IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

الاقتصاد العالمي بعد الجائحة: نمو محفوف بالمخاطر

 الثلاثاء. 25 يناير., 2022

الاقتصاد العالمي بعد الجائحة: نمو محفوف بالمخاطر

 أ.د. محمود محيي الدين

هناك ضرورة لإدراج إجراءات التصدي والتعافـي من الجائحة فـي إطار تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية 2030؛ فهذه الإجراءات قد تركز بطبيعتها على أهداف الأجل القصير، ولكن لاستعادة النمو والاطمئنان على استمراره وشموله للقطاعات الاقتصادية والأقاليم المختلفة ينبغي أن تكون هذه الإجراءات مساندة لاستثمارات الأجل الطويل الموجهة للارتقاء برأس المال البشري، وتطوير رأس المال المادي بما يشمل البنية الأساسية والتكنولوجية، ومراعاة الأبعاد البيئية وتغيرات المناخ. وهذا كله يحتاج إلى تنسيق بين السياسات العامة وتفعيل كفاءة المؤسسات القائمة عليها لتحقيق الصالح العام.

بعد مُضي ما يقرب من عامين منذ الإعلان رسميًّا فـي شهر مارس عام 2020 أن العالم يواجه جائحة كورونا، تجاوز عدد المصابين بالفـيروس 280 مليون إنسان توفـى منهم 5.4 ملايين. وما زال الفـيروس بمتحوراته يهدد حياة الناس وأسباب معيشتهم. وقد أصابت الجائحة النشاط الاقتصادي العالمي بتراجع غير مسبوق لم يشهده الاقتصاد العالمي منذ الكساد الكبير فـي القرن الماضي؛ إذ أصبح معدل نمو الاقتصاد العالمي سلبيًا بمقدار 3.1% فـي عام 2020. 

وكان التراجع فـي النمو مصحوبًا بزيادة فـي أرقام البطالة؛ حيث تسببت تداعيات الجائحة فـي خسارة 8.8% من ساعات العمل على مستوى العالم، بما يعادل 4 أمثال خسائر البطالة بعد الأزمة المالية العالمية فـي عام 2008. كما ارتفعت أرقام من يعانون من الفقر المدقع بنحو 100 مليون إنسان لأول مرة بعد عقدين من الانخفاض المستمر. ورصدت منظمة الأونكتاد تراجعًا غير مسبوق فـي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بمقدار 35% عن العام السابق، لتصل إلى تريليون دولار فـي عام 2020، كما انخفضت التجارة العالمية بمقدار 5.3%، وإن تأثرت التجارة فـي الخدمات بمقدار أكبر بالإغلاق الاحترازي وقيود السفر عبر الحدود. وتسبب ذلك كله فـي تراجع قدرات الدول، خصوصًا النامية منها، على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، علمًا بأن العالم لم يكن على وتيرة ملائمة لتحقيق هذه الأهداف فـي تاريخها المحدد فـي عام 2030، ولا يجب بحال تبرير هذا التقصير الدولي بنشوب الجائحة.  

تبايُن فـي قدرات المواجهة للجائحة وتبعاتها الاقتصادية

كان التعامل مع الجائحة بتبعاتها الصحية وتداعياتها الاقتصادية متباينًا بين الدول؛ ففـيما يتعلق باللقاحات تمكَّنت الدول المتقدمة من توفـير الموارد اللازمة ما مكَّن 75% من مواطنيها من الحصول على لقاح واحد على الأقل، بينما وصلت هذه النسبة إلى 7% فقط فـي الدول الأقل دخلًا مع نهاية عام 2021.

وفـي المجال الاقتصادي تمكَّنت الدول المتقدمة من ضخ ما يعادل 28% من نواتجها المحلية الإجمالية لإنعاش الاقتصاد ودعم التصدي لآثار الجائحة والتمهيد للتعافـي منها، بينما لم تتمكَّن الدول متوسطة الدخل من تدبير أكثر من 6.5% من نواتجها المحلية، وعجزت الدول منخفضة الدخل عن مساندة اقتصاداتها بأكثر من 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وإجمالًا فإن 80% من الاستثمارات والتدفقات المالية الموجهة للتعافـي أُنققت فـي دول متقدمة. 

