IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

تصاعد الأبعاد الأيديولوجية للعلاقات بين القوى الكبرى

 الخميس. 06 يناير., 2022

تصاعد الأبعاد الأيديولوجية للعلاقات بين القوى الكبرى

• تجلّت خلال الفترة السابقة لانعقاد قمة الديمقراطية عدة مؤشرات لتنامي الأبعاد الأيديولوجية في التفاعلات بين كل من واشنطن وحلفائها الأوروبيين من ناحية، وكل من روسيا والصين من ناحية أخرى. • عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عكفت الصين على بناء تجربتها التنموية وأصبحت الموطن الأهم للاستثمارات العالمية وعلى رأسها الاستثمارات الأمريكية. ولقبت آنذاك بمصنع العالم. وانضمت لمنظمة التجارة العالمية، مما عزز نفوذها الدولي. • الولايات المتحدة الأمريكية لم تخف يومًا امتعاضها من الصعود الصيني والمناكفة الروسية. وباتت تضعهما على رأس تهديدات أمنها القومي، مع اقناع حلفائها بمخاطر هذا الصعود، وضرورة التصدي له. • التصعيد الأمريكي على جبهة الأيديولوجيا والقيم رافق الصعود الصيني والمناوئة الروسية. مما سمح لبكين ليس فقط بمنافسة واشنطن في الحرب التجارية خلال فترة رئاسة "ترامب"، بل بانتقاد المنظومة الأيديولوجية والقيمية الأمريكية. • اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية قمتها حول الديمقراطية بمثابة مبادرة رئاسية توضح التزام إدارة "بايدن" بوضع الديمقراطية وحقوق الإنسان في قلب اهتمامات سياستها الخارجية. • على هامش قمة الديمقراطية أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا والنرويج والدنمارك مبادرة خاصة بقيود الصادرات بناء على اعتبارات حقوق الإنسان، كما أقر الكونجرس الأمريكي قانونًا اعتمده الرئيس يقيد الواردات الأمريكية من الصين، وخاصة من منطقة شينجيانج. • إذا كانت الولايات المتحدة تهاجم الصين وروسيا من نافذة الديمقراطية والتعددية فإن كلا البلدين يهاجمان الولايات المتحدة من ذات النافذتين. • عالم اليوم ليس كعالم المواجهة الأيديولوجية في القرن العشرين، فلا يوجد معسكر غربي ومعسكر شرقي. ولا حتى معسكر ديمقراطي ومعسكر غير ديمقراطي.

بعد ثلاثة عقود من انهيار الاتحاد السوفيتي، وما أعقبه من توهم تحقيق نصر نهائي لمنظومة فكرية وعقائدية، تحضر الأيديولوجيا والقيم بقوة في التفاعلات بين القوى الكبرى. وقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا في هذه الجبهة الفكرية على خلفية قمة الديمقراطية التي نظمتها الولايات المتحدة الأمريكية عن بعد.

هذا، وقد تجلّت خلال الفترة السابقة لانعقاد قمة الديمقراطية عدة مؤشرات على تنامي الأبعاد الأيديولوجية في التفاعلات بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها خاصة الأوروبيين من ناحية وكل من روسيا والصين وبعض الأطراف الأخرى من ناحية أخرى. وقد شهد ذلك الأمر نقلة نوعية مع تولي الرئيس الأمريكي "جو بايدن" سدة الحكم مطلع عام 2021. وهو ما يثير التساؤل بشأن كيف وصلت الأمور إلى ما هي عليه بين تلك القوى الثلاث على الصعيد الأيديولوجي؟ وما الذي يطرحه كل طرف؟ وأين يلتقون وفيما يختلفون؟ وهل العالم مقبل على استدعاء المواجهة الأيديولوجية؟ وفي حال حدث ذلك فهل ستكون نسخة مكررة من تلك المواجهة التي تجلت ملامحها في القرن العشرين، لا سيما في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؟ وماذا عن باقي الوحدات الدولية في النظام الدولي في هذا الخضم؟ وهل ستسهم هذه الجوانب الأيديولوجية في بلورة معالم نظام دولي جديد أم أن نتيجتها ستكون تكريسا للوضع القائم؟

وفي ضوء ذلك، تتناول هذه الورقة ثلاثة محاور رئيسة، هي: الأيديولوجيا في علاقات القوى الكبرى.. دورة الخفوت والسطوع، و"قمة الديمقراطية".. ذروة التصعيد الأيديولوجي بين القوى الكبرى، وأخيرًا مستقبل الجدل الأيديولوجي بين القوى الكبرى.

