IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

مصر والأزمة الأفغانية

 السبت. 28 أغسطس., 2021

مصر والأزمة الأفغانية

 د. عبد المنعم سعيد

انفجرت الأزمة الأفغانية يوم الأحد ١٥ أغسطس ٢٠٢١، عندما دخلت قوات حركة طالبان الأفغانية إلى العاصمة كابول معلنة مولد حالة سياسية وسيادية جديدة في الدولة الأفغانية. حدث الانفجار لأن هذا الاستيلاء جاء مبكرا ومختلفا عما كان متصورا ومتفقا عليه بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، والذي تم تحت الرعاية القطرية في العاصمة الدوحة، خلال فترة إدارة الرئيس ترامب. قام الاتفاق على أساس صفقة قوامها انسحاب القوات الأمريكية وكل القوات الأجنبية الأخرى، أي قوات حلف الأطلنطي قبل يوم ٣١ أغسطس ٢٠٢١، مقابل أن تبدأ حركة طالبان في التفاوض مع الحكومة الأفغانية بقيادة الرئيس المنتخب "أشرف غني" من أجل التوصل إلى اتفاق حول سلطة أفغانية جديدة لم يعرف أبدا لا شكلها ولا فصلها، وهل تقوم على المشاركة أم الانتخابات. وبعد أن تولى الرئيس "بايدن" الإدارة الأمريكية أعلن عن نية الولايات المتحدة الانسحاب الكامل من أفغانستان قبل الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٢١. وبعد هذا الإعلان دعا الرئيس الأفغاني إلى البيت الأبيض، حيث جرى إبلاغه بالأمر (وبعدها تمت دعوة رئيس الوزراء العراقي مصطفي الكاظمي إلى واشنطن، حيث أبلغ عن نية الولايات المتحدة في الانسحاب من العراق قبل نهاية العام الحالي).

انفجرت الأزمة الأفغانية يوم الأحد ١٥ أغسطس ٢٠٢١، عندما دخلت قوات حركة طالبان الأفغانية إلى العاصمة كابول معلنة مولد حالة سياسية وسيادية جديدة في الدولة الأفغانية. حدث الانفجار لأن هذا الاستيلاء جاء مبكرا ومختلفا عما كان متصورا ومتفقا عليه بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان، والذي تم تحت الرعاية القطرية في العاصمة الدوحة، خلال فترة إدارة الرئيس ترامب. قام الاتفاق على أساس صفقة قوامها انسحاب القوات الأمريكية وكل القوات الأجنبية الأخرى، أي قوات حلف الأطلنطي قبل يوم ٣١ أغسطس ٢٠٢١، مقابل أن تبدأ حركة طالبان في التفاوض مع الحكومة الأفغانية بقيادة الرئيس المنتخب "أشرف غني" من أجل التوصل إلى اتفاق حول سلطة أفغانية جديدة لم يعرف أبدا لا شكلها ولا فصلها، وهل تقوم على المشاركة أم الانتخابات. وبعد أن تولى الرئيس "بايدن" الإدارة الأمريكية أعلن عن نية الولايات المتحدة الانسحاب الكامل من أفغانستان قبل الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٢١. وبعد هذا الإعلان دعا الرئيس الأفغاني إلى البيت الأبيض، حيث جرى إبلاغه بالأمر (وبعدها تمت دعوة رئيس الوزراء العراقي مصطفي الكاظمي إلى واشنطن، حيث أبلغ عن نية الولايات المتحدة في الانسحاب من العراق قبل نهاية العام الحالي).