نمو اقتصادي متفاوت فـي عام 2021

لم يكن غريبًا إذًا مع هذا التباين فـي إجراءات التصدي الصحي والاقتصادي بين الدول المتقدمة والنامية أن يمتد هذا إلى تفاوت فـي أداء معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي؛ ففـي المراجعة الأخيرة لتقديرات النمو لعام 2021 كان متوسط النمو المقدَّر من صندوق النقد الدولي فـي شهر أكتوبر للعالم 5.9% بعد تخفـيضه بمقدار 0.1% عن التقدير السابق فـي شهر أبريل من العام نفسه، ومن الأرجح أن يكون الرقم الفعلي للنمو أقل من المقدّر؛ نظرًا للمعوقات المتعلقة بشبكات الإمداد وظهور متحور أوميكرون فـي الربع الرابع من العام، فضلًا عن تهديد مسارات التعافـي الاقتصادي فـي البلدان النامية لقصور قدراتها الصحية والقيود على موازناتها بما يحد من المساندة المطلوبة للاستثمارات العامة. 

وبهذا قُدرت معدلات النمو فـي عام 2021 فـي دول متقدمة مثل الولايات المتحدة ومنطقة اليورو بنحو 6% و5% على الترتيب، بينما تصل هذه المعدلات إلى 4.4% فـي العالم العربي، و3.7% فـي إفريقيا جنوب الصحراء، بينما بلغت هذه التقديرات 7.2% فـي الدول النامية والأسواق الناشئة الآسيوية، و6.3% فـي أمريكا اللاتينية. 

مسارات النمو الاقتصادي المتوقَّعة لعام 2022 ومخاطر تواجهها      

فـي تقرير حديث لمؤسسة أكسا للتأمين أُعد بالتعاون مع يوراسيا جروب عن المخاطر العالمية، قُسِّم العالم إلى أربعة أجزاء لأغراض التحليل: أوروبا، والأمريكتين، وإفريقيا، والشرق الأوسط وآسيا. ووفقًا لاستمارة استقصاء رأي سُئِل نحو 3600 خبير مختص فـي المخاطر وإدارتها لاختيار خمسة مخاطر وفقًا لأولويتها من قائمة تضم 25 سؤالًا، وبالإضافة إلى هؤلاء الخبراء الذين يعيشون فـي 60 دولة حول العالم سُئِلت عينة من 20 ألف شخص من 15 دولة وجاءت المخاطر الخمسة الأولى على هذا الترتيب: 

  • تغيرات المناخ 
  • أمن المعلومات أو الأمن السيبراني
  • الجوائح والأمراض المعدية
  • المخاطر الجيوسياسية
  • مخاطر التذمر الاجتماعي ونشوب صراعات داخلية

ويُلاحظ أن هذا الترتيب العالمي للمخاطر من وجهة نظر الخبراء قد اختلف بشأن ما يشغل المرتبة الأولى باختلاف الأقاليم الجغرافـية؛ حيث ظلَّت تغيرات المناخ فـي المرتبة الأولى للمجموعة الأوروبية، بينما شغلت مخاطر الأمن السيبراني المرتبة الأولى فـي حالة الأمريكتين، ثم جاءت الجوائح فـي المرتبة الثالثة للمجموعتين. وهذا يُفسر بأن أوروبا وأمريكا كانتا قد قطعتا شوطًا جيدًا فـي التعامل مع الجائحة، التي احتلت المرتبة الأولى لهما فـي عام 2020. ويذكر أن نتائج هذا المسح قد أُعلنت قبل انتشار متحور أوميكرون.