أولا: الأيديولوجيا في علاقات القوى الكبرى.. دورة الخفوت والسطوع

بعدما انهار جدار برلين، وتفككت منظومة المعسكر الشرقي الاشتراكي، وتم حل حزب وارسو، وانهار الاتحاد السوفييتي، خرج الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج بوش" مبشرًا بنظام دولي جديد. وخرج الكثير من الباحثين وعلماء السياسة بمقولات لا تنعي فقط الأيديولوجيا الشيوعية، سواء كانت ماركسية لينينية أو غيرها من الصيغ التي كانت تصف نفسها بالاشتراكيات ذات الخصوصية الوطنية، وإنما بإعلان النصر النهائي للرأسمالية والديمقراطية. وطرح "فرانسيس فوكوياما" ما أسماه نهاية التاريخ.

وبعيدًا عن كل الجدل الفكري الذي دار حول تلك المقولات وغيرها؛ فإن الأمور قد سارت باتجاه تكريس هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي في ظل تراجع واضح لكلٍ من روسيا تحت رئاسة "بوريس يلتسن". والصين، وما تلاها من عقوبات فرضت عليها. وكان من الواضح تمامًا أن النخبة الحاكمة في روسيا قد انحازت للغرب. حيث أشار بعض المحللين أن روسيا قد اختارت التوجهات الغربية في سياستها الخارجية على حساب التوجهات الشرقية. ليس هذا فحسب، بل إنها باتت طيعة مع الغرب؛ مما جعلها تنال رضاه. ومن ثم تم ضمها إلى مجموعة الدول الصناعية الكبرى. وتغير اسم المجموعة إلى مجموعة الثمانية. غير أنه عندما بدأت التفاعلات تأخذ منحى آخر بعد سنوات خرجت من المجموعة وعادت المجموعة إلى مسماها القديم.

ليس هذا فحسب، بل إن روسيا التي كانت قائدة المعسكر الشرقي والقوة الأعظم في حلف وارسو والمكافئة للولايات المتحدة الأمريكية في حلف شمال الأطلنطي باتت تدخل في صيغة تشاور مؤسسية مع حلف الناتو-وهي الصيغة التي يحاولون إحياءها مع تزايد التوترات مؤخرًا- وحتى عندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011 لم تستطع روسيا الوقوف في وجه الرغبة الأمريكية في إقامة قواعد عسكرية في جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت لسنوات قريبة جزءًا من الاتحاد السوفييتي، وما زالت تشكل حزامًا مهما للأمن القومي الروسي لا يقل أهمية عما عليه الحال في أوكرانيا وبيلاروسيا وجورجيا.

هذا، ولم يقف التحرك الأمريكي عند هذا الحد بل طال مناطق نفوذ روسية أخرى في أوروبا كما هو الحال في صربيا. وابتدعت واشنطن مفاهيم جديدة من قبيل التدخل لأهداف إنسانية.

عكفت الصين في هذا الخضم على بناء تجربتها التنموية. وتعلمت مما حدث في المنظومة الاشتراكية. فأدخلت في ممارستها ما لم يخطر يومًا على بال حتى أشد المناوئين فكريًا وعقائديًا لها. ومن ثم أصبحت الموطن الأهم للاستثمارات العالمية وعلى رأسها الاستثمارات الأمريكية. ولقبت آنذاك بمصنع العالم. وانضمت لمنظمة التجارة العالمية. وباتت تطالب الغرب بالاعتراف باقتصادها كاقتصاد سوق. ليس هذا فحسب بل وصل الحال بها في ظل ذروة الخلاف التجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة حكم الرئيس "دونالد ترامب" للمطالبة بالحفاظ على حرية التجارة العالمية؛ بل والدفاع عن العولمة التي رأت أن إجراءات إدارة ترامب تضر بها. واستغلت انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من بعض المعاهدات والمنظمات الدولية لتتولى مفاتيح القيادة في مجالات من قبيل التغيرات المناخية. وبات الرئيس الصيني حاضرُا بقوة في المنتديات الدولية. ومنها منتدى دافوس الاقتصادي. وباتت مقولاته محل استشهاد من كبار القائمين على أمر هذه المنتديات. 