ما جرى فيما يخص أفغانستان أن المفاوضات بين السلطة وطالبان لم تحدث بأي شكل جدي؛ وما أن صدر القرار الأمريكي بالانسحاب حتى بدأت قوات طالبان في التقدم من مواقعها في جنوب البلاد. كان التصور الأمريكي أنها قد أنفقت عشرات المليارات من الدولارات من أجل إقامة جيش أفغاني قوي ومتقدم التسليح قوامه قرابة ٣٥٠ ألف مقاتل، فإنه سوف يستطيع الدفاع عن السلطة القائمة وهزيمة طالبان التي لا تتعدى قدراتها ٧٥ ألف مقاتل. ما حدث فعليا وكان يمثل مفاجأة تامة، هي أن الجيش الأفغاني استسلم من موقع إلى آخر بعد أن تفاوضت طالبان على الاستسلام مع القيادات المحلية وجرى ذلك على خلاف جميع التقديرات الأمريكية التي رأت أنه في أسوأ الظروف فإن طالبان سوف تحتاج ١٢ شهرا للوصول إلى كابول، وأثناء ذلك سوف تستطيع الولايات المتحدة إجلاء مواطنيها والعاملين معهم من الأفغان.

ما حدث في يوم ١٥ أغسطس أن طالبان دخلت إلى كابول بعد فرار الرئيس أشرف غني، واستسلام السلطات الأفغانية، بينما كانت الولايات المتحدة تتعجل عملية الجلاء الذي وضع قواتها في حالة من الانكشاف تمكنت فيه حركة "الدولة الإسلامية" لتنظيم "خراسان" من القيام بعملية انتحارية على أبواب مطار كابول الدولي راح ضحيته ١٣ جنديًا أمريكيًا، ومعه عشرات من الجرحى الجنود، ومعهم أيضًا ٩٠ أفغانيا قتلي، ومن الجرحى ١٨٠. ظهور "داعش" في الصورة عكس التعقيد الشديد في الحالة الأفغانية، حيث يتجاور مع طالبان حركات أصولية متطرفة أخرى، منها القاعدة وداعش والإخوان المسلمون، بالإضافة إلى قوات مسلحة تابعة للطوائف العرقية والقبلية الأفغانية، البشتون، والطاجيك، والأزبك، والشيعة وغيرهم، فضلا عن التابعين للنظم السياسية المختلفة التي تتابعت على أفغانستان خلال العقود الخمسة الأخيرة.
 
التفكير المصري في الأزمة
 
المعالجات المصرية المختلفة للأزمة دارت حول ثلاثة مواقف، اتسم أولها، بالشماتة والسخرية فيما ظهر من هزيمة أمريكية، وعجز عن متابعة المفاجآت المختلفة للأزمة. وانطلاقا من ذلك جرى إسقاط الموقف على الحالة الفلسطينية الإسرائيلية التي بات في إمكانها هزيمة إسرائيل كما حدث للولايات المتحدة. ثانيها، ركز على الجانب الآخر الأفغاني وكيف أنه سوف يتحول إلى بؤرة كثيفة للأصولية والتطرف والإرهاب ومن ثم تهديد مصر وباقي المنطقة العربية. وثالثها، استند إلى نظرية "المؤامرة" التي قضت بأن ما يحدث في أفغانستان يحدث بناء على اتفاق أو "ترتيب" أمريكي أفغاني، حيث رأت الولايات المتحدة أن تطلق "الغول" الأصولي الإرهابي الأفغاني على كل من الصين، وروسيا لكي تعوق تقدم الأولى وتضغط على الثانية حتى تقدم التنازلات للولايات المتحدة. وفي أحيان امتدت "المؤامرة" إلى الدول العربية الخليجية، حيث كان "الغول" مستهدفا لها ومن ثم تلجأ إلى الولايات المتحدة التي تستغلها وتحصل على أموالها مقابل سلاح لن يستخدم. وأخذ الرئيس عبد الفتاح السيسي الموضوع إلى وجهة أخرى مختلفة تماما وتتماشى مع السياسة المصرية الداخلية، والتي ترى أن ما حدث ويحدث في أفغانستان هو نتيجة لانهيار "الدولة الوطنية" الأفغانية، والتي بعد سقوطها بات كل ما يُرى من تحلل وانهيار ممكنا. كان الحديث مؤكدا ضرورة بناء الدولة الوطنية المصرية، وعناصر قوتها، بما فيها تلك المتعلق بالثقافة والمعرفة، وباختصار قوة مصر الناعمة.
 