أما بالنسبة لمجموعة الدول الآسيوية والشرق الأوسط فكان ترتيب المخاطر فـيها على النحو الآتي:
1. الجوائح والأمراض المعدية، 2. أمن المعلومات أو الأمن السيبراني، 3. تغيرات المناخ، 4. الاستقرار المالي، 5. المخاطر الجيوسياسية.
وقد اشتركت إفريقيا مع هذه المجموعة فـي الترتيب للمخاطر الأولى والثانية فبدأت بالجوائح والمخاطر الصحية، ثم بمخاطر أمن المعلومات، ولكنها جعلت المخاطر الجيوسياسية فـي المرتبة الثالثة قبل تغيرات المناخ التي جاءت رابعة فـي الترتيب، ثم جاءت فـي المرتبة الخامسة مشكلات الأمن الجديدة والإرهاب، وتبعتها مباشرة مخاطر الاستقرار المالي، بما فـي ذلك الديون. 

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط معدل النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي العالمي لعام 2022 يتوقع أن يصل إلى 4.9%. وهذه الأرقام من المرجَّح تعديلها لأدنى، بسبب تأثير استمرار فـيروس كورونا ومتحوره الأخير، مع البطء فـي سلاسل الإمداد، والتراجع فـي النشاط الاقتصادي فـي الصين. ويستمر التفاوت فـي الأداء بين الدول المتقدمة والنامية؛ إذ إن الأرقام المتوقَّعة للنمو فـي الولايات المتحدة تصل إلى 5.2%، وفـي أوروبا 4.3%، وفـي العالم العربي يقدر النمو بنحو 4.5%، بينما تصل هذه التوقعات فـي إفريقيا جنوب الصحراء وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى 3.8% و6.3% و3% على الترتيب. 

وبهذا فإننا نجد مسار التعافـي يأخذ شكل حرف V  فـي الدول المتقدمة التي فـي سبيلها للعودة اقترابًا إلى مستوى الناتج فـي 2019، بينما يأخذ التعافـي شكل حرف U فـي عدد من الأسواق الناشئة والدول النامية التي ستستغرق زمنًا أطول، أما الدول النامية منخفضة الدخل فـيميل مسار النمو فـيها إلى اتخاذ شكل حرف L . مجمل هذا أن العالم بعد الجائحة قد أصبح أكثر تفاوتًا فـي الدخول والنمو، وبعد سنوات من التقارب بين الدول عالية الدخل من ناحية والدول النامية والأسواق الناشئة من ناحية أخرى، بفضل النمو الأعلى فـي المجموعة الأخيرة وتراكم أثرها، نجد تغيرًا فـي هذا الاتجاه العام بما لذلك من تبعات.  

تحديات التضخم 

بينما حاول الاقتصاد العالمي فـي عام 2021 تعويض ما خسره بانكماشه فـي عام 2020 بسبب نشوب الجائحة، أبت أيامه الأخيرة إلا أن تتحداه بالمتحور الجديد -أوميكرون- ليزيد من حالة اللايقين التي تشهدها الأسواق، ثم تأتي زيادات متوالية للأسعار لتعوق محاولات التعافـي؛ فقد تعرَّضت الاقتصادات المتقدمة لزيادات فـي معدلات تغير الأسعار لم تشهدها منذ أربعين سنة. وكانت أعلى معدلات الزيادة من نصيب الولايات المتحدة التي وصل فـيها معدل التغير فـي الرقم القياسي لأسعار المستهلكين إلى 6.8% فـي شهر نوفمبر 2021، وهو ما لم تشهده فـي تاريخها المعاصر منذ عام 1982. ويُتوقَّع أن تتجاوز معدلات التضخم العالمية متوسط 5% لعام 2021، بينما تصل تقديرات التضخم فـي العام نفسه إلى 5.3%، وفـي الولايات المتحدة ستتجه للانخفاض إلى 2.6% وفقًا لتوقع البنك الفـيدرالي الأمريكي وإن كانت أعلى من التوقع السابق الذي كان 2.2%.

