IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

مستقبل السياسات الضريبية في مصر

 الخميس. 08 يوليه., 2021

مستقبل السياسات الضريبية في مصر

 د. أحمد عاشور أحمد

السياسات الضريبية أحد الوسائل الفعالة في تحقيق العدالة الاجتماعية والحد من التفاوت الاجتماعي في إطار عملية التنمية المستدامة، وإذا كانت العدالة الاجتماعية هي الوصفة السرية للبلدان والدول المتقدمة، فإن الضرائب العادلة هي حجر الزاوية في تلك العدالة الاجتماعية. وفي ظل التقدم التكنولوجي الذي أصبح واقعًا في عالمنا والذي من خلاله أصبح قطاع كبير من الاقتصاد يتم رقميًا، أصبح لزامًا علينا أن نتطلع للمستقبل من خلال الحاضر ونعلم أن التكنولوجيا ليس لها نهاية، ولا يمكن التنبؤ بما تدخره لنا في السنوات القادمة، فقط يجب علينا الاستعداد لها سواء بالتشريعات المناسبة لها، أو إعداد الكوادر البشرية المدربة للتعامل معها.

السياسات الضريبية أحد الوسائل الفعالة في تحقيق العدالة الاجتماعية والحد من التفاوت الاجتماعي في إطار عملية التنمية المستدامة، وإذا كانت العدالة الاجتماعية هي الوصفة السرية للبلدان والدول المتقدمة، فإن الضرائب العادلة هي حجر الزاوية في تلك العدالة الاجتماعية.
 
وفي ظل التقدم التكنولوجي الذي أصبح واقعًا في عالمنا والذي من خلاله أصبح قطاع كبير من الاقتصاد يتم رقميًا، أصبح لزامًا علينا أن نتطلع للمستقبل من خلال الحاضر ونعلم أن التكنولوجيا ليس لها نهاية، ولا يمكن التنبؤ بما تدخره لنا في السنوات القادمة، فقط يجب علينا الاستعداد لها سواء بالتشريعات المناسبة لها، أو إعداد الكوادر البشرية المدربة للتعامل معها.
 
ركزت الكتابات الاقتصادية في مجال التنمية على الازدواجية الاقتصادية للبلاد، وهي ظاهرة وجود قطاع يعتمد على التكنولوجيا الحديثة والكثافة الرأسمالية بجانب قطاع تقليدي يعتمد على التكنولوجيا كثيفة العمالة والإنتاج صغير الحجم، خاصةً القطاع الريفي، ومنذ فترة قصيرة بدأ تناول ظاهرة انقسام الأنشطة الاقتصادية في الحضر إلى أنشطة رسمية، وأنشطة غير رسمية، وآلية دمج الثانية بالشكل الذي يتم فيه المحافظة على الإيجابيات وتجنب السلبيات، ولذا يعتبر دمج الاقتصاد غير الرسمي وإضفاء الصفة الرسمية عليه هدفًا أساسيًا لصناع القرار في مصر ومعظم الدول.
 
“سارعت الحكومة المصرية متمثلة في وزارة المالية بالإصلاح الحكومي الراهن للمنظومة الضريبية تشريعيًّا و هيكليًّا وإجرائيًّا لمعالجة التحديات التي تواجه المنظومة الضريبية مستقبلًا.”
 
وكما تتمثل الرؤية الاستراتيجية للتنمية الاقتصادية في مصر حتى عام2030، والتي تعد بمثابة خارطة طريق، أن يكون الاقتصاد المصري اقتصاد سوق منضبطًا يتميز باستقرار أوضاع الاقتصاد الكلي وقادرًا على تحقيق نمو احتوائي مستدام ويتميز بالتنافسية والتنوع، ويعتمد على المعرفة يكون لاعبًا فاعلًا في الاقتصاد العالمي، وقادرًا على التكيف مع المتغيرات العالمية، وتعظيم القيمة المضافة وتوفير فرص عمل لائقة، ويصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى مصاف الدول ذات الدخل المرتفع.
 
لذلك فقد سارعت الحكومة المصرية متمثلة في وزارة المالية بالإصلاح الحكومي الراهن للمنظومة الضريبية تشريعيًّا وهيكليًّا وإجرائيًّا لمعالجة التحديات التي تواجه المنظومة الضريبية مستقبلًا.
 
