IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

الاقتصاد غير الرسمي: بين الدمج أو التكامل

 الأربعاء. 29 سبتمبر., 2021

الاقتصاد غير الرسمي: بين الدمج أو التكامل

 أ.د. فخري الدين الفقي

تهدف استراتيجية التنمية المستدامة 2030 إلى ضرورة بذل مزيد من الجهود نحو دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي والعمل على خفض المعاملات غير الرسمية، وذلك من خلال إعداد قاعدة بيانات شاملة وتوفير حزمة من الحوافز والتشريعات وخلق وكالات تمثل هؤلاء الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الذين يعملون بعيدًا عن رصد الدولة لنشاطهم الاقتصادي، فضلًا عن إزالة جميع المعوقات التي تقف أمام جهود الدولة لاحتواء هذه الظاهرة الخطيرة. ويقصد بالاقتصاد غير الرسمي أنه مجموعة من كيانات الأعمال المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر غير النظامية التي تزاول أنشطة ذات قيمة اقتصادية في جميع القطاعات الاقتصادية المنتجة للعديد من السلع والخدمات التي يتم تداولها نقدًا بعيدًا عن نطاق سيطرة الجهات الرسمية بالدولة، فهذا المفهوم يقتصر على الأنشطة والمعاملات الاقتصادية المشروعة دون تلك الأنشطة غير المشروعة كزراعة المخدرات وتجارتها، وتهريب الآثار، وتجارة السلاح والبشر، وغيرها من الأنشطة غير المشروعة.

تهدف استراتيجية التنمية المستدامة 2030 إلى ضرورة بذل مزيد من الجهود نحو دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي والعمل على خفض المعاملات غير الرسمية، وذلك من خلال إعداد قاعدة بيانات شاملة وتوفير حزمة من الحوافز والتشريعات وخلق وكالات تمثل هؤلاء الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الذين يعملون بعيدًا عن رصد الدولة لنشاطهم الاقتصادي، فضلًا عن إزالة جميع المعوقات التي تقف أمام جهود الدولة لاحتواء هذه الظاهرة الخطيرة.

ويقصد بالاقتصاد غير الرسمي أنه مجموعة من كيانات الأعمال المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر غير النظامية التي تزاول أنشطة ذات قيمة اقتصادية في جميع القطاعات الاقتصادية المنتجة للعديد من السلع والخدمات التي يتم تداولها نقدًا بعيدًا عن نطاق سيطرة الجهات الرسمية بالدولة، فهذا المفهوم يقتصر على الأنشطة والمعاملات الاقتصادية المشروعة دون تلك الأنشطة غير المشروعة كزراعة المخدرات وتجارتها، وتهريب الآثار، وتجارة السلاح والبشر، وغيرها من الأنشطة غير المشروعة.

أولًا: طرق وأساليب تقدير الاقتصاد غير الرسمي

من الصعوبة التوصل إلى تقدير دقيق لحجم هذا الاقتصاد؛ لأنه ببساطة شديدة يعمل بعيدًا عن أجهزة الرصد الحكومية، إلا أن ذلك لا يمنعها من اتّباع بعض الطرق للوصول إلى تقديرات عن حجم هذا الاقتصاد الموازي. وفي هذا الشأن، توجد طريقتان رئيستان؛ الأولى: تتمثل في طريقة التقدير المباشر التي ترتكز على تقدير حجم الأنشطة التي يعمل في نطاقها هذا الاقتصاد من خلال تقدير حجم التشغيل وحساب مجموع الدخول التقريبية لعينات عشوائية تعمل في قطاعات غير رسمية، ثم يتم تجميع بيانات من خلال إجراء استقصاءات عن عدد العاملين في تلك العينات ومتوسط دخلهم وإنفاقهم السنوي والأنشطة التي يعملون بها، ثم يتم تعميم وتجميع تلك النتائج على مستوى الاقتصاد الكلي للوصول إلى تقدير لقيمة ناتج المنظومة غير الرسمية، إلا أن هذه الطريقة مكلفة بسبب إجراء تلك الاستقصاءات وما تتطلبه من أعباء مالية كبيرة، وهذه الطريقة متبعة في عدة دول منها الولايات المتحدة الأمريكية، والطريقة الثانية: تعتمد على الإحصاءات السكانية وقوة العمل التي بمقتضاها تقوم مجموعة من الباحثين المتخصصين أولًا بحساب عدد العاملين في الاقتصاد غير الرسمي من خلال حساب قوة العمل الإجمالية، ثم يتم طرح قوة العمل في الاقتصاد الرسمي منها، وبعد ذلك يتم ضرب عدد العاملين في الاقتصاد غير الرسمي في إنتاجية العامل الواحد للوصول إلى قيمة تقديرية لقيمة الناتج في هذا الاقتصاد، إلا أن هذه الطريقة تتطلب معرفة دقيقة بتقدير إنتاجية العامل في قطاعات الاقتصاد غير الرسمي، وهو أمر يصعب حسابه بدقة، ويستخدم هذه الطريقة عدد من دول الاتحاد الأوروبي، ودول أخرى من بينها مصر.