ما يعني سائر العالم المتأثر بمجريات الأمور فـي أكبر اقتصاد فـيه هو ما سيتخذه البنك الفـيدرالي الأمريكي من إجراءات نقدية ستؤثر على أسعار الفائدة العالمية وتكلفة الاقتراض فـي خلال الأسابيع والشهور المقبلة. فقد أدرك أخيرًا القائمون على رأس البنك المصدر لأكبر عملة دولية فـي التداول، أن التضخم هذه المرة ليس مؤقتًا؛ فالتضخم سيكون أكثر استمرارًا بفعل عوامل تراجع عرض المنتجات لارتباك سلاسل الإمداد وزيادة تكلفة النقل والشحن، مع زيادة فـي الطلب المتأجج مدفوعًا بما ضخ به من سيولة على مدار عامي الجائحة فـي الدول المتقدمة.

وحتى تتواءم خطوط الإنتاج وتزداد الإنتاجية أيضًا بما سيستغرقه ذلك من زمن واستثمارات، ستضطر الإدارة النقدية لكبح جماح التضخم بما اعتادت عليه من رفع لسعر الفائدة بعدما تقوم بسحب لإجراءات التيسير النقدي وبرامج شراء الأصول المالية بسرعة أكبر مما كانت تخطط له. ولما كان للبنك المركزي الأمريكي مسؤولية مزدوجة للحفاظ على استقرار الأسعار ومساندة الاقتصاد فـي الوقت ذاته، فما زالت التوقعات بأن تكون إجراءات التقييد النقدي فـي حدود لا تؤدي إلى الإضرار بالتعافـي الاقتصادي فـي الولايات المتحدة أو تقويض فرص الاستثمار والتشغيل فـيها.

ولكن هناك ضرورة للتنسيق الدولي ومراعاة تأثير التقييد النقدي واحتمال رفع أسعار الفائدة فـي البلدان المتقدمة على تدفقات رؤوس الأموال إلى الدول النامية؛ فقد نشرت صحيفة الفايننشال تايمز تقريرًا فـي شهر نوفمبر مفاده أن التدفقات المالية للأسواق الناشئة تحولت إلى أرقام سالبة فـي شهر نوفمبر الماضي، وذلك لأول مرة منذ مارس 2020 فـي أعقاب الجائحة. وقد تزامن ذلك مع ارتفاع فـي سعر الدولار أمام العملات الأجنبية كرد فعل لبدء التحول فـي السياسة النقدية الأمريكية نحو التقييد الائتماني ورفع سعر الفائدة.  

ومن المتعارف عليه أن إبقاء معدلات التضخم فـي حدود منخفضة، كانت تبلغ فـي حالة الدول المتقدمة متوسط 2% سنويًّا، من ضمانات الاستقرار الاقتصادي، ومن المتفهم أن تكون هذه المتوسطات أعلى من ذلك فـي الدول النامية لمشكلات هيكلية ومؤسسية فـي اقتصاداتها. ومما اتفق عليه الاقتصاديون ورجال السياسة أن هدف استقرار الأسعار هو من أولويات السياسات العامة.

وقد شهدت شهور النصف الثاني من عام 2021 ارتفاعات متوالية فـي معدلات زيادة أسعار لسلع متنوعة ومدخلات إنتاج، مثل: القطن والأخشاب وأشباه الموصلات والملابس الجاهزة. كما حدثت قفزات فـي أسعار الغذاء بنحو 40% فـي أثناء انتشار وباء كورونا، بما سبب ضغوطًا على الدول منخفضة الدخل التي يشكل استهلاك الطعام نسبة كبيرة من الإنفاق العائلي فـيها. ومع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء طالبت منظمة التجارة العالمية بالتزام الدول بقواعد التجارة الدولية عمومًا وبتجارة السلع الغذائية خصوصًا، وكذلك التخلي عن الإجراءات المشوهة لتيسير حركة التجارة الدولية فـي السلع الزراعية والغذائية.

مخاوف الركود التضخمي

قبل انتشار مصطلح الركود التضخمي كان التحليل الاقتصادي يتجه إلى تعارض ظاهرتي تضخم الأسعار والركود المصاحب ببطالة وعدم تزامنهما معًا، فإما أن ينخفض التضخم على حساب معدل بطالة أكثر ارتفاعًا أو العكس.