1 - الإصلاحات التشريعية:
 
حرصت أغلب القوانين التي أقرت على أن تكون جاذبة للاستثمار، تسهم في تحسين المناخ العام وزيادة المشروعات، وتوفير فرص العمل والتشغيل، كذلك مسايرة التطور الذي تشهده التجارة العالمية فإن لم يكن لدينا ما يواكب صورها الإلكترونية فإن ذلك سوف يؤثر بالسلب على المالية العامة للدولة في مصر.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى توسيع القاعدة الضريبية وزيادة كفاءة النظام الضريبي في ظل التزام مصر بتوصيات مجموعة العشرين بتطبيق نظام عالمي ومقبول وعادل لجميع الدول، ولا يكون عرضة للمنازعات.
 
وبإلقاء الضوء على نصوص القوانين الضريبية بالأمس القريب، سواء القانون 111 لسنة 1980 بإصدار قانون ضريبة الدمغة أو القانون 147 لسنة 1984 بإصدار قانون رسم تنمية الموارد المالية للدولة والقانون 91 لسنة 2005، بإصدار قانون ضريبة الدخل والقانون 67 لسنة 2016، بإصدار قانون ضريبة القيمة المضافة, تتضمن خليطًا من القواعد الفنية والإجرائية، الأمر الذي أدى في العديد من الحالات إلى تداخل هذه القواعد مع بعضها البعض وتكرارها رغم وحدة الغاية منها، ورغم وحدة جهة الإدارة القائمة على التطبيق وهي مصلحة الضرائب المصرية (عامة ومبيعات).
 
فقد كان من الضروري تجنبًا لهذا التداخل وسعيًا للتبسيط أن يتم توحيد الإجراءات الضريبية المطبقة على أنواع الضرائب المذكورة ومراجعتها بالقدر الذي يحافظ على الطبيعة الفنية المختلفة لكل نوع من هذه الأنواع، وبالشكل الذي يحافظ على مضمونها ويساعد في الوقت ذاته على تيسير تطبيق قواعدها الموضوعية، وبالتالي فقد تم إعداد قانون الإجراءات الضريبية الموحد والذي يهدف إلى:
دمج الإجراءات الضريبية المختلفة باختلاف أنواع الضرائب.
تبسيط الإجراءات الضريبية ومعالجة المشكلات التي نتجت عن القوانين التي كانت قائمة.
الاعتماد على وسائل الميكنه الحديثة في الإجراءات الضريبية.
عدم المساس بالقواعد الإجرائية الثابتة، والتي اعتادت عليها القوانين الضريبية المتعاقبة تحقيقًا للاستقرار في القواعد الضريبية.
التوحيد الإجرائي على القواعد القابلة للتطبيق على مختلف أنواع الضرائب.
الإنهاء الفعلي للمنازعات الضريبية.
إفراد نصوص خاصة بالإدارة الضريبية لتنظيم بعض أحكام هذه الإدارة، باعتبارها أحد المحاور الثلاثة للمنظومة الضريبية إلى جانب الممول والتشريع. 
وكان الهدف الأساسي بالإضافة إلى ما سبق، توسيع القاعدة الضريبية عن طريق "زيادة عدد الممولين وليس نسبة الضريبة" وزيادة نسبة الضرائب للناتج المحلي، والتي تعد أحد المؤشرات الاقتصادية المهمة وهدفًا أساسيًّا للدولة في الوقت الحالي، وتعد زيادة الحصيلة الضريبية  أهم أهداف الدولة، عبر توسيع القاعدة الضريبية، والتي تعني زيادة عدد الممولين من الأفراد والشركات، وليس زيادة نسب الضرائب القائمة "دخل أو قيمة مضافة وغيرها" لذلك شهدت منظومة الإدارة الضريبية تنفيذ إصلاحات تاريخية تؤدي إلى تحقيق هذا الهدف وإرساء دعائم العدالة الضريبية, وحصر المجتمع الضريبي بشكل أكثر دقة , ودمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي , والذي طالما طالب به كل علماء الاقتصاد.
وكان ذلك واضحًا من تحليل بيان الدكتور/ محمد معيط وزير المالية أمام مجلس النواب في بداية دور الانعقاد الأول بالفصل التشريعي الثاني.
كما تم إطلاق مبادرة لرفع كفاءة تحصيل ضريبة القيمة المضافة، إيمانًا بأن المواطن شريك أصيل في حوكمة النظم الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي، وذلك بهدف تحفيز المواطنين على طلب الفاتورة أو إيصال الشراء، بما يوفر للدولة مصدرين للبيانات (الممول، والمواطن).
انطلاق المشروع القومي الضخم لميكنة ورقمنة الإجراءات الضريبية الموحدة، لمصلحة الضرائب المصرية من أول يناير 2021 والذي يعد أحد مسارات الخطة الشاملة لتحديث وتطوير منظومة الإدارة الضريبية، وميكنتها، وذلك بهدف رفع كفاءة المنظومة الضريبية والتيسير على الممولين، وضمان تحصيل حق الدولة، لصالح الاقتصاد القومي وتحفيز الاستثمار ومكافحة التهرب الضريبي وتشجيع الاقتصاد غير الرسمي على الانضمام للاقتصاد الرسمي.
كما أن القيادة السياسية تولي اهتمامًا كبيرًا بتطوير مصلحة الضرائب، وميكنة الإجراءات الضريبية وتحسين بيئة العمل، والارتقاء بالعنصر البشري، بحيث نصل إلى منظومة ضريبية متطورة محفزة للاستثمار، وتكون في مصاف الدول المتقدمة، بما يسهم في تعظيم القدرات الإنتاجية ورفع معدلات النمو باعتبار ذلك أفضل السبل لتوسيع القاعدة الضريبية.
 
