IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

من الهادئ إلى المتوسط .. مصر وتحولات الاستراتيجية البحرية

 الثلاثاء. 26 أكتوبر., 2021

من الهادئ إلى المتوسط ..  مصر وتحولات الاستراتيجية البحرية

 أ.د. محمد كمال

يشهد العالم هذه الأيام تحولات استراتيجية كبرى على مستوى الفكر ومستوى الممارسة، أحد أبرز هذه التحولات يتمثَّل في عودة الاهتمام بالجغرافيا السياسية أو ما يسمى بالجيوبوليتكس، والواقع أن المنظور الجغرافي ليس جديدًا على الفكر الاستراتيجي، فهناك النظرية الشهيرة المرتبطة بالجغرافي الإنجليزي "ماكيندر" (مؤسس الجغرافيا السياسية) والذي يربط بين قوة الدولة وسيطرتها على مناطق جغرافية معينة، ومقولته الشهيرة إن من يسيطر على كتلة اليابسة الأورآسيوية يستطيع السيطرة على العالم، ونظرية "الفريد ماهان" التي تربط بين قوة الدولة والسيطرة على البحار، وغيرها. وقد شهدت النظريات الجغرافية للعلاقات الدولية تراجعًا بعض الشيء نتيجة التقدم التكنولوجي، وظهور حاملات الطائرات والصواريخ طويلة المدى، والتي حيَّدت عنصر المسافة الجغرافية، ولكن نشهد في السنوات الأخيرة عودة الاعتبار للمنظور الجغرافي، والذي تمثَّل في صدور عدد من الكتب المهمة في الموضوع، منها كتاب "تيم مارشال" بعنوان قوة الجغرافيا، والذي ألَّف كتابًا آخر عام 2016 بعنوان سجناء الجغرافيا.

يشهد العالم هذه الأيام تحولات استراتيجية كبرى على مستوى الفكر ومستوى الممارسة، أحد أبرز هذه التحولات يتمثَّل في عودة الاهتمام بالجغرافيا السياسية أو ما يسمى بالجيوبوليتكس، والواقع أن المنظور الجغرافي ليس جديدًا على الفكر الاستراتيجي، فهناك النظرية الشهيرة المرتبطة بالجغرافي الإنجليزي "ماكيندر" (مؤسس الجغرافيا السياسية) والذي يربط بين قوة الدولة وسيطرتها على مناطق جغرافية معينة، ومقولته الشهيرة إن من يسيطر على كتلة اليابسة الأورآسيوية يستطيع السيطرة على العالم، ونظرية "الفريد ماهان" التي تربط بين قوة الدولة والسيطرة على البحار، وغيرها.
 
وقد شهدت النظريات الجغرافية للعلاقات الدولية تراجعًا بعض الشيء نتيجة التقدم التكنولوجي، وظهور حاملات الطائرات والصواريخ طويلة المدى، والتي حيَّدت عنصر المسافة الجغرافية، ولكن نشهد في السنوات الأخيرة عودة الاعتبار للمنظور الجغرافي، والذي تمثَّل في صدور عدد من الكتب المهمة في الموضوع، منها كتاب "تيم مارشال" بعنوان قوة الجغرافيا، والذي ألَّف كتابًا آخر عام 2016 بعنوان سجناء الجغرافيا.
 
وتتلخص الأفكار التي يطرحها في الكتابين في أن نقطة البداية بالنسبة لأي دولة هي موقعها بالنسبة للجيران، وطرقها البحرية، ومواردها الطبيعية المرتبطة بجغرافيتها، وأن الخيارات التي تتبناها الدول، الآن وفى المستقبل،
لا تنفصل أبدًا عن هذا السياق، ويشير إلى أن الجغرافيا لا تُملي مسار كل الأحداث، فالأفكار العظيمة والقادة العظماء هم جزء من عملية دفع وجذب التاريخ، لكن يجب أن يعملوا جميعًا ضمن حدود الجغرافيا.على سبيل المثال يعتبر المؤلف أن موقع الولايات المتحدة الأمريكية ساهم في أن تصبح قوة عظمى، حيث قدَّم المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ ميزة إضافية وأثنى الغرباء عن مهاجمتها، وخلال الحربين العالميتين لم يتم إطلاق رصاصة واحدة على البر الرئيس للولايات المتحدة، وأثناء الحرب العالمية الثانية استنفدت الدول الأوروبية الكبرى ثرواتها، في حين حافظت الولايات المتحدة على ثرواتها وقامت بتطويرها. وبالتالي، ففي سياق جغرافي مختلف، لن تكون الولايات المتحدة هي الولايات المتحدة.
 