شهد العالم فترة عصيبة للركود التضخمي فـي عقد السبعينيات من القرن الماضي، بارتفاع متوسط معدلات التضخم للأسعار لما يزيد على 7.5% بسبب زيادة أسعار النفط مع زيادة فـي معدلات البطالة بما لا يقل عن 6%، وهذه معدلات شديدة الارتفاع بمعايير أداء الاقتصادات المتقدمة. وكان لهذه الأزمة، وكذلك ما اتُخِذ حيالها من إجراءات، تداعيات شديدة الوطأة على اقتصادات الدول النامية التي كانت توسعت فـي الاقتراض الخارجي ثم جاءتها ارتفاعات أسعار الفائدة العالمية بغتة، بما أحدث اضطرابًا فـي أسعار الصرف وتقلبات فـي التدفقات المالية وعجز عن سداد الديون. وقد ترتب على ذلك اتباع إجراءات اضطرت دول نامية لاتباعها للخروج من أزمة الديون على النحو الذي شهدته نهايات ما يُعرف بالموجة العالمية الأولى للديون.

وفـي أوقات الرواج الاقتصادي، كالذي شهدته اقتصادات الدول المتقدمة منذ الثمانينيات حتى الأزمة المالية العالمية فـي عام 2008، اتضح أنه يمكن للنمو الاقتصادي الاستمرار بفضل ارتفاع فـي الإنتاجية مع انخفاض مطرد فـي معدلات البطالة والتضخم وتحجيم للتقلبات الاقتصادية. 

وترجع ظاهرة نقص المنتجات فـي الأسواق فـي عام 2021 وما يعتريها من ارتباك لعدم ملاحقة سلاسل الإمداد لزيادة فـي طلب المنتجين والمستهلكين بعد الجائحة، وكذلك ارتفاع سلة أسعار النفط والفحم والغاز الطبيعي بمقدار 95% منذ مايو 2021 وحتى نوفمبر من العام نفسه.

لا يمكن تجاهل ما كان متبعًا قبل الجائحة واستمر بعدها من إجراءات حمائية معوقة لحركة التجارة رفعت من الأسعار وخفضت المعروض من السلع، كما أن الإجراءات المرتجلة المتعجلة بضغوط ومزايدات سياسية شوهت سياسات إدارة التحول نحو تخفـيض الانبعاثات الكربونية. فما زالت الاستثمارات فـي الطاقة الجديدة والمتجددة أقل من مستواها المطلوب بما لا يقل عن النصف، كما تعاني سياسات التخارج من قطاعات الطاقة التقليدية من سوء إدارة لتخارج منضبط للوصول إلى الأهداف الصفرية للانبعاثات الكربونية وفقًا لتعهدات الدول فـي اتفاقية باريس للمناخ. وقد أحدث هذا الارتباك المتزامن مع تخوف من الإجراءات الرقابية والقانونية انخفاضًا فـي الاستثمار فـي الوقود الأحفوري الذي ما زال المصدر الرئيس لما يزيد على 80% من احتياجات الطاقة الأولية بمقدار 40% منذ عام 2015.

إذًا فبالإشارة إلى تقديرات معدلات النمو الاقتصادي ومساراته التي وُضِّحَت، فإن احتمال تزامن الركود مع التضخم بمعنى المعاناة من ركود تضخمي لن تزيد إلا مع الإخفاق فـي مواجهة التضخم مبكرًا. فمعدلات النمو رغم انخفاضها وتفاوتها لا تشير إلى ركود عام بقدر أن يكون هناك تباطؤ فـي بعض القطاعات والأقاليم لكنه لن يكون عميقًا أو شاملًا لإحداث ركود عالمي. ولكن إذا لم يُحسَن التعامل مع التضخم باحتوائه مبكرًا، فقد تضطر البنوك المركزية المصدرة للعملات الدولية لكبح جماح التضخم بشدة برفع أسعار الفائدة بدرجة كبرى وبمزيد من التقييد الائتماني، بما يؤدي إلى مزيد من التباطؤ وإثارة مخاوف الركود. لذا فإن إجراءات السياسات النقدية والمالية التي ستُتَّخَذ فـي الشهور الأولى من عام 2022 ستكون فـي غاية الأهمية لتحديد مسارات التعافـي الاقتصادي.