“تم إطلاق مبادرة لرفع كفاءة تحصيل ضريبة القيمة المضافة، إيمانًا بأن المواطن شريك أصيل في حوكمة النظم الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي.”
 
تحديث المنظومة الضريبية وميكنتها، يهدف أيضًا إلى تسهيل وتيسير جميع الإجراءات وتوفير الوقت والجهد والتكلفة، بالإضافة إلى توفير الدقة والشفافية، كما أنه يساهم في تحقيق أولويات الدولة لتوفير الموارد اللازمة لتحسين الخدمات المقدمة للمواطن من دعم وخدمات أساسية.
وهذا المشروع القومي الضخم يأتي ضمن جهود وزارة المالية في تحديث وميكنة دورة العمل بمصلحة الضرائب، والأخذ بالآليات الإلكترونية الحديثة، بما يسهم في إحكام الرقابة على الإيرادات العامة وعمليات تلقي وفحص الإقرارات الضريبية، كما يسهم في التيسير على الممولين والمسجلين بالضرائب، بحيث لا يحتاجون إلى التردد دوريًا على المأموريات لتقديم تلك الإقرارات، كما يسهم في التيسير على العاملين بالضرائب أيضًا، كما أن مشروع ميكنة الإجراءات الضريبية وتوحيده يأتي متناسقًا ومتكاملًا مع قانون الإجراءات الضريبية الموحد، والذي تمت الموافقة علية بمجلس النواب في الفصل التشريعي الأول عام 2020.
 
وفي ضوء خطة الدولة للتحول الرقمي لتحقيق رؤية مصر 2030، يتم تحقيق هذا الهدف من خلال المحاور الخمسة لتطوير مصلحة الضرائب المصرية، والتي تشمل توحيد الإجراءات الضريبية (هندسة الإجراءات)، وتطوير بيئة العمل، ورفع كفاءة العاملين والهيكل التنظيمي، وتعديل التشريعات بإصدار قانون الإجراءات الضريبية الموحد، والميكنة الشاملة، مشيرًا إلى أنه تحقيقًا لمحور الميكنة الشاملة، تم القيام بإجراءات الميكنة لجزء من الوظائف الضريبية بالمرحلة الأولى من خلال منظومة الإجراءات الضريبية المميكنة، والتي بدأت في أول يناير 2021 بالتطبيق على مراكز كبار ومتوسطي الممولين وكبار المهن الحرة، على أن يتم استكمالها ونشرها تباعًا على باقي ممولي الجمهورية خلال عام 2021 .
 
تقوم مصلحة الضرائب بتنظيم سلسلة من ندوات التوعية الضريبية المجانية لممولي مراكز كبار ومتوسطي الممولين وكبار المهن الحرة عن كيفية تقديم الإقرار الضريبي إلكترونيًا على منظومة الإجراءات الضريبية المميكنة الجديدة، والتي أظهرت نتائج غير مسبوقة سواء في عدد الإقرارات المقدمة للأشخاص الطبيعية خلال مارس 2021، أو من حيث الحصيلة الضريبية المحققة مقارنة بالسنوات السابقة.
 
