IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

إعادة بناء الدولة المصرية آفاق وتحديات

 الأحد. 11 يوليه., 2021

إعادة بناء الدولة المصرية آفاق وتحديات

أ.د. على الدين هلال

عندما فكرت في الكتابة عن هذا الموضوع، وجدت أنه من الضروري أن تكون نقطة البدء هي تحديد المقصود بإعادة بناء الدولة، فالدولة مفهوم عام تتم دراسته في علوم القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والجُغرافيا وغيرها، الدولة ككيان قانوني لها ثلاثة أركان أساسية هي: الإقليم: بمعنى مساحة الأرض التي تشغلها دولة ما وإقليمها الجوي والبحري، والشعب: هم المواطنون الذين يحملون جنسية الدولة، ومؤسسات الحكم: التي تحمي الإقليم وتُدير شؤون البلاد، وأهمها المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، والدولة ككيان سوسيولوجي تشمل مُختلف الأنشطة والتفاعُلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سواء أخذت شكل المُبادرات النابعة من المؤسسات الرسمية الحكومية، أو تلك النابعة من الأفراد وهيئات المُجتمع المدني.

عندما فكرت في الكتابة عن هذا الموضوع، وجدت أنه من الضروري أن تكون نقطة البدء هي تحديد المقصود بإعادة بناء الدولة، فالدولة مفهوم عام تتم دراسته في علوم القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والجُغرافيا وغيرها، الدولة ككيان قانوني لها ثلاثة أركان أساسية هي: الإقليم: بمعنى مساحة الأرض التي تشغلها دولة ما وإقليمها الجوي والبحري، والشعب: هم المواطنون الذين يحملون جنسية الدولة، ومؤسسات الحكم: التي تحمي الإقليم وتُدير شؤون البلاد، وأهمها المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، والدولة ككيان سوسيولوجي تشمل مُختلف الأنشطة والتفاعُلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سواء أخذت شكل المُبادرات النابعة من المؤسسات الرسمية الحكومية، أو تلك النابعة من الأفراد وهيئات المُجتمع المدني.
 
في هذا السياق، تشهد مصر منذ عام 2014 حركة تغيير وإعادة بناء لكثير من مؤسسات الدولة-بالمعنى الشامل الذي أوردته-وللعلاقات بين هيئاتها والأفراد المُكونين لها، التغير هو أمر طبيعي، وسمة الحياة والبشر والمجتمعات، ولا يوجد في الكون معنى للثبات أو الجمود، ولكن التغيير الذي نُشيرُ إليه هو بالأحرى عملية شاملة ومقصودة تستهدف إحداث تحولات نوعية عميقة في أغلب الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو عملية إعادة تصميم وإعادة بناء شاملة لمُكونات الدولة المصرية.
 
ففي أعقاب ظروف عدم الاستقرار والتفكُك، كانت البداية بالضرورة هي إعادة هيبة المؤسسات الرسمية للدولة، من خلال تطوير قُدراتها وإحياء الحيوية والثقة في شاغليها حتى تتمكن من مواجهة التحديات وإدارة شؤون البلاد واستعادة النظام، ومكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، وكان أهم هذه التحديات كبح جماح الأنشطة الإرهابية التي روعت المواطنين ثُم تطويقها وتجفيف منابعها وتصفيتها، ومثلت هاتان المُهمتان-إعادة الهيبة لمؤسسات الحكم الرسمية ومكافحة الأنشطة الإرهابية-بداية تطبيق استراتيجية شاملة لإعادة بناء الدولة.
 
شملت هذه الاستراتيجية أغلب جوانب الحياة والمُجتمع في مصر ويكاد لا يوجد مجال لم تمسه عملية إعادة البناء، حتى أنه ليس من قبيل المُبالغة القول بأننا إزاء إعادة رسم خريطة مصر وإعادة توزيع البشر والأنشطة الاقتصادية على الجُغرافيا المِصرية بما يستجيب لمشكلات الحاضر وتحديات المُستقبل.
 
وللدلالة على ذلك، فإنني أُشيرُ إلى خمسة محاور لإعادة البناء وهي:
 
1. البنية التحتية المادية، والتي تُمثلُ الأرضية التي تعتمدُ عليها جهود التنمية وتشمل عادة توفير الطاقة الكهربائية، والمياه والصرف الصحي، ومد الطُرق السريعة والمحاور، وتشييد الكباري والمطارات والموانئ، فلا يُمكنُ تحقيق التوسُع الصناعي بدون الكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية، ولا يُمكن نقل السلع والبضائع والأفراد من مكان لآخر بدون توافر طُرق ووسائل مواصلات سريعة، ولا يُمكنُ استيراد مُدخلات الإنتاج أو تصدير السِلع الزراعية والصناعية دون توافُر الموانئ والمطارات بالقُرب من أماكن الإنتاج، كما تشملُ البنية التحتية المادية، التوسُع في المُدن القائمة، وإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وكذلك عدد من المُدن الجديدة الأُخرى.
 