فخ الوسط والديون الدولية

يُقصد بفخ الوسط ما تتعرض له الدول متوسطة الدخل التي تشكل ثلث اقتصاد العالم وتضم 75% من سكانه ويعيش فـيها أكثر من 60% من فقراء العالم. فهذه الدول لا تتمتع بمزايا الدول المتقدمة فـي الاقتراض الرخيص بالعملات المحلية بلا مخاطر فـي سعر صرف العملات الدولية المقترض بها. كما أن دول فخ الوسط لا تستفـيد من مزايا الاقتراض الرخيص الميسر من المؤسسات التنموية الدولية، كالتي تستفـيد منها الدول الأفقر والأقل دخلًا، بافتراض مبالغ فـيه بأن لديها قدرات لتدبير احتياجاتها التمويلية من خلال استثمارات القطاع الخاص المحلي والأسواق المالية الدولية.

فهناك أهمية للدول الواقعة فـي فخ الوسط للتحوط المبكر من أثر تغيرات مباغتة فـي أسعار الفائدة العالمية تستهدف الأوراق المالية قصيرة الأجل لاحتواء توقعات التضخم، وما قد يصحب ذلك من تغيرات فـي أسعار الصرف وارتفاعات فـي التكلفة الفعلية للقروض الدولية، خاصة إذا ما تغيرت تصنيفاتها الائتمانية. 

ومن الملاحظ أن هناك توجهًا فـي مجموعة الدول السبع، وكذلك مجموعة العشرين، بأن أوجه التيسير والعون الدولي فـي مواجهة جائحة كورونا لا تلتفت إلى الدول متوسطة الدخل بحال. فمبادرة مجموعة العشرين لتجميد مدفوعات خدمة الديون فـي إطار العون المؤقت لمواجهة كورونا، والتي أُعلن عن عدم تجديدها، وكذلك مبادرة النهج المشترك للتعامل مع مشكلات الديون، كلها مبادرات موجهة للدول الفقيرة لا تستفـيد منها الدول متوسطة الدخل على الإطلاق. وهذا وإن زادت أعداد البشر الذين يعانون من الفقر فـي هذه البلدان الواقعة فـي فخ الوسط عن كل فقراء الدول الأقل دخلًا. فسبل التيسير لحياة الفقراء مطلوبة بما يتجاوز اعتبارات التصنيف التقليدية للدول وفقًا لشرائح دخول تختزل واقع التنمية ومدى استقرار المجتمعات واقتصاداتها فـي متوسطات مضللة. 

ومن الجدير بالذكر أن إجمالي المديونية العالمية قد بلغ 296 تريليون دولار مع نهاية النصف الثاني من عام 2021، بعدما كان الرقم فـي حدود 270 تريليون دولار فـي بداية العام. وقد كان نصيب الحكومات من هذه الديون 86 تريليون دولار، بينما كان نصيب قطاع الأعمال والقطاع المالي والقطاع العائلي 86 و69 و55 تريليون دولار على التوالي. وهذه الزيادات تتجاوز 36 تريليون دولار فـي 2019 قبل الجائحة، والذي كان يُعدُّ حرجًا وشديد الارتفاع خاصة للبلدان النامية. ووفقًا للتصنيف الدولي فهناك 7 دول نامية منخفضة الدخل تعاني من أزمة مديونية، و29 دولة معرضة لمخاطر عالية، و24 دولة تواجه مخاطر محدودة، و9 دول ذات مخاطر منخفضة.  