وفي ظل ما حظيت به الصين من نفوذ دولي، فقد دفعت الصين باتجاه المطالبة بتعديلات في حصص صندوق النقد الدولي، كما قامت بإنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية وهو ما اعتبر مناوئًا للبنك الدولي وبنوك التنمية الأخرى، فضلًا عن طرحها مبادرة الحزام والطريق. لتقطع قطارات الشحن الصينية آلاف الأميال وصولا إلى الكثير من المدن الأوروبية. وعقدت شراكات وأقامت منتديات مع الكثير من مناطق العالم القريبة منها والبعيدة مثل، دول جنوب شرقي آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والدول العربية. وضخت استثمارات ضخمة في شرايين اقتصادات الكثير من دول العالم. وباتت عملتها ضمن مكونات الاحتياطات النقدية الأجنبية لدى الكثير من الدول.

ترافق مع كل ذلك تقارب متزايد بين الصين وروسيا في الوقت الذي اتسعت فيه الهوة بينهما وبين الولايات المتحدة الأمريكية، حتى وإن كانت ساحات الخلاف متباعدة. فبينما تشتبك الولايات المتحدة مع الصين في قضايا العدالة في التبادل التجاري وحماية الملكية الفكرية، وما أسمته بفخ الاستثمارات الصينية للكثير من الدول من أجل الحصول على النفوذ السياسي، وتزايد القوة العسكرية الصينية، وقضايا بحري الصين الجنوبي والشرقي، كانت تختلف مع روسيا في قضايا من قبيل أمن جورجيا وأوكرانيا والأمن السيبراني وسباق التسلح.

لم تغب يومًا عن كل تلك التفاعلات الجوانب القيمية والأيديولوجية. فالولايات المتحدة لا تنظر بعين الرضا التام لما أسمته الصين بسياسة الإصلاح والانفتاح. حيث ترى أن الشركات الصينية العملاقة التي باتت تمد أذرعها في شتى مناطق العالم هي بالأساس شركات حكومية. وبالنسبة لروسيا فواشنطن لا تقف عند مجرد الاتهامات الموجهة لها على صعيد الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان على الصعيد الداخلي، وإنما تتهمها بدعم النظم المعادية للقيم الأمريكية في الخارج. وتصدر ملف حقوق الإنسان أجندة واشنطن في تعاملها مع الصين؛ لكنه أخذ أبعادًا جديدة بعد مجيء إدارة الرئيس "بايدن". فقد وصل الحال إلى حد اتهام بكين بممارسة الإبادة الجماعية ضد مسلمي الإيجور في شينجيانج. كما أعلنت واشنطن عن مقاطعة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي ستستضيفها بكين 2022 دبلوماسيًا.

الولايات المتحدة لم تخف يومًا امتعاضها من الصعود الصيني والمناكفة الروسية. وباتت تضعهما على رأس عناصر التهديد لأمنها القومي، مع اقناع حلفائها بمخاطر هذا الصعود، وهو ما عكسته بيانات اجتماعات الدول الصناعية السبع وحلف شمال الأطلنطي. كما أنها عملت على تشكيل تحالفات جديدة تضم إلى جانبها دولًا مجاورة للصين، كما حدث مؤخرًا بالنسبة للبيان الذي أصدره وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا حول الانتخابات في هونج كونج. بالإضافة إلى مناشدة رئيس وزراء كندا "جاستن ترودوا" للدول الغربية نهاية عام 2021 بتشكيل جبهة موحدة ضد الصين للحيلولة دون استخدامها للمصالح الاقتصادية لشق صف الحلفاء الغربيين.

