القرار. وتشير البيانات المقارنة إلى أن الدول العربية كان لها النصيب الأكبر في الاضطرابات الاجتماعية خلال العقد الماضي، بل يُرجع بعض الخبراء تردي الأوضاع الاقتصادية وفى مقدمتها الفقر والبطالة إلى “الربيع العربي". 
     
خامسًا: آثار جائحة كورونا
 
ضربت جائحة كورونا كل دول العالم دون تمييز، وكانت الأولى في درجة الشمول منذ "الإنفلونزا الإسبانية" في عام 1918. وإلى جانب النواحي الطبية والإنسانية، يتوقع أن يكون لهذه الجائحة آثار اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى، وقد بدأت هذه الآثار في التبلور بعد عام من انتشار الوباء.
 
وسوف نركز هنا على تلك الآثار المتعلقة بأسواق العمل، ويمكن الاطلاع على الجوانب التفصيلية في سلسلة البحوث الرصينة التي قام بها المركز المصري للدراسات الاقتصادية.
 
ويمكن إجمال آثار هذه الجائحة على سوق العمل، كما يلي:
 
فيما يتعلق بمستقبل العمل، فقد بدأت بالفعل تغيرات جوهرية في أنماط التشغيل؛ حيث انتشر العمل من المنزل واستخدام المنصات الإلكترونية في التواصل بين العامل وصاحب العمل دون التقيد بمواعيد محددة أو الذهاب إلى مكاتب العمل. كذلك بدأت نماذج جديدة لعقود العمل مثل العمل لبعض الوقت أو العمل على منتج محدد بمقابل معلوم. كل هذا يؤدي إلى زيادة مرونة سوق العمل من ناحية (Labour Market Flexibility)، وغياب الأمان الوظيفي من ناحية أخرى (Job Security) . كذلك تفاقمت البطالة في العالم أجمع نظرًا لتراجع معدلات النمو وكذلك تدفق التجارة الدولية، وقد كان تأثير البطالة أشد على أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة والنساء في قوة العمل. إن مستقبل العمل سوف يتوقف على طريقة الاستجابة للتحديات التي تفرضها الأوضاع الجديدة. 
 
النظرة المستقبلية 
 
بعد استعراض تطور أسواق العمل في مصر في نصف القرن الماضي، واستقراء مسارات مستقبل العمل بشكل عام، يصبح السؤال: ما خريطة الطريق لإصلاح هيكل العمالة الذي ظل على جموده لعقود طويلة؟ وكيف يمكن الاستجابة للتحديات التي تطرحها الثورة الصناعية الرابعة والتحولات والصدمات الخارجية التي آخرها جائحة كورونا وتوابعها؟ 
إن التحدي الكبير هو تلبية متطلبات الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة 2030، وذلك بتعزيز النمو الاقتصادي الشامل للجميع والمستدام، وتحقيق العمالة الكاملة المنتجة وتوفير العمل اللائق للجميع، وهذا ما انعكس أيضًا في الرؤية المستقبلية: مصر 2030. كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل الانفجار السكاني؛ حيث يتوقع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن يصل عدد السكان إلى 120 مليونًا في عام 2030، و192 مليونًا في عام 2052، ويعني ذلك أن قوة العمل يمكن أن تصل إلى 30 مليونًا في عام 2030، و50 مليونًا في عام 2052. إن الاستجابة لهذا التحدي تكمن في مواجهة الأسئلة الأربعة التالية:
 
إن مصر بما لديها من تجربة تاريخية رائدة، وموارد بشرية وافرة قادرة على صياغة استراتيجية متكاملة للتشغيل تجيب عن هذه التساؤلات التي سوف تشكل مستقبل العمل، بل ومستقبل التنمية بشكل عام. 
 
مستقبل سوق العمل من واقع التقارير الدولية
 
أدت عمليات الإغلاق الناجمة عن جائحة فيروس كورونا المستجد والركود العالمي المرتبط به لعام 2020 إلى ظهور توقعات غير مؤكدة للغاية لسوق العمل.
ولتوسيع قاعدة المعرفة حول مستقبل الوظائف والمهارات استخدم المنتدى الاقتصادي العالمي مزيجًا فريدًا من الاستقصاء النوعي والكمي، وذلك من خلال الجمع بين آراء قادة الأعمال -الرؤساء التنفيذيين وكبار مسؤولي الاستراتيجية وكبار مسؤولي الموارد البشرية- لعملية صنع القرار فيما يتعلق برأس المال البشري وذلك مع أحدث البيانات من المصادر العامة والخاصة لإنشاء صورة أوضح لكل من الوضع الحالي والنظرة المستقبلية للوظائف والمهارات من خلال تقديم معلومات متعمقة عن 15 قطاعًا صناعيًا و26 دولة متقدمة وناشئة، وقد شملت النتائج الرئيسة وتوقعات مستقبل سوق العمل وفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي ما يلي:
 
بحلول عام 2025، سيكون الوقت الذي يقضيه البشر والآلات في المهام الحالية متساويًا، وتتوقع نسبة كبيرة من الشركات أيضًا إجراء تغييرات على المواقع، وسلاسل القيمة الخاصة بها، وحجم القوة العاملة لديها بسبب عوامل تتجاوز التكنولوجيا في السنوات الخمس المقبلة.
 