ومنذ الإعلان عن مبادرة مجموعة العشرين المعروفة بالإطار المشترك للتعامل مع مشكلات الديون فـي عام 2020، لم تتقدم للاستفادة منه إلا ثلاث دول منخفضة الدخل وعالية المديونية، وهي: تشاد وإثيوبيا وزامبيا. وتوضح تجربة هذه الدول أن هذا الإطار فـي حاجة إلى مراجعة فـي معالجته لمشكلات الديون المتعثرة. فبعدما قررت مجموعة العشرين تجميد آلية إرجاء سداد الديون للدول الأفقر، بات تطوير إطار معالجة الديون أكثر إلحاحًا علمًا بأنه يعاني أصلًا من عدم شموله كل الدائنين كالقطاع الخاص بشكل محفز وهو لا يتضمن المدينين من الدول متوسطة الدخل كمنتفعين بقواعده. ومع زيادات معدلات التضخم وأسعار الفائدة العالمية سيزداد احتمال وقوع مزيد من الدول النامية فـي فخ التعثر، ولا يوجد حتى اليوم إطار فعال لمعالجة الديون المتعثرة وتسويتها بشكل عادل. وقد طالبت مبادرة الأمم المتحدة المعروفة «بتمويل التنمية فـي عصر الجائحة وما بعدها» بضرورة وضع آليات للتوقي من التعثر بتوفـير السيولة وإرجاء تحصيل أقساط الديون ووضع قواعد لتسوية المديونيات من خلال إطار منضبط ومرن وفعال للتعاون الدولي، وما تم حتى الآن ليس كافـيًا لمنع أزمة، أو احتوائها بيُسر إذا حدثت.

توصيات التعافـي الذكي الأخضر واعتبارات تطبيقها

تكررت الإشارة للتعافـي الذكي الأخضر فـي برامج التصدي للجائحة والتعامل مع تداعياتها لاستعادة النمو، سواء فـي الدول المتقدمة أو فـي بعض الدول النامية والأسواق الناشئة. ويقصد بالتعافـي الذكي الأخضر الاعتماد على التحول الرقمي وتحقيق أهداف الاستدامة. وفـي هذا الشأن اعتباران: الاعتبار الأول فإنه بالرغم من خطورة تغيرات المناخ فإن من الخطأ البالغ أن تختزل قضية الاستدامة فـيها وحدها دون غيرها، أو بتحبيذ لإجراءات بعينها ظنًا بأنها وحدها المنجيات من مهالك تدهور أوضاع المناخ وتدني نوعية الحياة على الأرض. فقد جعل التوافق الدولي الذي تم فـي عام 2015 بالإعلان عن أهداف التنمية المستدامة، التصدي لتغيرات المناخ من ضمن أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، ويشكل هذا الهدف ورقمه 13 مع الهدف 14 عن الحياة تحت الماء، والهدف 15 عن الحياة فـي البر - مجموعة متكاملة للأبعاد البيئية والحفاظ على تنوعها والعمل المناخي بمقتضى التزامات اتفاق باريس. ولكن ما يجري حاليًّا من اختزال للاستدامة فـي هدف واحد مع افتراض شديد السخاء مقتضاه أن الاستثمار فـي التصدي لتغيرات المناخ ستصاحبه منافع مشتركة بما يحقق التنمية المنشودة - يهدد بترسيخ التباين والتنافر بإيجاد مسلكين متباعدين: مسلك سريع توجه إليه الاستثمارات وسبل التمويل وترتاده دول متقدمة من أنصار المفهوم الضيق للاستدامة بقصرها على ما يتعلق بتغيرات المناخ، ومسلك بطيء شحيح الموارد تصارع فـيه الدول النامية ترتيب أولوياتها لتحقيق باقي أهداف التنمية المستدامة، والتي لن تتحقق تلقائيًّا بفضلات المنافع المشتركة الموعودة لاستثمارات العمل المناخي. 

وستأتي فرصة للبلدان النامية لاستعراض هذا المنهج الشامل للتعافـي ومتطلبات نجاحه مع استضافة مصر لقمة تغيرات المناخ السابعة والعشرين فـي نوفمبر 2022. وقد أسست مصر وطورت فـي جنوب البلاد فـي خلال السنوات الماضية أحد أكبر مشروعات الطاقة المتجددة بمشاركات دولية واستثمارات عامة وخاصة، وتنتشر فـي شرقها مزارع طاقة الرياح، كما تستثمر فـي أكثر مشروعات توطين التنمية طموحًا باسترشاده بأهداف التنمية المستدامة فـي القضاء على الفقر والارتقاء بالبنية الأساسية والمرافق الخدمية لأكثر من 60% من السكان. 