ويعمل الاقتصاد غير الرسمي جنبًا إلى جنب مع الاقتصاد الرسمي في كل دول العالم دون استثناء، بمعنى أنه ظاهرة عالمية، ولكنه يوجد بنسب متفاوتة؛ حيث تكون أعلاها في الدول النامية وأقلها في الدول المتقدمة، وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن أكثر من 2 مليار من البالغين، أي نحو 60% من قوة العمل في العالم، يعملون في الاقتصاد غير الرسمي، إن لم يكن كل الوقت فعلى الأقل بعض الوقت، خاصة في ظل جائحة فيروس كورونا، كما أظهرت دراسات مسحية أجراها صندوق النقد الدولي على 158 دولة من الدول الأعضاء خلال فترة 25 عامًا (1991 -2015) أن متوسط حجم الاقتصاد غير الرسمي في هذه الدول يبلغ نحو 32.5% من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصاد الرسمي لها، ففي حين انخفضت هذه النسبة تدريجيًّا من نحو 34.8% عام 1991 إلى 30.7% عام 2015، فإنها تتفاوت من إقليم إلى آخر، وبينما تعد دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD الأقل بمتوسط نسبة يبلغ 20%، فإن دول إفريقيا جنوب الصحراء ودول أمريكا اللاتينية هي الأعلى بمتوسط نسبة تبلغ نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصاد الرسمي لهذه الدول خلال الفترة نفسها. وعلى مستوى الدول العربية، تشير البيانات إلى أن متوسط نسبة الاقتصاد غير الرسمي في كل من مصر والمغرب ولبنان والجزائر هو الأكبر نسبيًّا؛ حيث يبلغ 34.3%، 34.1%، 31.6%، 30.9% على الترتيب، بينما تبلغ تلك النسب أدناها في كل من دول مجلس التعاون الخليجي بمتوسط تبلغ نسبته 27% من الناتج المحلي الإجمالي الرسمي لهذه الدول، ورغم تباين تقديرات المحللين والخبراء عن قيمة الاقتصاد غير الرسمي في مصر، فإن الدراسة التي أعدتها لجنة الضرائب باتحاد الصناعات المصرية في نهاية عام 2018 قد قدرت حجم الاقتصاد غير الرسمي بأعلى نسبة بلغت 60% من حجم الناتج في الاقتصاد الرسمي. وعلى أية حال، يشكل الاقتصاد غير الرسمي جزءًا مهمًّا في الاقتصاد المصري؛ حيث يساهم في الناتج المحلي الإجمالي، حسب تقديرات حكومية بما يعادل نحو 40% (نحو 2.6 تريليون جنيه) من ناتج الاقتصاد الرسمي البالغ 6.4 تريليونات جنيه لعام 2020/2021، كما يستوعب هذا القطاع نحو 50% من قوة العمل البالغة نحو 29.3 مليون فرد، كما يبلغ عدد وحداته الصغيرة والمتوسطة أكثر من أربعة أمثال عددها في الاقتصاد الرسمي. 