باختصار هناك عودة للجغرافيا السياسية، وخاصة تلك المرتبطة بالجغرافيا البحرية، إلى صدارة الفكر الاستراتيجي.
أما على مستوى الممارسة، فإن المتابع لتطور الأحداث الدولية في السنوات الأخيرة، سوف يدرك بسهولة أن العديد من الدول بدأت تتحرك بقوة في البحار والمحيطات، وبدأت تتبنى استراتيجيات بحرية تحقق مصالحها في هذا المجال الحيوي، فعلى المستوى الدولي نجد استراتيجية الحزام والطريق الصينية التي تربط مصالحها بمصالح مجموعة كبيرة من الدول عبر البحار والمحيطات والممرات المائية، وشهدنا اهتمام الصين الكبير ببحر الصين الجنوبي، والذي أصبح أحد القضايا الشائكة في العلاقات الدولية.
كما شـــهـدنا أيـضًــــا قـيـــــام الـيــابـان بـتـطـــويــــر استراتيجيتها البحرية تحت عنوان: «محيط هادئ وهندي.. حر ومفتوح»، والتي تستهدف الحفاظ على أمن وحرية الملاحة في المحيطين، استنادًا إلى قواعـــد القانــــون الدولـــــي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين الدول في هذه المنطقة، والتي تضم دولًا آسيوية وإفريقية وتمتد للشرق الأوسط. وقد أعلنت اليابان عن استثمارها في العديد من المشروعات الضخمة في إطار هذه الاستراتيجية، وخاصة مشروعات البنية التحتية من طرق وموانئ وغيرهما، ومن المتوقَّع أن يتم الربط في السنوات القادمة بين هذه الاستراتيجية وبرنامج المساعدات اليابانية في الخارج.
 
كما شهدنا في سبتمبر 2021، انطلاق تحالف في منطقة المحيطين الهادئ والهندي بين الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة، والذي يحمل اسمAUKUS ، تضمّن بيع غواصات نووية أمريكية لأستراليا، بالإضافة إلى تعاون استراتيجي بين الدول الثلاث، وقد سبق الإعلان عن هذا التحالف تطور استراتيجي آخر في المنطقة نفسها، هو مبادرة التعاون بين أربع دول، هي: الولايات المتحدة، واليابان، والهند، وأستراليا، المعروف باسم كواد QUAD، والتي تتضمن مناورات عسكرية سنوية بين الدول الأربع. 
 
أما على المستوى الإقليمي، فإننا نشهد تبلور منطقة جديدة للتعاون تمتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، أو شرق المتوسط على وجه التحديد، وقد بدأت الإرهاصات الأولى لهذا التحول من مصر، ودعوتها لإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، والذي جاء على خلفية اجتماع القمة الذي عقد في أكتوبر 2018، وجمع بين الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، والرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني، ويضم المنتدى حاليًا سبع دول، هي: مصر، واليونان، وإسرائيل، والأردن، وفلسطين، وقبرص، وإيطاليا. وقد وقَّعت هذه الدول على ميثاق المنتدى في سبتمبر 2020، وعلى تأسيس المنتدى كمنظمة إقليمية. ولكن الجديد في الأمر، والذي مثَّل نقطة تحول هو انضمام دولة الإمارات العربية كعضو مراقب في المنتدى، وهو ما مثَّل رابطة بين شرق المتوسط ومنطقة الخليج العربي.
 
