IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

نحو تدشين عاصفة "شومبيتر" الأفريقية

 الأحد. 13 يونيو., 2021

نحو تدشين عاصفة "شومبيتر" الأفريقية

 د/ رشــا مصطفى عوض

"التكامل من أجل النمو"... ذلك هو شعار المنتدى الأول لرؤساء هيئات ترويج الاستثمار الأفريقية في دورته الأولى، الذي تحتضنه مدينة "شرم الشيخ" المصرية في الفترة 11 – 13 من يونيو الجاري، بمشاركة لفيف من ممثلي المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والوزراء وؤساء هيئات الاستثمار. خلال كلمته الافتتاحية، وجّه السيد الدكتور/ مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء المصري الدعوة للحضور الكريم، لتصميم خارطة طريق، لتُصبح أفريقيا "مصنع العالم"، بعد أن ظلت لعقود طويلة "سلة غذاء العالم".

المجالات البحثية

التنمية المستدامة


"التكامل من أجل النمو"... ذلك هو شعار المنتدى الأول لرؤساء هيئات ترويج الاستثمار الأفريقية في دورته الأولى، الذي تحتضنه مدينة "شرم الشيخ"  المصرية في الفترة 11 – 13 من يونيو الجاري، بمشاركة لفيف من ممثلي المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والوزراء ورؤساء هيئات الاستثمار. خلال كلمته الافتتاحية، وجّه السيد الدكتور/ مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء المصري الدعوة للحضور الكريم، لتصميم خارطة طريق، لتُصبح أفريقيا "مصنع العالم"، بعد أن ظلت لعقود طويلة "سلة غذاء العالم". 

مما لاشك فيه أن هذا التحوُّل الجذري في مستقبل القارة ينطوي على الكثير من الفرص والتحديات، مما يتطلب جهود حثيثة ومُنسقة، تتنوع في أبعادها، وتتكامل في دروبها. وفي هذا السياق، يطرح مقال اليوم بين ثناياه واحد من الأبعاد الذي تحتاج إليه قارتنا الشابة الطموحة؛ لتحقيق نهضة اقتصادية صناعية، يتمثَّل في عاصفة "شومبيتر"، التي تتطلب إنقاذ "ريادة الأعمال الضائعة". 

شحذ "عاصفة شومبيتر"
يتماشى التوجه المطروح من قِبل رئيس الوزراء المصري – خلال فعاليات المنتدى الأول لرؤساء هيئات ترويج الاستثمار الأفريقية  - مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أعلن أن الفترة 2016 - 2025 هي عقد التنمية الصناعية الثالث في أفريقيا. كذلك، مع أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 التي تسعى إلى تحقيق ازدهار قارتنا السمراء بمصانعها ومنتجاتها. 

وبالرغم من أن القارة الأفريقية تنعم حقًا بفرصٍ غير محدودة، يُمكن اقتناصها لتوطين عمليات التصنيع وخلق سلاسل توريد أفريقية؛ لتتحول بموجبها إلى "مصنع العالم". إلا أن هذا المستقبل المُشرق بحاجة إلى إحداث تحولات صناعية جذرية، وتوطين تحسينات متتالية في هيكل الاقتصاد الأفريقي؛ وذلك بغية خلق بنية اقتصادية مُبدعة ومتجددة، الأمر الذي يُصبح من خلاله "رواد الأعمال" قادة هذه المسيرة ووقودها.

يتوافق هذا الطرح تمامًا مع مصطلح "التدمير الخلاق" (Creative Disruption) الذي قدمه الاقتصادي النمساوي المرموق "جوزيف شومبيتر" (Joseph Schumpeter) في عام 1942، ويُعرف أيضًا بـ "عاصفة شومبيتر"(Schumpeter’s Gale) ، وهو مصطلح يُشير إلى تبني عملية تحوُّل صناعي، يتولد عنها ثورة ذاتية مستمرة في هيكل النظام الاقتصادي لـ "هدم" التوازنات القديمة، و"خلق" توازنات جديدة من شأنها أن تُطلق القدرات الاقتصادية إلى أفق أكثر رحابة بكثير من الواقع الممكن.