وتعد قضية دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي محورًا مهمًّا في معالجة التشوهات الهيكلية التي يستهدف برنامج الإصلاح الهيكلي، الذي أطلقته الحكومة في 26 أبريل عام 2021، معالجتها معالجة جذرية خلال السنوات الثلاث القادمة (2021/2022-2023/2024)؛ سعيًا نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة Sustained Development Goals – SDG، فعلى الرغم من ارتفاع نسبة الاقتصاد غير الرسمي في مصر، فإن تلك النسبة بدأت في التراجع ابتداءً من النصف الثاني من عام 2004. 

ورغم تعدد أسماء الاقتصاد غير الرسمي (الموازي – الظل – الرمادي – الخفي ... إلخ)، فإنه يعد من أهم القضايا المثيرة للنقاش لتداعياتها السلبية على الاقتصاد الرسمي، ونظرًا لعالمية تلك الظاهرة، فقد بادرت الدول المتقدمة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي بالاهتمام بدراسة مختلف جوانب تلك الظاهرة واتخاذ كل السياسات والتشريعات اللازمة لدمجها في اقتصاداتها الرسمية، ولكن الوضع لم يكن كذلك في الدول النامية؛ حيث إنه ما يزال الاهتمام بتلك القضية في مراحله الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي، ويعزى ذلك إلى صعوبة تحديد طبيعة مفهوم هذا الاقتصاد وأسبابه وآثاره وعلاقته التشابكية بالاقتصاد الرسمي، فضلًا عن عدم توافر بيانات كافية ودقيقة عن معاملاته وصعوبة تحديد مجموعة الأنشطة المتعلقة به بشكل واضح. 

ثانيًا: أسباب انتشار ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي

إن أسباب اتساع مساحة منظومة الاقتصاد غير الرسمي في مصر تعود إلى عوامل عديدة لعل من أهمها: (1) التعقيدات الإدارية والبطء في الحصول على المستندات اللازمة لإنهاء إجراءات التسجيل واستخراج التصاريح اللازمة لمزاولة النشاط. (2) ارتفاع تكلفة استخراج المستندات اللازمة لتأسيس كيان قانوني، والعبء المالي الثقيل لمزاولة نشاط الأعمال في المنظومة الرسمية، سواء أكانت هذه التكلفة صريحة أم مستترة. (3) عدم قدرة تلك الكيانات الصغيرة على الوصول إلى التسهيلات الائتمانية اللازمة لتشغيلها ولتلبية احتياجات نمو أنشطتها، وقد يعزى ذلك لعدم رغبة القائمين على تلك الكيانات في التعامل مع البنوك بسبب قلة الوعي المصرفي كتلك المتعلقة باعتقادات وموروثات دينية غير صحيحة، أو بسبب ضعف كفاءة الأسواق المالية في توفير الأصول الضامنة للحصول على الائتمان اللازم لتمويل النشاط، فضلًا عن عدم الدراية الكافية بكيفية التعامل مع التكنولوجيا المالية Financial Technology - Fintech  الحديثة، لذا فإن العاملين في هذه المنظومة غالبًا ما يلجؤون إلى التعاملات النقديةCash Transactions . (4) ضعف الثقافة الضريبية لدى فئات عريضة من المجتمع في إدراكهم للأهمية القصوى للضريبة ودورها في تحقيق التنمية المستدامة في جميع المجالات؛ حيث تترجم هذه الثقافة في خوفهم من التعامل مع منظومة ضريبية تبدو للكثيرين منهم أنها معقدة وتقديراتها جزافية وغامضة في بعض قوانينها. (5) إن السر في تنامي هذه المنظومة غير الرسمية في نشاط الأعمال يعود إلى السهولة في دخول نشاط الأعمال والخروج منه بأقل تكلفة ممكنة وبأسرع وقت ممكن مقارنة بالمنظومة الرسمية. (6) عدم قدرة الاقتصاد غير الرسمي على مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة والمكلفة، ومن ثَم تفضيل العاملين فيها لتطبيق أساليب إنتاجية غير متطورة وغير مكلفة تمكنهم من المنافسة والاستمرار في مزاولة نشاط الأعمال، خاصة في المناطق الفقيرة ذات الكثافة السكانية. (7) ضعف قدرة الاقتصاد الرسمي على خلق مزيد من فرص العمل بسبب انتشار البطالة وزيادة معدلات النمو السكاني.