الخطوة الثانية الكبرى في هذا الاتجاه، تمثَّلت في إنشاء "منتدى الصداقة"، والذي يضم أربع دول متوسطية، وهي: مصر، وقبرص، واليونان، وفرنسا، وثلاث دول خليجية، هي: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين. وانعقد الاجتماع الأول لهذا المنتدى في العاصمة اليونانية أثينا (في 11 فبراير 2021)، على مستوى وزراء الخارجية، وأصدرت الدول التي شاركت في منتدى (فيليا) وهي الكلمة اليونانية المرادفة لكلمة (صداقة)، بيانًا مشتركًا، شدّد على التزام الدول السبع بالقانون الدولي وبميثاق الأمم المتحدة، وبالمبادئ الأساسية المنصوص عليها فيه، مثل: احترام سيادة الدول وحقوقها السيادية واستقلالها وسلامة أراضيها، والحل السلمي للخلافات، ورفض التهديد أو استخدام القوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وحرية الملاحة، والالتزام باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. الجديد أيضًا أن الدول السبع أعلنت مساحة كبيرة للتعاون فيما بينها، تضمن التعامل مع آثار وباء كورونا، بالإضافة إلى تبنِّي مبادرات مشتركة في مجالات مثل: الطاقة والابتكار والاقتصاد الرقمي والحماية المدنية والاتصالات والعلوم والزراعة والأمن الغذائي والتعليم الأكاديمي والتدريب والحوار بين الأديان والثقافة والرياضة.
 
والواقع أن انعقاد "منتدى الصداقة" سبقه أيضًا تفاعلات أخرى بين دول شرق المتوسط ودول من منطقة الخليج، ففي أغسطس 2020، تم تنظيم مناورات عسكرية مشتركة ضمّت القوات البحرية المصرية والقوات الجوية الإماراتية والقوات البحرية والجوية اليونانية، وفى 30 نوفمبر 2020، انطلقت مناورات "مدوسا 10" في شرق المتوسط، وشاركت فيها الإمارات أيضًا، مع مصر وفرنسا واليونان وقبرص. وفى تطور آخر، شاركت القوات الجوية للمملكة العربية السعودية في مناورات (عين الصقر) مع القوات الجوية اليونانية في 13 مارس 2020، واستهدفت المناورات التي جرت بالقرب من اليونان، تبادل الخبرات العسكرية في مجال تنفيذ وتخطيط العمليات الجوية بين البلدين. وقد سبق كل ذلك، تكثيف التعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص، ومنذ عام 2014، عُقدت ثمانية اجتماعات قمة بين الدول الثلاث، وفى عام 2015، بدأت مصر واليونان في إجراء تدريبات مدوسا العسكرية، وتوقيع اتفاقية الحدود البحرية بين البلدين في أغسطس 2020. 
السؤال الرئيس هنا، كيف يمكن لمصر أن تستفيد بشكل أكبر من هذه التحولات الاستراتيجية، وأن تبني على الخطوات التي بدأتها بالفعل، وخاصة في منطقة شرق المتوسط. 
 
النقطة الأولى هنا هي ضرورة الاهتمام بكل المبادرات الاستراتيجية البحرية في العالم، والكثير منها يؤثر علينا، ويمكن أن نستفيد منه حتى لو بعدت المسافات الجغرافية، على سبيل المثال فإن الاستراتيجية التي طرحتها اليابان باسم «محيط هادئ وهندي.. حر ومفتوح» تشمل منطقة تضم نصف سكان الكون، وثلاثة من أكبر الاقتصادات في العالم، وسبعة من أكثر ثماني دول من حيث سرعة النمو الاقتصادي، ومن المتوقَّع أن يخرج منها نصف الناتج الاقتصادي العالمي خلال سنوات قليلة. وجانب كبير من تجارة هذه المنطقة يمر عبر قناة السويس، أي أن قناة السويس هي امتداد طبيعي للمحيطين الهادئ والهندي، وتتأثر بما يحدث فيهما. كما أن اليابان أعلنت عن استثمارها في العديد من المشروعات الضخمة في إطار هذه الاستراتيجية، وخاصة مشروعات البنية التحتية، وهو أمر قد يمثِّل فرصة لمصر للاستفادة من المشروعات التنموية المرتبطة بالاستراتيجية. 
 
كما أن منطقتي البجر المتوسط والبحر الأحمر تشهدان تحديات مماثلة لتلك التي يشهدها المحيطان الهادئ والهندي، مثل القرصنة، والإرهاب، والتنافس العسكري، وقد تستفيد مصر من تجربة إقامة نظام للحوار والتعاون بين دول المحيطين الهادئ والهندي في تطوير آلية للحوار والتعاون في البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط. ويضاف لذلك أن مصر مهتمة أيضًا بقضايا الأمن البحري، استنادًا لقواعد قانون البحار، والقانون الدولي، ورفض تغيير الأمر الواقع باستخدام القوة، وقد يكون من المناسب التعاون مع الاستراتيجية اليابانية لترسيخ المبادئ الدولية المتعلقة بأمن واستقرار البحار، وكذلك دعم التعاون في مجال تعزيز القدرات البحرية للحفاظ على الأمن.
 