وفي هذا الإطار، فمن الواضح أن التصعيد الأمريكي على جبهة الأيديولوجيا والقيم كان رفقة الصعود الصيني والمناوئة الروسية. حيث مكّن هذا الصعود بكين ليس فقط من منافسة واشنطن في الحرب التجارية خلال فترة رئاسة "ترامب"، وإنما بانتقاد المنظومة الأيديولوجية والقيمية الأمريكية. فكما تصدر واشنطن تقارير عن الحريات وحقوق الإنسان وحالة الديمقراطية في شتى دول العالم بما فيها الصين؛ فإن بكين باتت تصدر تقارير عن أوضاع حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد جاءت قمة الديمقراطية المنعقدة عن بعد يومي التاسع والعاشر من شهر ديسمبر 2021 لتظهر المدى الذي بلغته حدة المواجهة الأيديولوجية بين الولايات المتحدة بشكل أساسي من ناحية، وبين كل من الصين وروسيا من ناحية أخرى، وهو ما سيوضحه الجزء التالي.

ثانيا: "قمة الديمقراطية".. ذروة التصعيد الأيديولوجي بين القوى الكبرى

على الرغم من تراجع محورية قضية الديمقراطية في السياسة الخارجية الأمريكية خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب"، فإنها في سياق براجماتي انتقدت كثيرًا سياسات الحزب الشيوعي الصيني وممارساته. حيث واصل وزير الخارجية الأمريكي السابق "مايك بومبيو" انتقاداته للحزب الشيوعي باعتباره أخطر تهديد للحريات الدينية، محذرًا حلفاء واشنطن من الأهداف الحقيقية للحزب. وفي ضوء ذلك اتخذت واشنطن مواقف قوية حيال التظاهرات التي شهدتها هونج كونج والتعامل الصيني معها. وأشار "بومبيو" أن القانون الذي سنته الصين بخصوص هونج كونج -والذي اندلعت على إثره التظاهرات- ما هو إلا تصرف ضمن سلسلة من الإجراءات التي تستهدف تقويض الحريات في هونج كونج. 

في المقابل فإن إدارة الرئيس "بايدن" قد دفعت بالديمقراطية قدمًا على جدول أعمال سياستها الخارجية، مع تصحيح أخطاء الإدارة السابقة التي أدت إلى تراجع القيادة الأمريكية، ومن ثمّ كان العمل على ترميم العلاقات مع الحلفاء، والعودة لقيادة الجهود العالمية في مجال التغير المناخي وغيرها من الأمور. وفي هذا السياق خططت الإدارة الأمريكية لعقد قمة الديمقراطية، التي اعتبرتها بمثابة مبادرة رئاسية توضح التزام إدارة "بايدن" بوضع الديمقراطية في قلب اهتمامات سياستها الخارجية. وتم تحديد ثلاثة مجالات رئيسة تركز عليها القمة. هي، تقوية الديمقراطية، ومحاربة الفساد، والدفع باتجاه احترام حقوق الإنسان. وقد أتى الرئيس "بايدن" ونائبته هاريس على بعض من تلك الأمور في خطابهما للقمة. مع عدم إغفال ما أسماه الرئيس الأمريكي بـ "ضغوط الأوتوقراطيات". والتي تسعى إلى زيادة قوتها وصادراتها وتوسيع نفوذها عبر العالم. معتبرين أن سياساتهم وممارساتهم الأكفأ في التصدي للتحديات العالمية. وقد اعتبر "بايدن" أن مثل هذا الطرح من شأنه تقسيم المجتمعات، وإحداث استقطاب سياسي. خاصة وأن كلًا من الصين وروسيا قد وجهت نفس التهمة تقريبًا للولايات المتحدة وحلفائها ومشاركيها في تلك القمة كما سيرد تفصيلًا. فقد تحدث "بايدن" عما أسماه بالمجتمع الدولي الديمقراطي الذي يؤمن بذات القيم التي تجعله موحدًا. والمجتمع الدولي الديمقراطي مطالب بالحفاظ على العدالة وحكم القانون وحرية التعبير وحرية التجمع وحرية وسائل الإعلام، والحرية الدينية، وضمان حقوق الإنسان. 


كما أكد "بايدن" أن بلاده سوف تبدأ بنفسها عبر الاستثمار في ديمقراطيتها، ومن ثمّ دعم شركائها حول العالم، وكل ذلك في إطار المبادرة الرئاسية لتجديد الديمقراطية، التي تضمنت أيضًا تخصيص اعتمادات مالية ليس فقط للداخل الأمريكي، أو للدول الديمقراطية وفق تصنيف واشنطن؛ وإنما العمل على ما أسماه بجبهة الديمقراطية عبر العالم. ومن ناحيتها، اعتبرت نائبة الرئيس الأمريكي "هاريس" أن قوة الديمقراطية الأمريكية ستنعكس على ديمقراطيات العالم، مشيرة إلى عودة بلادها إلى مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، انطلاقًا من ارتباط الديمقراطية بشكل وثيق بحقوق الإنسان.