ثالثًا: تقييم الآثار السلبية لمنظومة الاقتصاد غير الرسمي

إذا كان الاقتصاد غير الرسمي يحقق بعضًا من المزايا، والتي تتمثل في أنه يمكن أن يساعد إلى حد ما في التخفيف من حدة البطالة وإيجاد فرص عمل، ولكنها دون رعاية تـأمينية أو صحية، أيضًا قد يساهم في تأمين بعض الاحتياجات الضرورية في أوقات الأزمات، خاصة في المناطق الفقيرة ذات الكثافة السكانية العالية، إلا أن التداعيات السلبية لهذه المنظومة غير الرسمية على الاقتصاد والمجتمع تعد من الأسباب الجوهرية التي تعوق مسيرة التنمية المستدامة، ومن بين أهم تلك الآثار الضارة ما يلي: 

إحداث خلل هيكلي في موازنة الدولة، حيث تؤدي هذه المنظومة إلى التزايد المستمر في عجز الموازنة، ومن ثم تفاقم عبء الدين العام، وذلك نتيجة زيادة الإنفاق العام بمعدلات تفوق الزيادة في الإيرادات الضريبية، حيث يستفيد العاملون في الاقتصاد غير الرسمي من جميع الخدمات العامة التي تقدمها الدولة للقطاع الرسمي من مياه وكهرباء وصحة وتعليم ...إلخ، في حين لا يساهم هؤلاء العاملون في هذا الاقتصاد في تحمل أي جزء من الإيرادات الضريبية التي تنفقها الدولة على هذه الخدمات وتلك المرافق العامة.

يؤدي انتشار الاقتصاد غير الرسمي إلى حرمان الموازنة العامة للدولة من حصيلة ضريبية لا يستهان بها تقدر بنحو 400 مليار جنيه، والتي يمكن أن تغطي ما يقرب من 85% من إجمالي العجز الكلي (475 مليار جنيه) في موازنة هذا العام (2021/2022)، ومن ثم ينخفض العجز الكلي في الموازنة إلى 175 مليار جنيه لتصبح نسبته 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي (7.1 تريليونات جنيه)، بدلًا من النسبة الحالية البالغة 6.7% بافتراض نجاح الحكومة في دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، وبالطبع هذا بخلاف أرصدة الديون المستحقة للحكومة (ضريبية وغير ضريبية) البالغة نحو 440 مليار جنيه حتى نهاية يونيو 2021.    

الإضرار بسمعة الصناعة الوطنية، ومن ثم ضعف القدرة على التصدير والنفاذ إلى الأسواق الخارجية، فلا يتم تطبيق المواصفات القياسية المتعارف عليها على منتجات هذه المنظومة غير الرسمية، حيث يتم استخدام أردأ الخامات جودة بغية خفض تكلفة تلك المنتجات.

لا يوفر الاقتصاد غير الرسمي المعلومات الكافية أو قاعدة البيانات الدقيقة اللازمة لإعداد الخطط السنوية للدولة، مثل معدلات البطالة والتضخم ونسبة الإعالة ومعدلات النمو في السيولة النقدية …إلخ، ومن الثابت أنه بمقدار ما تكون المعلومات دقيقة بمقدار ما تكون القرارات صائبة وواقعية.

يؤدي انتشار الاقتصاد غير الرسمي إلى زيادة المعاملات النقدية وضعف الشمول المالي ومن ثم معدلات النمو في السيولة النقدية، وهو ما يؤثر على كفاءة استخدام البنك المركزي لسياسته النقدية في السيطرة على معدلات التضخم والنمو وسعر الصرف، كذلك يعد شيوع التعامل النقدي في تلك المنظومة مجالًا خصبًا لتمويل الجماعات المتطرفة والإرهاب.

يؤثر انتشار الاقتصاد غير الرسمي على النسيج الاجتماعي وشيوع منظومة من القيم السلبية المعوقة لتقدم المجتمع، حيث إن أغلب العاملين في هذا الاقتصاد من الفئات الأقل حظًا في تلقي التعليم الكافي، وفي الوقت نفسه، نجدهم يحققون مكاسب مادية عالية مما يجعلهم في مراكز مادية متميزة؛ مما يؤدي أحيانًا إلى ترسيخ بعض المفاهيم الخاطئة بين أفراد المجتمع، وهي من أكثر الأمور سوءًا في التأثير على حركة الأسواق والقدرة على احتكار السلع والخدمات والتلاعب بالأسعار. 