وحتى يتسنى إنجاز ذلك، ابتكر "شومبيتر" الكلمة الألمانية (Unternehmerreist) التي يُمكن ترجمتها إلى "روح رائد الأعمال" (Entrepreneur- spirit)، مُعتقدًا أن مصطلح "ريادة الأعمال" مُشتقة منها. ووفقًا لهذا الطرح، يضطلع "رواد الأعمال" بمسؤولية تعزيز التقدم التقني، والابتكار، والابداع الخلاق. 

ولكن، ماهية ريادة الأعمال المرجوة التي تُغذي "عاصفة شومبيتر"؟ نظرًا لغياب تعريف موحد لها، يمكن تعريف "ريادة الأعمال" – وفقًا للاتحاد الأوروبي - باعتباره "منهج تفكير وعملية لخلق وتطوير نشاط اقتصادي، عن طريق المزج بين تحمل المخاطر والإبداع و/أو الابتكار مع الإدارة الحصيفة، من خلال منشأة أعمال جديدة أو قائمة".

الجدير بالذكر أن هذا التعريف يتوافق مع مصطلح ريادة الأعمال، الذي طرحه لأول مرة "جوزيف شومبيتر"، حين أوضح خمسة أنماط مُكونة لها، تتمثل في: تقديم منتج جديد للجمهور، وتقديم منهج جديد لعملية إنتاجية، وفتح سوق جديدة، واستخدام مصدر جديد لإمدادات المواد الخام، وأخيرًا إنشاء منظمة/ منشأة جديدة في صناعة ما.
 
واقع ريادة الأعمال
بعد التوافق على تعريف "ريادة الأعمال"، يصبح من الأهمية بمكان الوقوف على مدى انطباقها في الواقع الأفريقي، بما يضمن الإبقاء على "عاصفة شومبيتر" في حالة نشاط دائم. من بين المؤشرات التي يُمكن الاسترشاد بها مسح السكان البالغين في الفئة العمرية (18 – 64 عام)، الذي يتم تنفيذه سنويًّا ضمن مشروع "المرصد العالمي لريادة الأعمال" (Global Entrepreneurship Monitor).

لقد صدر التقرير الأخير للمرصد لعام 2020/ 2021 في 5 مايو 2021، معتمدًا في نتائجه على مقابلات مع حوالي 140 ألف شخص، من 46 اقتصادًا، منها 5 دول فقط أفريقية؛ هي: مصر، وأنجولا، وبوركينا فاسو، والمغرب، وتوجو. وتمثلت أبرز نتائج هذا التقرير فيما يلي:
- ارتفاع نسبة السكان الأفارقة الذين يُدركون وجود فرص جيدة للأعمال في المنطقة التي يقطنون بها، خلال الستة أشهر التالية لإجراء المسح، وجاء أعلى مستوي لهذه النسبة في توجو التي سجلت نحو 78.5% من إجمالي المشاركين، تليها أنجولا وبوركينا فاسو (75.6% و75.5% على التوالي)، ثم مصر (65.7%)، والمغرب (57.3%).
- ارتفاع "ريادة الأعمال المحتمَلة"، باعتبارها نسبة السكان الذين يتوقعون بدء عمل خاص أو مشروع جديد - سواء أكان ذلك بصفة فردية أو بمشاركة آخرين - خلال السنوات الثلاث التالية على تنفيذ المسح. وفقًا للنتائج، تحتل أنجولا المركز الأول عالميًّا؛ حيث أشار 83% من المشاركين في المسح أنهم ينوون بعد تنفيذ مشروع خاص بهم، يليها في الترتيب مصر (55.7%)، ثم بوركينا فاسو (51.9%)، وأخيرًا المغرب وتوجو (48.7% و48.3%على التوالي).
- تباين "إجمالي ريادة الأعمال في المراحل المبكرة" بين الدول الأفريقية، التي تعكس نسبة السكان المشاركين حديثًا في نشاط ريادي، سواء كانوا في مرحلة التأسيس، أو يملكون ويديرون مشروعًا قائمًا بالفعل منذ فترة لا تزيد على ثلاثة أعوام ونصف. لقد سجلت هذه النسبة أعلى مستوى لها أفريقيًا في أنجولا (49.6%)، في حين شهدت المغرب أدنى معدل (7.1%).
- من بين هؤلاء الذين يقومون بريادة أعمال مُبكرة، فإن 9.2% فقط في أنجولا يملكون ويديرون مشروعًا قائمًا بالفعل منذ فترة لا تزيد على ثلاثة أعوام ونصف. وبالتالي، لا تزال النسبة المتبقية من المشاركين في ريادة الأعمال في المراحل المبكرة (40.4%) في مرحلة التأسيس.