وعلى هامش القمة أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا والنرويج والدنمارك مبادرة خاصة بقيود الصادرات في مجال التكنولوجيات الحديثة بناء على اعتبارات حقوق الإنسان، ولا يُستبعد انضمام دول أخرى لتلك المبادرة مستقبلًا، خاصة وأن العديد من الدول أعلنت دعمها لها من بينها المملكة المتحدة وفرنسا وهولندا وكندا. كما أقر الكونجرس الأمريكي قانونًا اعتمده الرئيس يقيد الواردات الأمريكية من الصين، وخاصة من منطقة شينجيانج.

ويمكن تلخيص التفاعل الصيني مع قمة الديمقراطية في اعتبارها أداة أمريكية تقسم العالم أيديولوجيًّا، وتوظف الديمقراطية كسلاح، في الوقت نفسه الذي تتصرف فيه عكس الديمقراطية التي ترفعها كشعار. وأن السعي الأمريكي لتقسيم العالم وبث روح المواجهة فيه مقصود به المحافظة على الهيمنة والإلهاء عن التناقضات الأمريكية الداخلية، والسعي للالتفاف على قواعد القانون الدولي ومنظماته وعلى رأسها الأمم المتحدة عبر تخريب تلك المنظومة الدولية. وفي المقابل اعتبرت الصين أن ما تقوم به الولايات المتحدة مرفوض دوليًا ومضاد لحركة التاريخ.

وقبل أيام من عقد قمة الديمقراطية أصدرت الصين تقريرًا مفصلًا بعنوان حالة الديمقراطية في الولايات المتحدة. تكفل بالإسهاب فيما قدمه المتحدثون باسم وزارة الخارجية مشيرًا إلى أوجه القصور في الديمقراطية الأمريكية. كما أصدر أحد المراكز البحثية الصينية تقريرًا تضمن عشرة أسئلة حول الديمقراطية الأمريكية. من بينها هل هي ديمقراطية للأغلبية أم للأقلية؟، وهل هي تؤدي إلى توازن للقوة أم تركيز لها؟، وهل تؤدي إلى تحسين ظروف معيشة الناس أم إلى تدهورها؟، وهل تساعد في حماية حقوق الإنسان أم تسهل سبل انتهاكها؟، وهل تجلب التنمية والرفاهية أم تؤدي للكوارث والاضطرابات في باقي دول العالم؟ ولم تكتف الصين بإصدار تقرير رسمي حول الديمقراطية الأمريكية، وإنما أصدرت تقريرًا مفصلا حول الديمقراطية الصينية وكيفية عملها. يأتي ذلك انطلاقا من قناعة صينية بأن الديمقراطية قيمة مشتركة تمارس بطرق مختلفة والخيار الشعبي هو الحاكم فيما إذا كانت بلد ما ديمقراطية أم لا. فالديمقراطية بالنسبة لها هدف لكن ليس شرطًا أن تكون بذات الصيغة الأمريكية الغربية، والتي يتم فرضها تحت شعارات الإصلاح والانفتاح وإثارة الشعوب.

وفي هذا الصدد، اعتبرت الصين أن التحريض الأمريكي على تقسيم العالم إلى ديمقراطي وغير ديمقراطي ما هو إلا تحريض علني على "الانقسام والمواجهة" مما سيقود إلى "مزيد من الفوضى في المجتمع الدولي". ولم تغفل الصين تذكير الولايات المتحدة بضحايا حروبها تحت شعارات مختلفة من بينها الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. 

وفي المقابل أبدت الصين استعدادها "للتعاون مع دول العالم لتكريس القيم المشتركة للبشرية المتمثلة في السلام والتنمية والعدالة والإنصاف والديمقراطية والحرية".

على صعيد آخر، انتقدت روسيا قمة الديمقراطية، مشيرة إلى أن هدفها الرئيس تغذية المواجهة، وإعادة للأيديولوجيا في مواجهات العلاقات الدولية تحت لافتة القواعد المستندة إلى النظام. معتبرة أنها أداة للتدخل في شؤون الدول تحت شعارات براقة، في حين تكشف الممارسات الأمريكية عن سوء حال الديمقراطية وحقوق الإنسان في الولايات المتحدة والغرب عمومًا. واعتبرت روسيا أن قمة الديمقراطية تندرج ضمن استراتيجية الولايات المتحدة لتقويض دور الأمم المتحدة.