2 - الإصلاحات الهيكلية بمصلحة الضرائب المصرية:
 
في ظل التعديلات التي تمت على قانون الضرائب على الدخل وقانون القيمة المضافة، وإصدار قانون الإجراءات الضريبية الموحد كان لزامًا على مصلحة الضرائب المصرية بإعادة هيكلة مصلحة الضرائب المصرية ودمج فعلي لكل من العاملين بضرائب الدخل والقيمة المضافة والذي كان نتاجه إعادة هيكلة مصلحة الضرائب المصرية بالتعاون مع المتخصصين في الجهاز المركزي للتنظيم والإعلان عن هيكل وظيفي جديد للعاملينو دمج كامل بين ضرائب الدخل والقيمة المضافة والتي طالما طالب بها العديد من الممولين والعاملين منذ صدور القانون 91 لسنة 2005، لتسهيل مهمة الممول في التعامل مع مصلحة الضرائب وتوحيد ملف الممولين، بدلًا من إرهاقه وتضييع وقته بين المصلحتين، ولم تقف وزارة المالية عند هذا الحد فقط، بل اتجهت نحو إنشاء الوحدات الضريبية المتخصصة كوحدة الثروة العقارية وتبعيتها المباشرة لمكتب رئيس مصلحة الضرائب، بالإضافة إلى إنشاء مركز متوسطي الممولين ومأموريات المهن الحرة بعد نجاح فكرة مركز كبار الممولين.
 
تــحـــــديـــث المنظــــومــة الضــريـبــيـــــة وميكنتها، يهدف أيضًا إلى تسهيل وتيسير جميع الإجراءات وتوفير الوقت والجهد والتكلفة، بالإضافة إلى توفير الدقة والشفافية.
 
3 - الإصلاحات الإجرائية:
 
شهدت منظومة الإجراءات الضريبية ميكنة شبه كاملة والتي تعد جزءًا من محاور التطوير التي تشهدها مصلحة الضرائب حاليًا، والتي تعمل على ميكنة الأعمال الضريبية الخاصة بالممولين والمحاسبين تحديدًا مراكز كبار ومتوسطي الممولين وكبار المهن الحرة، كما ستشهد تطبيق هذه الميكنة على باقي المأموريات خلال الفترة القادمة، والتي يتم من خلالها ميكنة أكثر من 16 إجراء ضريبيًّا تتضمن أكثر من 64 إجراءً فرعيًا من الأعمال الضريبية الرئيسة على مرحلتين، المرحلة الأولى والتي انطلقت في 3 /1 /2021، والتي بموجبها تم ميكنة إجراءات التسجيل والإقرارات والمدفوعات على أن يتم استكمال باقي الإجراءات بالمرحلة الثانية والمخطط انطلاقها في 30 /6 / 2021، وتشمل الإجراءات الأخرى كالفحص والمراجعة والطعن، وبعدها ستكون كل أعمال الضرائب إلكترونيًّا.
 
كما تم ولأول مرة تقديم الإقرار الضريبي للأشخاص الطبيعية والاعتبارية عن عام 2020 والمقدم خلال الفترة من يناير 2021 بشكل إلكتروني كامل، وبالتالي فإنه يمكننا القول بأن مستقبل السياسة الضريبية في مصر يتجه وبسرعة إلى مسايرة التقدم التكنولوجي الذي يشهده العالم، ومسايرة أحدث النظم الضريبية العالمية، والتي ستكون لها تأثير إيجابي مباشر على المالية العامة للدولة، وتوسيع القاعدة الضريبية، والحد من ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي التي تشهدها مصر.
 
تداعيات السياسة الضريبية على الاقتصاد المصري:
 
للسياسات الضريبية أثر مباشر على استقرار أوضاع الاقتصاد الكلي في الدولة، وكذلك في تحقيق نمو احتوائي مستدام، وتعظيم القيمة المضافة، وقد كان للسياسات الضريبية التي قامت بها الدولة في الفترة الأخيرة أكبر الأثر في تحسين المؤشرات التنموية لمصر، والتي أبرزتها أكبر المؤسسات العالمية في تقييم الدول وهذا ما يشير إلى أن مصر في الفترة القادمة ستكون لاعبًا في الاقتصاد العالمي قادرة على التكيف مع المتغيرات العالمية في ضوء ما تنتهجه وزارة المالية من سياسات في مجال الضرائب بأنواعها كافة.
 
“للسياسات الضريبية أثر مباشر على استقرار أوضاع الاقتصاد الكلي في الدولة، وكذلك في تحقيق نمو احتوائي مستدام، وتعظيم القيمة المضافة.”
 

تقييم الموقع