رابعًا: استراتيجية التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي 

اعتقد كثير من الاقتصاديين في بداية الستينيات من القرن الماضي بثنائية الاقتصاد في الدولة الواحدة، أي أن الاقتصاد غير الرسمي يعمل منفردا ولا علاقة له بالاقتصاد الرسمي، بمعنى أن كلا منهما يعمل وفقا لمنظومات وقواعد مختلفة، وأن الاقتصاد غير الرسمي يلعب دورا هامشيا لا يظهر إلا في أوقات الأزمات، سواء كانت (اقتصادية أو سياسية أو أمنية أو اجتماعية أو بيئية). لكن مع تطور الفكر الاقتصادي، أضحت هناك نظرة جديدة لتلك العلاقة تستند إلى وجود روابط تكاملية وعلاقات تشابكية مؤثرة بين الاقتصاد الرسمي من ناحية والاقتصاد غير الرسمي من ناحية أخرى، حيث تقتصر مهمة الأخير على تعويض النقص في الإنتاج الكلي واستيعاب فائض العمالة وتخفيف حدة الفقر وتدني مستويات المعيشة لدى بعض الفئات الاجتماعية في قطاعات بعينها، وفي ضوء تلك العلاقة التكاملية بين جانبي الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، أصبح من الضروري تنظيمها ودمجها بشكل كلي أو جزئي، خاصة بعد تعاظم دور الحكومات في النشاط الاقتصادي واضطلاعها بتحقيق هذا التناغم بين كل من الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي.         

لقد أصبحت دول العالم أمام خيارين في قضية التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي، الخيار الأول يتمثل في عملية دمجه مع الاقتصاد الرسمي بشكل جزئي أو كلي، والخيار الثاني يرتكز على تحقيق تكامله وتناغم سياساته الاقتصادية الحاكمة لحركته مع الاقتصاد الرسمي. وقد صارت هذه القضية من أهم التحديات الحديثة التي حاولت دول العالم، خاصة النامية منها، التعرض لها من حيث جمع بيانات دقيقة عنها وقياسها بشكل دقيق وتحليل أسبابها وآثارها. فإن كانت هذه الظاهرة طبيعية وفي إطار محدود يكون من الأنسب تحقيق التكامل بينهما كما هو الحال في الدول المتقدمة، أما إذا كانت تلك الظاهرة منتشرة بشكل واسع وتعكس تشوهات هيكلية، فإنه يكون من الأنسب الدمج التدريجي بشكل كلي أو جزئي، كما هو الحال في الدول النامية ومن بينها مصر، من خلال تنفيذ برنامج إصلاح هيكلي طويل الأجل على عدة مراحل، مع تحديد دقيق لتلك المنظومات المشوهة والقطاعات المرتبطة بها، ثم اقتراح الإصلاحات التشريعية والسياسات والإجراءات الملائمة لعلاجها، ويتم ذلك كله في إطار الاستمرار في نهج اقتصادي يستهدف الاستمرار في تحقيق استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي متمثلة في زيادة معدلات النمو والتشغيل والاستقرار المالي والنقدي. 

ورغم الجهود التي بذلتها وما زالت تبذلها الحكومة المصرية في محاولاتها الجادة نحو تحقيق دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، فإن هذا الكيان الاقتصادي غير الرسمي الكبير يتكون أغلبه من وحدات القطاع الخاص من المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، والتي يتسم أغلبها بعدم خضوعها للإشراف الرسمي للدولة، سواء من حيث تنظيمها أو جودة منتجاتها، كما أنه يتضمن أشكالا عديدة أخرى، تتمثل -على سبيل المثال- في الباعة الجائلين وبعض المتاجر في الأسواق العشوائية وعربات تقديم المأكولات والمطاعم المتنقلة، وكذلك بعض المصانع غير المرخصة في المناطق السكنية، فضلا عن الأصول العقارية التي يتم تداولها بعقود عرفية غير مسجلة، والتي تشكل نحو 90% من إجمالي تلك الأصول.