الاعتبار الثاني يتعلق بالمكون الذكي لبرامج التعافـي وهو ما يتطلب الاستثمار فـي نظم البيانات وشبكات المعلومات وأمنها. فما يعرف بمخاطر الأمن السيبراني يحتل المرتبة الأولى كما فـي الأمريكتين أو الثانية فـي سائر الأقاليم الأخرى وفقًا لتقرير أكسا المشار إليه فـي هذا المقال. فقد كان للجائحة أثر معجل لدور شبكة المعلومات والتحول الرقمي مع تزايد وتكرار الإغلاق الكلي والجزئي للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية. وهناك تعدد لمصادر تهديد أمن المعلومات بين ما تقوم به جهات تابعة لحكومات أو عصابات أو أفراد منتظمو الهجوم على المواقع أو حالات عشوائية منفردة. وأن الأكثر تهديدًا من الأنشطة الاقتصادية هو ما يعمل منها فـي مجالات الخدمات المالية والبيع بالتجزئة ثم النقل والإعلام، بخسائر فـي الإيرادات وثقة المتعاملين والتعرض لانخفاض حاد فـي أسعار الأسهم.  وإن كان الأكبر تأثيرًا وخطورة على الأمن وسلامة المجتمع هو ما يوجه للمرافق العامة وشبكات الطاقة. ومع تزايد حالات اختراق أمن شبكات المعلومات ارتفعت القيود الرقابية وإجراءات الحماية المطلوبة بما جعل سوق أمن المعلومات من الأكثر نموًا فـي خلال الأعوام الماضية مع اتجاه عام لمزيد من التوسع فـي المستقبل.

أولويات فـي صياغة السياسات المساندة للتعافـي على مستوى الدولة لتجنب عثرات تطبيق سياسات النمو المساند للتعافـي من الجائحة وتداعياتها وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، هناك أربع أولويات يمكن تلخيصها فـيما يأتي: 

أولًا: الإلمام بمعطيات الاقتصاد السياسي وثقافة المجتمع المعني وتوقعات المواطنين على مستوى كل دولة معنية.

ثانيًا: التواصل لتوضيح السياسات ومقاصدها وتكاليفها وعوائدها المتوقعة والمقارنة ببدائلها.

ثالثًا: توفـير البيانات والمعلومات الدقيقة لمساندة القرار الاقتصادي، سواء على مستوى الدولة أو المشروعات، ومتابعة النتائج.

رابعًا: تعبئة الموارد المالية العامة وتحفـيز التمويل الخاص المحلي والأجنبي للاستثمار فـي مشروعات التنمية مع تفعيل آليات المشاركة بين الدولة والاستثمارات الخاصة، على أن تشمل هذه الاستثمارات، وفقًا لمزاياها النسبية، تطوير وصيانة البنية الأساسية، ومراجعة المشروعات الإنتاجية والطاقات المعطلة، والتركيز على المشروعات ذات القيمة المضافة والبحث والابتكار والتطوير، بما فـي ذلك مجالات التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر وتلك المولدة لفرص العمل، مع أهمية اتباع قواعد المنافسة بين المشروعات وزيادة تنافسية الاقتصاد.

وختامًا، هناك ضرورة لإدراج إجراءات التصدي والتعافـي من الجائحة فـي إطار تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية 2030؛ فهذه الإجراءات قد تركز بطبيعتها على أهداف الأجل القصير، ولكن لاستعادة النمو والاطمئنان على استمراره وشموله للقطاعات الاقتصادية والأقاليم المختلفة ينبغي أن تكون هذه الإجراءات مساندة لاستثمارات الأجل الطويل الموجهة للارتقاء برأس المال البشري، وتطوير رأس المال المادي بما يشمل البنية الأساسية والتكنولوجية، ومراعاة الأبعاد البيئية وتغيرات المناخ. وهذا كله يحتاج إلى تنسيق بين السياسات العامة وتفعيل كفاءة المؤسسات القائمة عليها لتحقيق الصالح العام.

تقييم الموقع