على عكس السنوات السابقة، فإن خلق فرص العمل يتباطأ بينما يتسارع تدمير الوظائف، وفي غضون ذلك يتوقع أرباب العمل أنه بحلول عام 2025، ستنخفض الأدوار الزائدة عن الحاجة بشكل متزايد من 15.4٪ من القوة العاملة إلى 9٪ أي بتراجع 6.4٪ وأن المهن الناشئة ستنمو من 7.8٪ إلى 13.5٪ وذلك بنمو 5.7٪ من إجمالي قاعدة الموظفين في المستجيبين للشركة.
 
بناءً على هذه الأرقام، بحلول عام 2025، قد يتم استبدال التحول في تقسيم العمل بين البشر والآلات بـ 85 مليون وظيفة، بينما قد يظهر 97 مليون دور جديد أكثر تكيفًا مع التقسيم الجديد للعمل بين البشر والآلات والخوارزميات.
 
في السنوات الخمس المقبلة، من المتوقع استمرار فجوات المهارات في الارتفاع حيث تتغير المهارات غير المطلوبة عبر الوظائف.
في المتوسط، تقدر الشركات أن نحو 40٪ من العمال سيحتاجون إلى إعادة تأهيل لمدة ستة أشهر أو أقل، وأفاد 94٪ من قادة الأعمال أنهم يتوقعون أن يكتسب الموظفون مهارات جديدة في الوظيفة، وهو ارتفاع حاد عن 65٪ في عام 2018.
 
لقد وصل مستقبل العمل لغالبية كبيرة من القوى العاملة التي تعمل عبر الإنترنت بالفعل، وقام 84٪ من أرباب العمل بتوظيف رقمنة عمليات العمل بسرعة، بما في ذلك التوسع الكبير في العمل عن بعد، حيث أظهرت البيانات إمكانية نقل 44٪ من قوتهم العاملة للعمل عن بُعد. 
 
يرى نحو 35٪ من جميع أرباب العمل أنه يجب اتخاذ خطوات لخلق شعور بالانتماء للمجتمع والتواصل والانتماء بين الموظفين من خلال الأدوات الرقمية لمعالجة المخاوف المتعلقة بالإنتاجية والرفاهية، وأيضًا لمعالجة تحديات الرفاهية التي يفرضها التحول الناتج عن العمل عن بعد.
 
في ظل غياب الجهود الاستباقية، من المرجح أن يتفاقم عدم المساواة بسبب التأثير المزدوج للتكنولوجيا والركود الوبائي. 
 
في المرحلة الأولى من الانكماش الاقتصادي، تأثرت الوظائف التي يشغلها العمال ذوو الأجور المنخفضة والنساء والعمال الأصغر سنًّا بشكل أكبر.
 
من المتوقع أن تظل وتيرة تبني التكنولوجيا بلا هوادة وقد تتسارع في بعض المجالات.
 
سيظل هناك أيضًا ارتفاع كبير في الاهتمام بالتشفير والروبوتات غير البشرية والذكاء الاصطناعي، وأيضًا الاعتماد على الحوسبة السحابية والبيانات الضخمة والتجارة الإلكترونية سيظل من الأولويات القصوى لقادة الأعمال.
 
سيؤدي الاعتماد التكنولوجي من قبل الشركات إلى تغيير المهام والوظائف والمهارات بحلول عام 2025.
 
يعمل الركود الناتج عن الوباء بالإضافة إلى الاضطراب الناجم عن عمليات الإغلاق التي يسببها الوباء والانكماش الاقتصادي، على إنشاء سيناريو "الاضطراب المزدوج" للعمال.
 
من خلال استطلاع رأي، أشارت نسبة 43% من الشركات إلى أنها ستعمل على تقليص قوتها العاملة بسبب التكامل التكنولوجي، و41% من الشركات تخطط لتوسيع استخدامها للمقاولين لأداء مهام متخصصة، بينما تخطط 34% لتوسيع قوتها العاملة بسبب تكامل التكنولوجيا. 
 
عند المقارنة بين تأثير الأزمة المالية العالمية لعام 2008 على الأفراد ذوي المستويات التعليمية المنخفضة، وتأثير أزمة فيروس كورونا المستجد، نجد أن التأثير اليوم أكبر بكثير وأكثر احتمالية لتعميق التفاوتات القائمة.
 