وفي هذا الإطار، ليس غريبا أن تصبح عملية دمج الاقتصاد غير الرسمي في قطاع الاقتصاد الرسمي من أهم محاور برنامج الإصلاح الهيكلي في مصر، والذي أطلقته الحكومة المصرية في 26 من شهر أبريل 2021، ليبدأ العمل به مع بداية السنة المالية 2021/2022 ولمدة ثلاث سنوات قادمة، والذي يستهدف إصلاح التشوهات الهيكلية وزيادة معدلات النمو ذي التوجه التصديري Export Oriented Growth، وتعزيز قدرة القطاع الخاص على خلق مزيد من فرص العمل وخفض معدلات التضخم وعجز الموازنة العامة للدولة واحتواء الدين العام ودعم احتياطيات النقد الأجنبي وتحقيق الاستقرار في ميزان المدفوعات وسعر الصرف. 

إن وضع استراتيجية لدمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية للاقتصاد المصري يعد خطوة مهمة، لكنها تواجه صعوبات هيكلية عديدة لا بد من التصدي لها والعمل على مواجهتها بجرأة، وفيما يلي أهم محاور تلك الاستراتيجية: 

تكوين قاعدة بيانات شاملة ومدققة لكافة الأنشطة الإنتاجية غير الرسمية، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار الاعتبارات العمرانية والتخطيطية لتجمعات مكانية مخصصة لمختلف المهن، بالتوازي مع منح حوافز للمستهلك النهائي لتشجيعه على مطالبة البائعين بالحصول على فواتير ضريبية عند شرائهم السلع والخدمات والتعاون مع الدولة في حصر هذه الأنشطة والتبليغ عنها ليتم التعامل معها بالشكل الملائم، وتجهيز بنية خاصة لمعرفة حجم ودور وتشابكات هذا القطاع غير الرسمي مع اقتصاد الدولة الرسمي. 

اضطلاع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمهمة تصميم برنامج لتحسين إحصاءات وقاعدة بيانات متكاملة عن الاقتصاد غير الرسمي في مصر، وانتهاز فرصة المبادرات الرئاسية المختلفة لجمع وتدقيق مزيد البيانات والمعلومات، ومنها على سبيل المثال مبادرة البنك المركزي الخاصة بقيام وحدات الجهاز المصرفي بتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وكذا دعم منظومة التمويل العقاري للفئات منخفضة ومتوسطة الدخل.  

تحديد مَن المَعنيّ بقضية التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي، وتحديد مَن المسؤول عن إدارته ووضع التشريعات السياسات والإجراءات اللازمة لأداء مهمته بكفاءة. وفي هذا الشأن، هناك وجهتا نظر تتعلقان بما إذا كان ينبغي للحكومات أن تتدخل أم لا؛ الأولى ترى أن الاقتصاد غير الرسمي وجد ليبقى، وأن كل ما هو مطلوب هو وضع أنظمة وقوانين وسياسات مناسبة فقط لإدارته، فلا حاجة بالدولة لاتخاذ التدابير اللازمة لدمج الاقتصاد غير الرسمي، استناد إلى أن الأسواق رشيدة وتعمل بكفاءة، وأن التدخلات الحكومية تؤدي إلى حدوث تشوهات وعدم الكفاءة، وأن حجم الاقتصاد غير الرسمي سيتقلص تدريجيا مع النمو الاقتصادي المستدام، فضلا عن أن اللاعبين الفاعلين يتجنبون في الأساس التدخلات الحكومية. إن أصحاب هذا الرأي قد تكون وجهة نظرهم هذه مناسبة للتطبيق في الدول المتقدمة لعدم وجود تشوهات وتعقيدات هيكلية كما هو الحال في الدول النامية ومن بينها مصر، لذا فإننا نرجح وجهة النظر الثانية التي ترى أن تدخل الدولة يعد أمرا مهما لضمان دمجه في الاقتصاد الرسمي أو على الأقل وضع الأنظمة والقوانين والسياسات المناسبة في البداية ثم القيام بعملية دمجه فيما بعد؛ لأن عملية دمج الاقتصاد غير الرسمي في مصر تعد عملية معقدة، وتتطلب بدورها طرح حلول تأخذ في الحسبان كافة الاعتبارات السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية في آن واحد.   