من ثم فإن روسيا ترى أنه على ضوء ما تعانيه الولايات المتحدة وحلفاؤها على صعيد الديمقراطية وحقوق الإنسان ليس من حقهم الحديث عن الديمقراطية وتوجيه الدروس للآخرين واصفة تلك المعاناة بالهيكلية. وقد ذكرت موسكو تفاصيل كثيرة حول وسائل الإعلام في الغرب وتبعيتها والتدخل فيها، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات المضللة فيها، وما تتم ممارسته من خداع للرأي العام. وعمليات الرقابة الإلكترونية، ومشكلات النظام الانتخابي الأمريكي. واستمرت موسكو في تقديم مؤشرات كثيرة وواقعية تدلل على حال الديمقراطية المزعومة في الغرب. 

وفي ضوء ما سبق، يتضح الفارق الكبير بين المنظور الأمريكي للديمقراطية وبين المنظورين الصيني والروسي. فالأخيران تجمعهما منطلقات تكاد تكون متطابقة. ولعل هذا ما جعل طرحيهما متفقين إلى حد بعيد في المجمل وفي التفاصيل. ويبقى السؤال هل تصبح الديمقراطية وحقوق الإنسان ضحية صراعات القوى الكبرى حتى وإن كثر الحديث عنها لدى كل الأطراف؟

ثالثًا: مستقبل الجدل الأيديولوجي بين القوى الكبرى

لم يعد بخافٍ على أحد الوجود الكثيف للأيديولوجيا في تفاعلات القوى الكبرى. فالمؤشرات على ذلك كثيرة. ولقد مثلت قمة الديمقراطية ذروة هذا الوجود. وقد استفاضت الأطراف الثلاثة الرئيسة في طرح ما لديها كما اتضح في الخطوط العريضة لذلك الطرح في الجزء الثاني من المقال. لكن من الواضح أن كثافة الطرح الأيديولوجي لا تعني أنه طرح مستقل عن مجمل التفاعلات الاستراتيجية بين تلك الأطراف. وأن تزايده قد ترافق مع التزايد في الخلافات المادية المصلحية على مناطق النفوذ وعناصر القوة. وإن شئت فقل مع تزايد المقاومة الصينية والروسية للهيمنة الأمريكية من ناحية، ومن ناحية ثانية مع التخوف الأمريكي والغربي من التمدد الصيني، والممانعة الروسية. 

وعلى الصعيد الداخلي فشتان ما بين النظام الاقتصادي الصيني وذلك الاقتصاد الاشتراكي الذي قام ردحًا من الزمن. وكذلك المجتمع الصيني ليس هو ذلك المجتمع الذي تحدثت عنه الاشتراكية التي كانت تحاربها الولايات المتحدة والغرب. صحيح أن الصين تقول إنها ما زالت تطبق الاشتراكية لكن بعدما أدخلت عليها تحديثات لتتواءم مع مقتضيات العصر. لكن الأمر الذي لا تخفيه الصين أنها في سياستها الخارجية تتصرف ببرجماتية ولم تعد للاعتبارات الأيديولوجية ذات الوزن القديم في سياستها الخارجية. وإذا كانت الصين ما زالت ترى أنها دولة اشتراكية، فإن روسيا قد غيرت هذا النهج تمامًا مع "يلتسن" ولم يعد له بوتين أبدًا. لكنها والصين وضعتا في سلة واحدة من قبل الولايات المتحدة والكثير من الدول الغربية التي بات محور طرحها الأيديولوجي يتركز على ما تقول إنه قيمها الغربية الخاصة بالحرية، والديمقراطية، وحرية التجارة وغيرها من الأمور التي انتقدتها كل من الصين وروسيا.