الأمر نفسه ينطبق أيضًا على المبادرة الثلاثية بين الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، فبالرغم من البعد الجغرافي بين مصر والمحيطين الهادئ والهندي، فإن مصر ترتبط بشكل أساسي بمنطقة المحيطين، أحد هذه الروابط يتمثَّل في قناة السويس التي تمر عبرها التجارة القادمة من المحيطين إلى أوروبا والساحل الشرقي للولايات المتحدة، وقد كشف حادث الإغلاق القصير لقناة السويس عن هذا الرابط القوى بين المحيطين الهادئ/ الهندي والمحيط الأطلنطي. كما أن القناة لا تزال هي المعبر الأسرع لعبور القوات والناقلات العسكرية المتجهة من الأطلنطي والمتوسط إلى الهادئ والهندي. ومن ثمَّ فإن الخطوات التي تتبناها مصر لتوسيع وتعميق القناة سوف تساهم في احتفاظ القناة بمكانتها الاستراتيجية في إطار هذه المتغيرات. 
 
كما يمكن تطوير التحول الاستراتيجي المرتبط بالمنطقة الممتدة من الخليج للمتوسط من خلال زيادة عدد الدول المنضمة لآليات التعاون الجديدة، سواء من دول الخليج أو المتوسط، كما يمكن أن يمتد أيضًا ليشمل دولًا عربية في إفريقيا، مثل السودان، وبحيث تمثِّل مع مصر رأس جسر للتعاون بين أوروبا وإفريقيا. ومن المهم زيادة التعاون والتنسيق بين البلدين على المستوى الثنائي والإقليمي، وهناك عدد من الأفكار المطروحة للربط بين موانئ البلدين في المتوسط كمحور رئيس للنقل وإعادة الشحن عبر الخليج والمتوسط وأوروبا وإفريقيا. ويمكن الاستفادة من المشروعات الخاصة بالربط بين الموانئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط واستخدامها ممرًا من شرق إفريقيا إلى شرق المتوسط وعبر الموانئ اليونانية إلى أوروبا. وفي إطار هذه المنطقة يمكن أن تتحول مصر أيضًا إلى نقطة إنتاج لسلاسل القيمة المضافة، وصناعة السيارات وغيرهما.
 
ويبقى من المهم قيام مصر بتطوير استراتيجية بحرية متكاملة، تحدد فيها أهدافها ومصالحها في النطاق البحري الذي ترتبط به، والأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية التي يمكن استخدامها في تحقيق هذه الأهداف. وتبرز الحاجة لبلورة هذه الاستراتيجية المتكاملة في ضوء العديد من الأسباب، منها أن جانبًا كبيرًا من الثروة المصرية أصبح يرتبط بالبحار، مثل عائدات قناة السويس، بالإضافة إلى اكتشافات الغاز الجديدة في شرق البحر المتوسط. السبب الثاني يرتبط بزيادة درجة التكالب والتنافس في منطقتي البحر المتوسط والأحمر، وسعي العديد من الدول الكبرى والإقليمية لتعزيز وجودها ونفوذها في البحرين، بالإضافة للمخاطر الأخرى المرتبطة بالإرهاب، والهجرة غير الشرعية، وانهيار وفشل بعض الدول المشاطئة للبحرين، وما لذلك كله من تأثير على مصر. السبب الثالث هو أن الاستراتيجية البحرية بأدواتها المختلفة يمكن أن تعزز المكانة الإقليمية لمصر، وتتيح لها لعب دور أكبر في منطقة البحرين والشرق الأوسط بشكل عام، سواء من خلال التحرك بشكل منفرد أو من خلال التعاون مع الدول التي تشترك معنا في الرؤية والمصالح. وبالتالي فإن الهدف من هذه الاستراتيجية هو تعظيم الفرص المرتبطة بتنمية الثروة الاقتصادية والمكانة الإقليمية، وفى الوقت نفسه الحد من المخاطر التي تؤثر بالسلب على المصالح المصرية.

تقييم الموقع