إن استكمال مسيرة الدولة في سعيها نحو دمج الاقتصاد غير الرسمي، خاصة المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، يتطلب وجود حزمة كبيرة من الحوافز لتشجيع العاملين بالاقتصاد غير الرسمي للدخول في المنظومة الرسمية للدولة، ومن أبرز تلك الحوافز تقديم تسهيلات ضريبية كمنح إعفاء ضريبي لعدد من السنوات، وكذا التغطية التأمينية الاجتماعية المبسطة للعاملين. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن قانون المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم (152) لسنة 2020 ولائحته التنفيذية يعد خطوة مهمة نحو ضبط المجتمع الضريبي ودمج الاقتصاد غير الرسمي في منظومة الاقتصاد الرسمي، فقد تضمن هذ القانون ولائحته التنفيذية كل التفاصيل المتعلقة بالتراخيص والاشتراطات المطلوبة وقواعد الوصول إلى التمويل الميسر، فضلا عن تحديد الحوافز الضريبية وغير الضريبية، فقد تقرر التجاوز عن الضريبة المستحقة عن السنوات السابقة على سن هذا القانون، بشرط تقديم أصحاب هذه المشروعات طلب الحصول على ترخيص مؤقت والتسجيل لدى مصلحة الضرائب، كما يقتصر التزام الممول على تقديم إقراره الضريبي وسداد الضريبة القطعية ولا يتم فحص الإقرار إلا بعد مرور خمس سنوات. 

بذل مزيد من الجهود نحو رقمنة الاقتصادEconomic Digitalization ، أي التحول بالاقتصاد من اقتصاد يعتمد على المستندات والأرشفة الورقية إلى اقتصاد يعتمد على قواعد البيانات وتخزينها وتداولها على المنصات الإلكترونية، والاستمرار في بذل الجهود نحو زيادة مساحة الشمول المالي وزيادة وعي المواطنين بمزايا وفوائد التعامل مع المؤسسات المالية المصرفية وغير المصرفية، كما تجدر الاشارة إلى أهمية تفعيل منظومة التمويل العقاري من خلال تبسيط وتسريع وتخفيض تكلفة تسجيل الأصول العقارية لجعلها أكثر تداولا Marketable بالسوق العقارية حتى يمكن للبنوك اتخاذها كضمانات لتقديم التمويل بضمانة تلك الأصول العقارية. 

من أهم الإجراءات التي اتخذتها الدولة في محاولتها لدمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، زيادة نسبة الشمول المالي، والتي تستهدف تشجيع المصريين للتعامل والاستفادة بالخدمات التي تقدمها المؤسسات المالية المصرفية وغير المصرفية، إلا أن الطريق ما زال طويلا أمام هذه الجهود اللازمة لدمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي بسبب المعوقات التي تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر المتمثلة في الحصول على الأراضي وإدخال المرافق وطلب العديد من المستندات التي يصعب الحصول عليها لإنهاء إجراءات الحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة النشاط. 

كذلك من الضروري وجود كيانات مؤسسية ينضم إليها مقدمو الخدمة أو السلعة من الأفراد المتعاملين بالأنشطة غير الرسمية لتعمل كحاضنة رسمية لهذه الكيانات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر يكون منوطًا بها العمل على تفعيل الحوافز والامتيازات التي تقدمها الدولة لتلك الكيانات.

تطبيق مبادئ الحوكمة والشفافية والمحاسبة والمساءلة لتعظيم الإيجابيات وتقليل السلبيات التي يولدها هذا الاقتصاد غير الرسمي مع قيام الدولة بتعزيز دور الأجهزة الرقابية.  

إقامة حملات توعية مكثفة لنشر الوعي بين المتعاملين وصغار المستثمرين في هذا القطاع بإيجابيات ومزايا التحول إلى الاقتصاد الرسمي من حيث السهولة في إجراء التراخيص، وكذا التسهيلات البنكية وترسيخ ثقافة استخدام المعاملات المالية إلكترونيًا والقضاء على ثقافة المعاملات النقدية، والتي تمثل العائق الأول أمام كشف حجم الاقتصاد غير الرسمي وضمه للمظلة الرسمية للدولة.

تقييم الموقع