وهنا يُطرح السؤال مرة أخرى، هل كان لروسيا والصين أن تقبلا بالإلحاق بالمنظومة الفكرية الغربية؟، بل والسؤال الأهم هل هما قابلان لهذا الإلحاق حتى لو كانت التركيبة السياسية في كلا البلدين مختلفة عما هو قائم في كليهما؟ الإجابة هنا مرتبطة باعتبارات تاريخية وحضارية واستراتيجية تجعل من التسليم بسيناريو الإلحاق مجازفة. خاصة إذا كان الحديث على المدى البعيد وليس في فترات انتقالية. فلا يمكن القياس على سنوات ما بعد الانهيار السوفيتي على سبيل المثال بالنسبة لروسيا. وحتى عندما تكالبت القوى الغربية على الصين في القرن التاسع عشر فإنها لم تستطع قهرها. 

وإذا كانت الولايات المتحدة تهاجم الصين وروسيا من نافذة الديمقراطية والتعددية فإن كلا البلدين يهاجمان الولايات المتحدة من ذات النافذتين، كما اتضح على الصعيد الداخلي، وكذلك على الصعيد الدولي. فكل من موسكو وبكين تريان أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى الهيمنة. وتريد أن تستأثر بالقرارات حتى لو كانت مخالفة لقواعد القانون الدولي، ولا تقيم وزنًا للأمم المتحدة في حال لم تسير في ركابها. هنا قد يقول البعض هل يختلف الطرح الصيني الروسي عن الطرح الأمريكي؟ وهل هما يسعيان لتعددية حقيقية في النظام الدولي تضم غيرهما أم أنهما يريدان نصيبًا أكبر من المكاسب وقدرًا أقل من الخسائر؟

من الواضح أن التنافس الدولي سيستدعي القيم والأيديولوجيا كثيرًا لكن هل ستكون ذات المواجهة الأيديولوجية التي كانت في القرن العشرين؟ فعلى صعيد المضامين هناك اختلافات كثيرة كما سبقت الإشارة. وعلى صعيد الحدود يوجد احتمالان، الأول: تقويض العامل الأيديولوجي أكثر بكثير مما كان عليه الحال في القرن الماضي. وذلك نظرًا لحالة الاعتماد المتبادل الكثيفة بين القوى الكبرى وليس كما كان في السابق. فالتعاملات التجارية الصينية مع الغرب كثيفة جدًا. وفي بعض المجالات بات الغرب يعتمد على الصين اعتمادًا شبه كلي كما هو الحال في الموارد النادرة. وقد كانت هناك مقولات لمسؤولين أوروبيين في ظل جائحة كورونا تشير إلى ما أوضحته الجائحة من الاعتماد الأوروبي الكثيف على مصادر غير أوروبية وتحديدًا آسيوية وفي القلب منها صينية بالنسبة لبعض المستلزمات الطبية. أضف إلى ذلك الاستثمارات الغربية الضخمة في الصين وغيرها من الدول الآسيوية التي كانت من معاقل الشيوعية، بل ودخلت معها الولايات المتحدة حربًا طويلة وطاحنة مثل فيتنام. فاليوم لا يمكن الحديث عن معسكرين تتم داخل كل معسكر منهما تعاملات كثيفة في مقابل تفاعلات عند حدها الأدنى بين المعسكرين. ربما لن تجد في هذا الواقع المعاش إلا النموذج الكوري الشمالي، الذي يتنفس خارجيًا برئتين إحداهما روسية والأخرى صينية. يضاف إلى كل ذلك كثافة الحركة والانتقال بين شتى أرجاء العالم بما في ذلك بين تلك القوى المتنافسة. انظر مثلًا إلى عدد الطلاب الصينيين الذين يدرسون في الولايات المتحدة والعكس. وانظر إلى عداد السياح الصينيين في شتى أرجاء العالم. وقارن حجم طلبيات شركات الطيران الصينية وتوقعاتها في الخمسين عامًا القادمة. بغض النظر عن الظرف الطارئ مع كورونا. وذلك علاوة على عنصر التكنولوجيا وامتلاك ناصيته من قِبل تلك القوى المتنافسة فلم يعد الأمر تكنولوجيا التسلح وحدها، ولم تعد روسيا تفصل -كما كان يفعل الاتحاد السوفييتي- بين الاستخدامات المدنية وتلك العسكرية للتكنولوجيا، كما سبقت الشركات الصينية الشركات الغربية في مجالات تكنولوجية كثيرة.