وإلى جانب ما تقدم، ففي عصرنا هذا فإن هذه البنية تشمل البنية التحتية المعلوماتية أو الرقمية والتي تُشير إلى كل ما يُدعم تدفُق المعلومات ومُعالجتها، والتي تأخذُ شكلين، الأول: توفير الأجهزة اللازمة لربط الحواسب الآلية بشبكة الإنترنت والتي تُتيحُ لها استخدام الخدمات المُختلفة للشبكة وأدوات التواصُل الاجتماعي، والثاني: هو وجود شبكات داخلية تربط بين الحواسب الآلية وبعضها البعض في أحد المجالات أو المؤسسات، ويعتمد ذلك على مد كابلات الألياف الضوئية التي تُوفرُ وسيلة فائقة السُرعة للبيانات. 
 
“تشهد مصر منذ عام 2014 حركة تغيير وإعادة بناء لكثير من مؤسسات الدولة، والعلاقات بين هيئاتها والأفراد المُكونين لها، وكانت البداية هي إعادة هيبة المؤسسات الرسمية للدولة حتى تتمكن من مواجهة التحديات.”
 
2. البنية التحتية البشرية، والتي تُشيرُ إلى رفع كفاءة المورد البشري وزيادة قُدراته ومهاراته، بما يؤدي إلى دعم رأس المال الاجتماعي في الدولة، ويتحقق ذلك من خلال مجالات التربية والتعليم، والثقافة، وذلك من خلال تطوير مضمون العملية التعليمية ونظُم الامتحانات والتقويم بما يُركز على تنمية قُدرات الطُلاب في البحث والتحليل، والتخلي عن نمط التعليم الذي يعتمد على التلقين والحفظ، وعلى مُستوى الصحة، تم إدراج عدد من المُبادرات الرئاسية للكشف على أكبر عدد من المصريين على اختلاف أعمارهم وفي كُل المُحافظات، وتنشيط جهود الحد من أخطار الزيادة السُكانية المُنفلتة، أضف إلى ذلك الجهود في مجال الثقافة التي تهدفُ إلى تكريس القيم الإيجابية، ومن ذلك تدريس كتاب بعُنوان "القيم واحترام الآخر" لطُلاب الصف الثالث الابتدائي. 
 
3. خلق مصادر ثروة جديدة، ويُقصد بذلك توسيع دائرة الطاقات الإنتاجية ومصادر توليد الثروة لتشمل العديد من المجالات، مثل، استصلاح الأراضي، ومشروع الدلتا الجديدة، والاعتماد على تكنولوجيا الصوب في مجال الزراعة، وإنشاء المُدن الصناعية والتوسُع في صناعة الإسمنت والحديد، وإدخال الصناعات التكنولوجية المتقدمة، مثل، المنتجات الإلكترونية والحواسيب اللوحية وأجهزة الاتصالات والسيارات الكهربائية، والتوسُع في مشروعات الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية في مجال الغذاء، أضف إلى ذلك خُطة الدولة في إعادة الحياة إلى البحيرات المصرية والتي أُهملت ردحًا طويلًا، ويشمل التطوير إزالة التعديات على البحيرات، وإزالة القمامة ومصادر التلوث منها، تمهيدًا لتكريك البُحيرات وتعميقها، وهُناك جهود ضخمة في بحيرات البردويل وإدكو وقارون. 
 
4. الارتقاء بمستوى الحياة والمعيشة، ويُشير ذلك إلى نوعين من الأنشطة، الأول: وهو الذي يأتي بداهة إلى الذهن وهو برامج الحماية الاجتماعية التي توفرها الدولة للفقراء ومحدودي الدخل بما يهدف إلى توفير حد أدنى من الحياة الكريمة لأكبر عدد من المواطنين. ويشمل ذلك رفع الحد الأدنى للأجور والمُرتبات وزيادة المعاشات بما يتواكب مع التضخم.
 
أما النوع الثاني: فهو تغيير البيئة المُحيطة بالإنسان، ومن أمثلة ذلك مشروع تطوير "محور المحمودية" الذي يمتد لمسافة 54 كيلو مترًا في محافظتي البحيرة والإسكندرية الذي شمل تطهير الترعة من القمامة والنفايات وتطهير مجراها وإزالة التعديات على جانبيها، وتطويرها لتكون منطقة تنموية وخدمية، ويدخُل في هذا المجال، إزالة العشوائيات ومشروعات الإسكان الاجتماعي لمُتوسطي ومحدودي الدخل.
 