الدولة الوطنية المصرية في مواجهة الأزمة الأفغانية
 
الأزمة الأفغانية لها عدة وجوه بعضها يخص أفغانستان ذاتها، وبعضها الآخر يخص الولايات المتحدة الأمريكية. وبالنسبة لأفغانستان فإن وضعها "الجيو سياسي" (تأثيرات الجغرافيا على الأوضاع السياسية) و"الجيو استراتيجي" الذي هو الترجمة العملية لما يجب اتخاذه من قرارات تخص حماية الدولة ومسيرتها. أفغانستان في هذا الإطار دولة حبيسة، ومحاطة من جميع الاتجاهات بمن هم أكبر وأقوى منها، وفي الشمال توجد ثلاث دول هي تركمانستان، وطاجيكستان، وأوزباكستان، وثلاثتهم لديها الروابط مع روسيا العملاقة مساحة وشعبا وتسليحا، ورغبة في ثأر من هزيمة قديمة. في شمال الغرب توجد الصين، وهذه تطلب دائما التعاون، وهي على استعداد للتعامل مع قوى متناقضة، أما إذا أطلقت لمخاوفها العنان والخاصة بجماعة "الإيجور" الإسلامية فإن أفغانستان بالنسبة لها خطر محتمل. في الشرق والجنوب توجد باكستان وهي خلطة من حليف تاريخي لطالبان، وعدو يريد التحالف دائما مع الولايات المتحدة، وفي الجنوب بعد بحر العرب توجد الهند التي لا تريد إضافة جديدة للأصوليات الإسلامية المتطرفة، وفي الغرب توجد إيران التي تريد الاحتفاء بمن هزموا أمريكا، ولكنهم سنة وأصوليون وكان لديهم عداء وخصومة مع الشيعة. وإذا كانت إيران تريد تقليد تقاليدها السابقة فإنها تريد تحويل إقليم الهزارات (٩٪ من السكان البالغين ٣٣ مليون نسمة) لما فعلته من قبل مع شيعة العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث تكون هناك تنظيمات مسلحة مثل الحشد الشعبي وحزب الله والحوثيون. الجغرافيا هكذا قلقة ومهددة، وفيها من لا يقبل تعميقا للإرهاب والتطرف، وسوف يكون على طالبان أن يثبت براءته من كل ذلك.

أفغانستان بعد ذلك كله ليست دولة عظمى أو غنية أو حتى مستورة، وهي تعيش على المعونات الأجنبية التي تبلغ ٨٠٪ من ميزانيتها السنوية، وناتجها المحلي الإجمالي لا يزيد على ٢٣ مليار دولار، نصيب الفرد منه ٤٩٣ دولارًا في العام وهو نصيب الدول الأكثر فقرا في العالم. لم يكن هناك جديد في ذلك في كل العقود الماضية، ولكن ٢٠ عاما من الاحتلال الأمريكي أطلع الأفغان على عوالم أخرى تخلق الكثير من التوقعات التي عندما تتقاطع مع التركيبة الطائفية يكون لها نتائج متفجرة وهو ما عاشت عليه أفغانستان طوال تاريخها المعاصر. هناك على الجانب الآخر من يسلم بذلك كله، ولكنه يضيف إليه أن الدولة في الواقع غنية وواعدة. النظرية التي يوجد لها بعض الواقع هي أن أفغانستان غنية بمعادن النحاس والليثيوم والأتربة النادرة وهي معادن ضرورية لتحقيق الانتقال إلى الطاقة النظيفة وحماية المناخ. وأكد كل ذلك تقريرًا سنويًا صدر عن المعهد الأمريكي للدراسات الجيولوجية الذي قال إن أفغانستان دولة واعدة، وأضاف إلى كل ما سبق من وعود وعد البوكسيت والحديد. ولكن المعضلة في البلدان الواعدة بالكثير من الثروة المعدنية أنها تحتاج إلى بنية أساسية واسعة ومكلفة في بيئة جبلية صلبة. والأهم مناخ استثماري يتناقض تماما مع التقاليد الصعبة لطالبان وأفغانستان في عمومها. وحتى إذا ما قدر وجود ذلك فإن طالبان سوف يكون عليها أن تعبر الاختيار الأصولي والإرهابي إلى اختيار آخر يقوم على التسامح والقبول بحقوق أساسية للإنسان سواء كان رجلا أو امرأة.