من بين المؤشرات التي يُمكن استخلاصها من هذه النتائج، أن الدول الأفريقية تعاني من نسب مرتفعة نسبيًّا من "ريادة الأعمال الضائعة" (Missing Entrepreneurs) التي تُمثل الفجوة بين نسبة السكان الذين يدركون فرصًا لبدء مشروعات/ أعمال تجارية، والذين يقومون فعلًا بأنشطة ريادية في مراحل مبكرة. على سبيل المثال؛ تبلغ هذه النسبة 44.4% في مصر، و41.6% في المغرب. بعبارة أخرى، هناك تسرُّب من فريق رواد الأعمال؛ وقادة "عاصفة شومبيتر"؛ مما قد يؤثر سلبًا على تحويل أفريقيا إلى "مصنع العالم".

الأكثر من ذلك، تُشير النتائج إلى أن غالبية أنشطة ريادة الأعمال التي رصدها التقرير، مُوجهة إلى داخل الدولة؛ حيث ذكرت غالبية المشاركين - الذين يقومون بأنشطة ريادة أعمال في مراحلها المُبكرة – أنهم لا يتوجهون بمنتجاتهم وخدماتهم إلى السوق العالمية؛ مما يُمثل عائقًا أمام تشكيل سلاسل توريد إقليمية.

استنتاجات هامة
تأسيسًا على نتائج مؤشرات المرصد العالمي لريادة الأعمال، يُمكن القول بإن القارة الأفريقية، ممثَّلة في البلدان الخمسة التي شاركت في المسح لعام 2020/ 2021، تُعاني بدرجات متفاوتة من ظاهرة "عجز ريادة الأعمال" (Entrepreneurship Deficit)، والتي تسهم في "تواضع اقتصاد المعرفة". وتنطوي هذه الظاهرة على شقين رئيسين:
- الأول: "عجز تأسيس المنشآت" (Startup Deficit)، والتي وصفها الاقتصادي "دان ستانجلر" (Dane Stangler) من خلال ثلاثة أبعاد: تباطؤ معدل تأسيس منشآت أعمال جديدة، وإهدار/ فقدان جيل من منشآت الأعمال التي كان من الممكن تأسيسها ولكنها لم تتأسس مطلقًا (رواد الأعمال المفقودين)، بالإضافة إلى تحمل منشآت الأعمال الحديثة مستويات مرتفعة من المخاطر، تفرض عليها النمو بمعدلات متواضعة و/أو تقليص نشاطها.
- الثاني: "عجز ريادة الأعمال داخل المنشآت" (Intrepreneurship Deficit) ، في إشارة إلى تواضع أنشطة ابتكار العمليات وابتكار المنتجات، كونها لم تتخطى 1% من إجمالي المشاركين في المسح، الأمر الذي يضعف من عمليات التطوير والابتكار والتحديث بالمؤسسات القائمة فعلًا.

وحتى يتسنى رسم خارطة طريق طموحة، وممكنة التحقيق، للنهوض بأفريقيا الصناعية، يبدو أن هناك حاجة ماسة للبحث عن نسق اقتصادي جديد، يلتف حوله قادة الدول الأفريقية وشعوبها. في هذا الموقف، يُمكن اقتراح تبني نموذج "اقتصاد ريادة الأعمال" (Entrepreneurship Economy)، بدلًا من نموذج "اقتصاد المعرفة" (Knowledge Economy) السائد حاليًّا.

