IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

السياسة الخارجية المصرية ما بعد ٣٠ يونيو: أهداف ودوائر جديدة

 الثلاثاء. 27 يوليه., 2021

السياسة الخارجية المصرية ما بعد ٣٠ يونيو: أهداف ودوائر جديدة

 أ.د. محمد كمال

دخلت السياسة الخارجية المصرية مرحلة جديدة بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في 30 يونيو / 3 يوليو 2013، ثم تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم في البلاد بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية في يونيو 2014، وقد تمثلت هذه السياسة في تبنى عدد من الأهداف والدوائر الجديدة. فبالإضافة الى استمرارية الأهداف التاريخية والتقليدية للسياسة الخارجية المصرية، يمكن القول إن مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013 قد تضمنت عدة أهداف يوجد بينها قدر من الترابط، وأصبح لها أولوية في رؤية مصر وتوجهاتها الخارجية، الهدف الأول، يتعلق بمساندة الدولة الوطنية والحفاظ على سيادتها، وهو ما أطلق عليه البعض اسم "مبدأ السيسي"، وقد اتضح هذا الهدف في موقف مصر من الأزمة السورية، والذى تحدث الرئيس السيسي عن أنه قائم على خمسة مبادئ رئيسة

دخلت السياسة الخارجية المصرية مرحلة جديدة بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في 30 يونيو / 3 يوليو 2013، ثم تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم في البلاد بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية في يونيو 2014، وقد تمثلت هذه السياسة في تبنى عدد من الأهداف والدوائر الجديدة.
 
فبالإضافة الى استمرارية الأهداف التاريخية والتقليدية للسياسة الخارجية المصرية، يمكن القول إن مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013 قد تضمنت عدة أهداف يوجد بينها قدر من الترابط، وأصبح لها أولوية في رؤية مصر وتوجهاتها الخارجية، الهدف الأول، يتعلق بمساندة الدولة الوطنية والحفاظ على سيادتها، وهو ما أطلق عليه البعض اسم "مبدأ السيسي"، وقد اتضح هذا الهدف في موقف مصر من الأزمة السورية، والذى تحدث الرئيس السيسي عن أنه قائم على خمسة مبادئ رئيسة، هي، الحفاظ على وحدة الأرض السورية، ونزع أسلحة الميليشيات والجماعات المتطرفة، وإعادة إعمار سوريا، وتفعيل مؤسسات الدولة، بالإضافة الى احترام إرادة الشعب السوري، وإيجاد حل سلمي للأزمة، كما يتضح أيضا في موقف مصر من الأزمة الليبية والذى يتضمن الالتزام بوحدة واستقرار ليبيا، ودعم مؤسساتها الشرعية والالتزام بالحل السياسي، والرفض القاطع للتدخل الخارجي في الشؤون الليبية. 
 
الهدف الثاني، هو مكافحة الإرهاب، والذي أصبح أحد الأهداف الرئيسة للسياسة الخارجية في مرحلة ما بعد 30 يونيو، وقد طرح الرئيس السيسي رؤية متكاملة  لمكافحة الإرهاب على المستوى الدولي في خطابه أمام القمة الإسلامية الأمريكية بالرياض في 21 مايو 2017 والذى أشار فيه إلى أن الشرط الضروري الذي يوفر البيئة الحاضنة للتنظيمات الإرهابية، هو تفكك وزعزعة استقرار مؤسسات الدولة الوطنية في المنطقة العربية، وأن ملء الفراغ الذي ينمو وينتشر فيه الإرهاب، يستلزم بذل كل الجهد، من أجل استعادة وتعزيز وحدة واستقلال وكفاءة مؤسسات الدولة الوطنية في العالم العربي، و" أن المنطقة واجهت  في الأعوام الأخيرة محاولات ممنهجة، وممولة تمويلًا واسعًا، لتفكيك مؤسسات الدولة وإغراق المنطقة في فراغٍ مدمر، وفر البيئة المثالية لظهور التنظيمات الإرهابية"، وأكد أن مصر " تدعم بكل قواها، كل الجهود الرامية لتسوية أزمات المنطقة، بما يحافظ على وحدة وسيادة الدول الوطنية وسلامتها الإقليمية، وحمايتها من قوى التطرف والتشرذم الطائفي، وترفض رفضًا قاطعًا كل محاولات التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية، أو إزكاء وتأجيج الفتن الطائفية، التي تمثل البيئة الخصبة لنمو الإرهاب وانهيار الدولة الوطنية.
 
وأشار الرئيس السيسي إلى أهمية التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، وإلى أن هناك دولًا توفر الملاذات الآمنة للتنظيمات الإرهابية لتدريب المقاتلين ومعالجة المصابين منهم وإجراء الإحلال والتبديل لعتادهم ومقاتليهم، وهناك مَن يشتري منهم الموارد الطبيعية التي يسيطرون عليها، وهناك من يقدم لهم التبرعات المالية، أو يوفر لهم وسائل إعلام تحولت الى أبواق دعائية للتنظيمات الإرهابية، وأن كل هؤلاء شركاء للإرهابيين، وأكد الرئيس أهمية إحداث نقلة نوعية في مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي، بحيث تتم صياغة خطة عمل واضحة بإطار زمني محدد، تجتث الإرهاب من جذوره، تمويلًا وتسليحًا، وتحرم شبكاته من ملاذاتها الآمنة.
 