أفغانستان هكذا كدولة لا تشكل تهديدا لمصر، وتاريخيا فإن العلاقات معها كانت تجمعها أواصر الدول الإسلامية؛ ولكنها في المقابل كواقع فإنها ذاخرة بمظاهر التهديد النابع من فواعل دولية غير الدول وعابرة للدول وللقارات أيضا وممثلة في تنظيمات إرهابية، مثل، القاعدة وداعش تضع مصر على رأس اهتماماتها، كما أنها ذات علاقات وثيقة مع التنظيمات الإرهابية في مصر. وما يجعل هذا التهديد أكثر حدة أن الولايات المتحدة قد رفعت يدها عن أفغانستان والعراق، في المستقبل القريب، تكون قد أخذت أوضاعا للتموضع تبعد بها عن "الشرق الأوسط" في عمومه، وتجعلها تتمركز إما داخل الحاضنة الأنجلو سكسونية، أو الرابطة الغربية في عمومها في حلف الأطلنطي، أو داخل تجمع الأغنياء الذي يضم الدول السبع الأغنى في العالم، ويشمل دولا صناعية ومتقدمة في آسيا وأوروبا وشمال أمريكا. والحقيقة أن هناك الكثير من المؤشرات التي تقول إن الانسحاب الأمريكي ربما يبدأ فصلا جديدًا من تراجعات القوى العظمى في العالم.

فبالإضافة إلى مشهد التراجع الأمريكي عالميا، فإنها داخليا باتت تعاني من أزمة سياسية عميقة تقوم على الانقسام الشديد، ليس فقط بين الجمهوريين والديمقراطيين، حيث إن ذلك هو المعتاد، وإنما أيضا بين الولايات، والسياسات العامة من أول التعامل مع جائحة كورونا وحتى تحقيق الانتعاش في الاقتصاد الأمريكي. أصبح الخلاف السياسي راجعا من الفروع إلى الأصول، ولم يعد حول النفوذ الحزبي أو السياسي بصفة عامة، وإنما حول أصالة الفكرة الديمقراطية ذاتها. وإذا كانت مواجهة ترامب للبلاء مرتبكة ومضطربة ووضعت الولايات المتحدة كلها في مقدمة دول العالم من حيث الإصابات والوفيات؛ فإنها في عهد القيادة الحكيمة والمنضبطة للرئيس بايدن لم تكن ناجحة، وبعد أن وعد الرئيس بتلقيح ٧٠٪ من الشعب الأمريكي مع مطلع شهر يوليو المنصرم، فإن ما تحقق هو ٥١.٥٪ في ٢٢ أغسطس الجاري. لم يعد النظام الديمقراطي الأمريكي وحده موضع التساؤل، وإنما معه كفاءة النظام الفيدرالي، والنظام الصحي، والترجمة العملية للطاقة العلمية والتكنولوجية في شكل سياسات نجحت سابقا في الوصول إلى القمر، وإذا بها الآن عاجزة عن التعامل مع كارثة ممتدة.
 
في مواجهة الأزمة
 
حديث الرئيس السيسي المشار إليه يجعل الطريق الذي تسير فيه مصر اتجاها سليما للعمل الوطني من حيث بناء الدولة الوطنية وعناصر قوتها المختلفة. دعم ذلك والإسراع به سوف يعطي مصر قدرات أكبر للتعامل مع التهديدات الخارجية سواء كانت متعلقة بالسد الإثيوبي أو القلق الليبي أو الإرهاب في عمومه بما فيه ذلك الذي يحتمل أن يأتي من أفغانستان. الجديد الذي تحتمه الأزمة القادمة من بلد سوف تتمكن منه الفوضى والإرهاب خلال السنوات المقبلة مثل أفغانستان، وفي ظل انسحاب أمريكي وغربي في العموم من الإقليم، فإن توجه مصر نحو بناء ودعم تحالفات إقليمية يصبح ضرورة. بحث ذلك يحتاج إلى حديث آخر.

تقييم الموقع