“تسعى مصر إلى إعادة رسم خريطتها، وإعادة توزيع البشر والأنشطة الاقتصادية على الجُغرافيا المِصرية، بما يستجيب لمشكلات الحاضر وتحديات المُستقبل.”
 
5. تطوير الرموز السياسية، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان وتحتاج المجتمعات في مسيرتها لأنماط من القيم والرموز التي تُشجعُ أبناءها على التمسُك والتكاتف لتحقيق التقدم، وفي إطار الجُهد الوطني الذي تشهده مصر، فإن هُناك تركيزًا لإحياء وتجديد ثقة المصريين في وحدتهم وفي قُدرتهم وذلك بعد سنوات من الاضطراب والارتباك، وكان إنجاز المجرى الجديد لقناة السويس اللبنة الأولى على هذا الطريق.
 
ومن ذلك أيضًا، قيام الرئيس عبد الفتاح السيسي بتجاوز حاجز نفسي قديم بزيارته للكنيسة المُرقسية وتهنئته للمصريين الأقباط في عيد الميلاد المجيد في 6 يناير 2015. فكانت خُطوة كرس بها روح الوطنية المصرية والتلاحم الوطني بين المصريين، وكان ذلك جُزءًا من تصور أكبر لتعايُش المصريين مع مُكونات تاريخهم الحضاري والثقافي الطويل بمراحله الفرعونية والهيلينية الرومانية والقبطية والإسلامية والحديثة، دون افتعال تعارض أو تناقُض بينهم، وكان من ذلك مثلًا قرار وزارة التربية والتعليم بإدخال رموز اللغة الهيروغليفية في المناهج ابتداءً من الصف الرابع الابتدائي حتى نهاية المرحلة الثانوية مع بداية العام الدراسي سبتمبر 2021، أضف إلى كُل ما تقدم، السياسات الاجتماعية لإدماج فئات المُجتمع كالمرأة والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة.
 
ظلل تحقيق تلك الجهود في مُختلف مجالات الحياة العمل لتطوير أداء الجهاز الحكومي ورفع قدراته، وشمل ذلك، تطوير القوانين واللوائح المُنظِمة للعمل في المجالات سالفة الذكر، وميكنة الكثير من العمليات الحكومية، وخصوصًا في قطاع التكنولوجيا المالية، وإعداد الموازنة العامة وأعمال مصلحة الضرائب والخدمات الطبية، وتطبيق مركز معلومات مجلس الوزراء الذي وفر لمُستخدميه قاعدة عريضة من البيانات والمعلومات، دعم من ذلك كُله الأدوار التنموية التي قامت بها القوات المُسلحة المِصرية والتي كانت حاسمة وضرورية لتحقيق هذه الإنجازات.
 
هذا بعض من كل، ويبقى القول أن إعادة بناء مؤسسات أي دولة ليست بالأمر اليسير وإنما تكتنفه العديد من المشكلات والتحديات خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمؤسسات دولة لها تاريخ قديم مثل مصر، وتعود فيها الناس –مسؤولون ومواطنون-على إدارة أمورهم بطُرق لم تعُد مُناسبة الآن وتحتاج إلى تطوير، ثُم أن هذه العملية تحتاج إلى سنوات لكي تستقر قواعد عملية إعادة البناء في العقول والنفوس، وسُنة الحياة أن الناس أعداء ما جهلوا وأنهم يُخامرهم الشك والريبة في الجديد. 
 
“إعادة بناء مؤسسات أي دولة ليست بالأمر اليسير وإنما تكتنفه العديد من المشكلات والتحديات خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمؤسسات دولة لها تاريخ قديم مثل مصر.”
 
وفي غِمار هذه العملية الهائلة، يُمكن أن تحدث أخطاء وهذا أمر طبيعي ومُتوقع، من الضروري أيـضـــًا أن نُعـــطي هـــذه الأهـمـيــــة مـداهـــــا الـزمـنـــي المطلوب، فإذا كان من الممكن القيام بإنجازات مادية في فترات زمنية محدودة، فإن التغييرات الثقافية والاجتماعية وفي العادات وأنماط التفكير تحتاجُ فترة زمنية أطول وخصوصًا بالنسبة لتحديات تتعلقُ بعموم الناس، مثل، قضية محو الأمية، وقضية تنظيم الأُسرة، وقضية التفسيرات الخاطئة الذائعة عن الدين، وقضية تنمية القُدرات الاتكالية، وتنمية قُدرات الابتكار والاختراع، وتحدي شكل النظام الاقتصادي والسياسي في مصر.
 
إنجازات تحققت وتحديات قائمة، والمُهم أن نستمر في إعادة بناء الدولة والمُجتمع. 
 

تقييم الموقع