حتى عام 2020، كان التعلم والتدريب عبر الإنترنت آخذين في الازدياد، حيث تبينت زيادة بمقدار أربعة أضعاف في عدد الأفراد الذين يبحثون عن فرص للتعلم عبر الإنترنت من خلال مبادرتهم الخاصة، وزيادة بمقدار خمسة أضعاف في توفير أصحاب العمل لفرص التعلم عبر الإنترنت لعمالهم، وزيادة تسجيل تسعة أضعاف للمتعلمين الذين يمكنهم الوصول إلى الإنترنت للتعلم من خلال البرامج الحكومية.
 
يركز العاملون بشكل أكبر على دورات التطوير الشخصي، والتي شهدت نموًا بنسبة 88٪، بينما ركز العاطلون عن العمل بشكل أكبر على تعلم المهارات الرقمية مثل تحليل البيانات وعلوم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات.
 
أصبحت الفرصة السانحة لإعادة صقل مهارات العمال، قليلة في سوق العمل المقيد حديثًا، وهذا ينطبق على العمال الذين من المرجح أن يظلوا في أدوارهم وكذلك أولئك الذين يخاطرون بفقدان أدوارهم بسبب ارتفاع معدلات البطالة المرتبطة بالركود ولم يعد بإمكانهم توقع إعادة التدريب في العمل. 
 
وفي غضون ما سبق، بالنسبة لهؤلاء العمال الذين من المقرر أن يظلوا في أدوارهم، فإن حصة المهارات الأساسية التي ستتغير في السنوات الخمس المقبلة هي 40٪، وسيحتاج 50٪ من جميع الموظفين إلى إعادة تشكيل المهارات –أي بزيادة 4%-.
 
على الرغم من الانكماش الاقتصادي الحالي، فإن الغالبية العظمى من أرباب العمل يدركون قيمة استثمار رأس المال البشري، وعلى هذا، يتوقع 66٪ في المتوسط من أرباب العمل الذين شملهم الاستطلاع الحصول على عائد على الاستثمار في صقل المهارات وإعادة الصقل خلال عام واحد، ومع ذلك، فإن الأفق الزمني هذا يخاطر بأن يكون طويلًا للغاية بالنسبة للعديد من أصحاب العمل في سياق الصدمة الاقتصادية الحالية، كما أن هناك ما يقرب من 17٪ لا يزالون غير متأكدين من وجود أي عائد على استثماراتهم. 
 
في المتوسط، يتوقع أصحاب العمل تقديم إعادة تأهيل المهارات وزيادة المهارات إلى ما يزيد قليلاً على 70٪ من موظفيهم بحلول عام 2025، ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أن نسبة مشاركة الموظفين في هذه الدورات التدريبية متراجعة، حيث يتبنى 42٪ فقط من الموظفين فرص إعادة تأهيل المهارات وزيادة المهارات التي يدعمها صاحب العمل.
 
تحتاج الشركات إلى الاستثمار في مقاييس أفضل لرأس المال البشري والاجتماعي من خلال اعتماد المقاييس البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) ومطابقتها مع مقاييس متجددة لمحاسبة رأس المال البشري. 
 
يدرك عدد كبير من قادة الأعمال أن إعادة تشكيل مهارات الموظفين، لا سيما في تحالفات الصناعة والتعاون بين القطاعين العام والخاص، تُعد فعالة من حيث التكلفة ولها أرباح متوسطة إلى طويلة الأجل ليس فقط لمؤسستهم ولكن أيضًا لصالح المجتمع على نطاق أوسع. 
 
يحتاج القطاع العام إلى تقديم دعم أقوى لإعادة تشكيل المهارات والارتقاء بالمهارات للعمال المعرضين للخطر أو النازحين، وفي الوقت الحالي، أبلغ 21٪ فقط من الشركات عن قدرتها على الاستفادة من الأموال العامة لدعم موظفيها من خلال إعادة تشكيل المهارات وصقل المهارات. 
 
أيضًا سيحتاج القطاع العام إلى خلق حوافز للاستثمار في الأسواق ووظائف الغد؛ من خلال توفير شبكات أمان أقوى للعمال المستبدلين في خضم التحولات الوظيفية؛ وللتعامل أيضًا بشكل حاسم مع التحسينات التي طال انتظارها في أنظمة التعليم والتدريب. 
 
بالإضافة إلى ذلك، سيكون من المهم بالنسبة للحكومات أن تنظر في الآثار طويلة الأجل لسوق العمل، نتيجة استمرار الدعم القوي لمواجهة أزمة فيروس كورونا المستجد أو الانسحاب منه أو استمراره جزئيًا لدعم الأجور والحفاظ على الوظائف في معظم الاقتصادات المتقدمة.
 

تقييم الموقع