الثاني: إطلاق العنان أكثر للمواجهة الأيديولوجية على أن يظل هناك حرص على تحييدها، بحيث لا تنعكس تأثيرات المواجهة فيها على التفاعلات والتبادلات المادية. لكن يبقى السؤال مطروحًا هل تستطيع تلك القوى المحافظة على هذا الفصل على طول الخط؟ وماذا لو جاءت قيادات تقدم هذه الاعتبارات الأيديولوجية على ما عداها من اعتبارات؟

وختامًا، لا يجب إغفال عنصر آخر مهم وهو أن عالم اليوم ليس كعالم المواجهة الأيديولوجية في القرن العشرين بالنسبة لسائر الوحدات الدولية في النظام الدولي. فلا يوجد معسكر غربي ومعسكر شرقي. ولا حتى معسكر ديمقراطي ومعسكر غير ديمقراطي. وحتى لو كان هناك من يرغب في مثل هذا التقسيم فإن الواقع والالتزامات وخيارات الدول لا تسير في ركابه. ولم تصل حالة الاستقطاب إلى تلك التي هيئت لظهور كتلة ثالثة تعرف بعدم الانحياز والحياد الإيجابي كتلك التي ظهرت زمن الحرب الباردة. لكن هل من الممكن أن يأتي ذلك الظرف الذي يجعل من تكون أو إحياء هذه الكتلة أمرًا ضروريًا. الأمر المؤكد أن المواجهات الأيديولوجية كانت دائمًا ومعها محاولات النأي بالنفس في حاجة إلى قيادات كاريزمية، لكنها ستظل تحت السيطرة طالما ظل الحرص قائمًا على التعايش، أما إذا انتقلت المعادلة إلى التنافر التام فعندها قد لا يكون للأيديولوجيا ولا للمصالح ولا للبشر وجود في ظل امتلاك ترسانات أسلحة غير تقليدية من شأنها إفناء العالم. وربما يكون هذا هو الحائل دون مواجهات مباشرة بين تلك القوى، ومن ثم تزدهر الحروب الباردة والحروب بالوكالة وغيرها.

الرسائل

تجلّت خلال الفترة السابقة لانعقاد قمة الديمقراطية عدة مؤشرات لتنامي الأبعاد الأيديولوجية في التفاعلات بين كل من واشنطن وحلفائها الأوروبيين من ناحية، وكل من روسيا والصين من ناحية أخرى.

عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عكفت الصين على بناء تجربتها التنموية وأصبحت الموطن الأهم للاستثمارات العالمية وعلى رأسها الاستثمارات الأمريكية. ولقبت آنذاك بمصنع العالم. وانضمت لمنظمة التجارة العالمية، مما عزز نفوذها الدولي.

الولايات المتحدة الأمريكية لم تخف يومًا امتعاضها من الصعود الصيني والمناكفة الروسية. وباتت تضعهما على رأس تهديدات أمنها القومي، مع اقناع حلفائها بمخاطر هذا الصعود، وضرورة التصدي له.

التصعيد الأمريكي على جبهة الأيديولوجيا والقيم رافق الصعود الصيني والمناوئة الروسية. مما سمح لبكين ليس فقط بمنافسة واشنطن في الحرب التجارية خلال فترة رئاسة "ترامب"، بل بانتقاد المنظومة الأيديولوجية والقيمية الأمريكية.

اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية قمتها حول الديمقراطية بمثابة مبادرة رئاسية توضح التزام إدارة "بايدن" بوضع الديمقراطية وحقوق الإنسان في قلب اهتمامات سياستها الخارجية.

على هامش قمة الديمقراطية أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا والنرويج والدنمارك مبادرة خاصة بقيود الصادرات بناء على اعتبارات حقوق الإنسان، كما أقر الكونجرس الأمريكي قانونًا اعتمده الرئيس يقيد الواردات الأمريكية من الصين، وخاصة من منطقة شينجيانج.

إذا كانت الولايات المتحدة تهاجم الصين وروسيا من نافذة الديمقراطية والتعددية فإن كلا البلدين يهاجمان الولايات المتحدة من ذات النافذتين.

عالم اليوم ليس كعالم المواجهة الأيديولوجية في القرن العشرين، فلا يوجد معسكر غربي ومعسكر شرقي. ولا حتى معسكر ديمقراطي ومعسكر غير ديمقراطي. 

تقييم الموقع