ونشطت السياسة الخارجية المصرية في مرحلة ما بعد 30 يونيو في العديد من الدوائر منها الدائرة العربية، وخاصة بعدها الخليجي، كما نشطت في جهود تسوية الأزمة الليبية، وساهمت كذلك في جهود دعم الشرعية اليمنية بالمشاركة في التحالف العربي لدعم الشرعية وعمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل، كما ساهمت في الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة السورية، وقامت بتنمية علاقاته مع العراق، واستمرت كذلك في الدعوة لإحياء عملية السلام الفلسطيني الإسرائيلي و ساهمت بدور أساسي في التواصل لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في مايو ٢٠٢١
وعادت مصر بقوة للدائرة الإفريقية، وشارك الرئـيـــس الســـيـســـي في عـــدد من القـمــم الإفريقية، وزار العديد من دول القارة، وتولت مصر رئاسة لجنة الرؤساء الأفارقة للتغير المناخي المعنية بصياغة موقف إفريقي موحد إزاء مسألة تغير المناخ، واستضافت في يونيو 2015 قمة التكتلات الاقتصادية الثلاثة السادك والكوميسا وتجمع دول شرق إفريقيا والتي شهدت التوقيع على اتفاقية لإقامة منطقة للتجارة الحرة تضم 26 دولة إفريقية، وقامت مصر بتأسيس الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في يوليو 2014، لدفع علاقات الشراكة والتعاون مع الدول الإفريقية.
 
كذلك استعادت مصر قدرًا كبيرًا من التوازن في علاقتها مع القوى الكبرى من خلال استمرار العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفى الوقت نفسه فتحت آفاقًا جديدة للعلاقات مع قوى كبرى أخرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوربي، وقد أوضحت أزمة غزة في مايو ٢٠٢١، حدود الدور الذى يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة، وأنه بدون الاستعانة بقوة إقليمية مهمة، هي مصر، ما كان يمكن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، وهو ما أعاد الدفء إلى العلاقات المصرية الأمريكية، وأكد أن العلاقات الدولية تقوم بالأساس على المصالح وليس على الاعتبارات الأيديولوجية.
 
وشهدت السياسة الخارجية المصرية تحركًا نشطًا في دوائر جديدة، ومنها التوجه شرقا ناحية آسيا، وكذلك دائرة شرق المتوسط.
 
وقد تمثل التوجه نحو آسيا في العديد من زيارات الرئيس السيسي لدول القارة ومنها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها، وقد عكس هذا التوجه الآسيوي قناعة ترددت في العديد من الدوائر الرسمية وغير الرسمية أن آسيا هي قارة المستقبل ليس فقط لأنها أكبر قارة في العالم وأكثرها سكانا (واحد من كل ثلاثة أشخاص يعيشون على الأرض هو إما هندي أو صيني)، ولكن أيضا لأن ميزان القوة الاقتصادية والسياسية في طريقه للانتقال لهذه القارة، حيث أصبحت آسيا ساحة لتحولات استراتيجية كبرى، و تشهد انتقال موازين القوى من الغرب إلى الشرق، من منطقة المحيط الأطلنطي إلى آسيا ومنطقة المحيط الهادئ، ويتم على أرضها تحول العالم من حالة القطبية الأحادية إلى نظام دولي جديد يقوم على تعدد الأقطاب، أطرافه هي الصين والهند وروسيا بالإضافة للولايات المتحدة، وقامت مصر بدعم علاقتها مع العديد من الدول الآسيوية،  وانضمت إلى مبادرة "حزام واحد .. طريق واحد" والتي تستهدف التعاون الاقتصادي بين الصين والدول التي كانت تمثل ما يعرف بطريق التحرير، كما شاركت مصر أيضا في تأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
 
الدائرة الأخرى الجديدة  التي شهدت نشاطا للسياسة الخارجية المصرية هي دائرة شرق البحر الأبيض المتوسط، وهى المنطقة التي أصبحت محل اهتمام استراتيجي عالمي نتيجة للاكتشافات الضخمة للغاز الطبيعي بها، والتي بدأت عام 2009 باكتشاف حقل تمار أمام السواحل الإسرائيلية والذى يحتوى على 7 تريليونات قدم مكعب من احتياطي الغاز، ثم امتدت الاكتشافات للسواحل القبرصية في حقل أفروديت باحتياطي 5 تريليونات قدم، وأخيرا اكتشاف حقل ظهر في السواحل المصرية عام 2015، والذى يعد أكبر الاكتشافات على الإطلاق بشرق المتوسط وباحتياطي 30 تريليون قدم مكعب، هذه الاكتشافات أدت إلى تحول شرق المتوسط إلى منطقة استراتيجية ، وبدأ يظهر في إطارها تفاعلات وتحالفات جديدة، ومشروعات للتعاون لم تكن موجودة من قبل، وقد نشطت السياسة الخارجية المصرية في هذه المنطقة، وتمثل ذلك في العديد من لقاءات القمة بين مصر واليونان وقبرص، بالإضافة لتعاون عسكري ومناورات مشتركة في البحر المتوسط، وطرح مشروعات للتعاون الاقتصادي منها فكرة الاستفادة من محطات تصدير الغاز المسال LNG الموجودة بمصر - والتي لم تعد تعمل بكامل طاقاتها- من أجل تصدير غاز المنطقة للقارة الأوروبية، كما ساهمت في إنشاء منتدى شرق المتوسط للغاز، وقادت الجهود لتحويله إلى منظمة إقليمية.
 
خلاصة القول إن السياسة الخارجية المصرية شهدت نشاطا كبيرا في مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013، وتم استحداث أهداف جديدة للنشاط الدبلوماسي المصري منها مكافحة الإرهاب والحفاظ على الدولة ومؤسساتها في مناطق الأزمات، وكذلك تكثيف النشاط في عدد من الدوائر غير التقليدية للتحرك الخارجي ومنها آسيا وشرق المتوسط. 
 
 

تقييم الموقع