الجدير بالذكر أن "اقتصاد المعرفة" بدأ مع بزوغ عصر التكنولوجيا، عندما ساد الاعتقاد بعدم كفاية الاعتماد على العمل ورأس المال في تفسير النمو والتقدم الاقتصادي. وهكذا، أصبحت "المعرفة" عامل الإنتاج الأكثر أهمية والمُحرك الرئيس للنمو. في المقابل، يصف "دافيد أودريتسش" (David Audretsch) و"روي ثوريك" (Roy Thurik)، نموذج "اقتصاد ريادة الأعمال" باعتباره نظام اقتصادي يجمع بين بعدين مختلفين يتكاملان فيما بينهما؛ حيث:
- يتمثل البعد الأول في استجابة السياسات العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لاقتصاد تهيمن عليه المعرفة بصورة متزايدة، بدلًا من عوامل الإنتاج التقليدية (العمل ورأس المال)؛ ما يعكس طبيعة "اقتصاد المعرفة". 
- يختص البعد الثاني بتعاظُم أهمية رأس المال الريادي (Entrepreneurship Capital)، في إشارة إلى تعظيم قدرة الأفراد على الانخراط في توليد أنشطة ريادية بجميع أنماطها. 
وهكذا، يضمن النموذج التنموي الجديد ترجمة الأفكار والابتكارات إلى تحسينات مستمرة في المنتجات والخدمات، والعمليات الإنتاجية، والقدرات البشرية، ومن ثَمَّ حدوث تدفق مستمر من القوى الداعمة لـ "عاصفة شومبيتر" الأفريقية.

رسائل ختامية
يُمكن القول بإن ريادة الأعمال هي حجر الزاوية للحفاظ على استدامة "عاصفة شومبيتر" في أفريقيا، وغيرها من الأقاليم الجغرافية الأخرى. بيد أن الحاجة أصبحت ماسة لتعزيز الأنشطة الريادية بأنماطها الأساسية: لضمان توفير منتجات جديدة، وإعادة ابتكار العمليات الإنتاجية، وفتح أسواق جديدة، واكتشاف مصادر جديدة لإمدادات المواد الخام، وتأسيس منشآت أعمال حديثة. الأمر الذي يحتاج إلى تبني نموذج تنموي يواكب متطلبات الازدهار الأفريقي، المتمثل في "اقتصاد ريادة الأعمال".

ولتحقيق ذلك، تبدو أهمية تخطيط نظام بيئي متكامل لريادة الأعمال، يشمل جميع المحاور ذات التأثير عليها، مع الحاجة لتحويل هذه المنظومة إلى واقع ملموس. هنا، يُمكن اقتراح هيكل مبدئي لهذا النظام البيئي، ينطوي على تسعة محاور هي: رأس المال البشري وقوة العمل، والإدارة الحكومية، ورأس المال التمويلي، ورأس المال الاجتماعي، والبحوث والتطوير والابتكار، والأسواق، والنظم المساندة، والمنظومة القانونية والقضائية، والقاعدة الصناعية، وأخيرا الثقافة الداعمة.

وحين يتم التوافق على هذه المحاور – أو غيرها – بمشاركة جميع الفئات أصحاب المصلحة، تبدأ مسيرة التفكير في رواد الأعمال عند تصميم أي سياسة عامة أو اتخاذ أي قرار تنموي، أو اقتراح أفكار ورؤى جديدة، لنُصبح جميعًا مُشاركين في بناء المصنع الأفريقي. 

كذلك، تبدو أهمية "الحفاظ على نمو وحيوية النظام البيئي". فلما كان النظام البيئي لريادة الأعمال ينطوي على مجموعة كبيرة من العناصر غير المنعزلة، فإن التفاعل بينها والإضافة إليها يمثل عنصرًا لرئيسًا لنجاحه. وفي هذا الشأن، يُمكن الاسترشاد بالطرح الذي قدمه كل من "ستانجلر" و"بيل-ماسترسون" (Stangler and Bell-Masterson, 2015)، قد قاما بتحديد أربعة أبعاد لنمو وحيوية النظام البيئي لريادة الأعمال ومحاورها الفرعية؛ هي: الكثافة العددية والقطاعية للمشروعات، وتوفير انسيابية التحرك داخل جنبات النظام البيئي، والحفاظ على التواصل بين جنباته، وضمان التنوع ليكون أكثر احتوائية.
 
وختامًا، وحتى يتسنى متابعة وتقييم أداء الجهود والمبادرات الأفريقية لتعزيز ريادة الأعمال، ينبغي بناء منظومة قياس لجميع محاور النظام البيئي، على مستوى جميع البلدان الأفريقية، بما في ذلك تطبيق مسح المرصد العالمي لريادة الأعمال على أساس سنوي.

تقييم الموقع