IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

كيف ستؤثر العقوبات الغربية على روسيا وأوروبا؟

 الإثنين. 07 مارس., 2022

كيف ستؤثر العقوبات الغربية على روسيا وأوروبا؟

 د. نـورهان الشيــخ

تَعتبِر روسيا العقوبات بمثابة إعلان حرب ضدها، وتعمل على تطوير نظم بديلة لتلك الغربية مع شركائها وفي مقدمتهم الصين، الأمر الذي قد يحدث تحولات باتجاه نظام اقتصادي عالمي جديد، يفقد فيه نظام "بريتون وودز" الأمريكي هيمنته المطلقة.

على خلفية الأزمة الأوكرانية فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومعهما كندا واستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، مجموعة من العقوبات على روسيا لم يسبق لها مثيل حتى فى زمن الحرب الباردة؛ بهدف الضغط على موسكو لوقف عملياتها العسكرية في أوكرانيا. وقد تضمنت العقوبات حزمتين، اقتصادية وثقافية، في استهداف واضح ليس فقط للاقتصاد الروسي، ولكن الروح المعنوية العامة في الداخل الروسي. ورغم أهمية الأخيرة، حيث شملت الرياضيين الروس، ورموز الأدب والفن الروسي، ووقف بث القنوات التليفزيونية والمنصات الإخبارية الروسية، فإن العقوبات الاقتصادية تظل هي الأكثر إيلامًا. 

لعل أكثرها تأثيرًا تجميد ألمانيا منح تصاريح لخط "نورد ستريم 2" الروسي لتصدير الغاز إلى أوروبا، وإقصاء روسيا عن نظام سويفت الذي يسمح بتحويل الأموال بين الدول المختلفة، وتجميد أصول مملوكة للبنك المركزي الروسي وبنوك روسية، للحد من إمكانية وصول روسيا لمواردها المالية بالخارج، ومنع الشركات والحكومة الروسية من الحصول على أموال من الأسواق الأمريكية والأوروبية، وتتبع الأصول الروسية والعمل على تجميدها، سواء كانت مملوكة لأشخاص أو شركات، وتعليق تراخيص التصدير للسلع التي يمكن استخدامها في أغراض مدنية وعسكرية، ووقف تصدير السلع ذات التقنية العالية، ومعدات تكرير النفط لروسيا. وهي بذلك تستهدف 70% من البنوك الروسية أى نحو 600 بنك، و70% من الأسواق المالية الروسية والشركات الكبرى المملوكة للدولة، بما فيها الشركات المملوكة لوزارة الدفاع إلى جانب قطاع الطاقة الروسي الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد الروسي. كما أنها المرة الأولى التي يتم فيها فرض عقوبات على البنك المركزي لإحدى دول مجموعة العشرين الكبرى.

يضاف إلى هذا، إغلاق 36 دولة أوروبية والولايات المتحدة وكندا مجالها الجوي أمام روسيا، وفرض عقوبات على مسؤولين وشخصيات روسية بارزة، منهم الرئيس "فلاديمير بوتين" ووزير الخارجية "سيرجي لافروف"، والمتحدث باسم الكرملين "ديمتيرى بيسكوف"، وعدد من رجال الأعمال الروس، وأكثر من 300 من البرلمانيين الروس.

التداعيات على روسيا:

العقوبات على هذا النحو تهدف إلى إحداث ركود اقتصادي، وفوضى في القطاع البنكي، وإثارة حالة من عدم الرضا وعدم الاستقرار فى روسيا. فى ضوء ذلك، من المتوقّع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.6٪ عن التوقعات السابقة بحلول نهاية عام 2023، وهناك حالة من الارتباك فى التعاملات مع روسيا، كما انخفضت قيمة العملة الروسية (الروبل) مقابل الدولار بنسبة 41.50% ليصل إلى 119 روبل لكل دولار، وارتفعت معدلات التضخم إلى 20٪.

وتعمل روسيا جاهدة للتصدي لهذه العقوبات وتعزيز ما وُصف بأنه "دفاعات موسكو الاقتصادية"، وذلك منذ فرض عقوبات غربية ودولية عليها بعد ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014. وتضمن هذا استمرار روسيا في تعزيز احتياطاتها من النقد الأجنبي للتخفيف من حدة العقوبات وتوفير السيولة في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة المتوقّعة، وامتصاص الصدمة الأولى للعقوبات. وقد بلغ احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي الروسي 643.2 مليار دولار في 18 فبراير من العام الجاري، وهو بذلك رابع أكبر احتياطي نقدي في العالم. 

كذلك اتخذت روسيا خطوات لتخفيف تداعيات استبعادها من نظام سويفت، إذ أنشأت موسكو نظام الدفع الخاص بها "إس بي إف إس" (SPFS)، ويشمل 400 مستخدم، وفقًا للبنك المركزي الروسي، ويتم من خلاله 20% من التحويلات المحلية. وأعلن حاكم بنك روسيا المركزي عن أن هذا النظام يمكن لجميع المتعاملين في الداخل والخارج استعماله، وهو مرتبط بنظام البنوك في الصين.  كما يمكن لروسيا إجراء التحويلات المالية باستخدام أنظمة أخرى، ومنها على سبيل المثال، نظام "كروس بوردر" الصيني للتحويلات المالية. ومع إعلان شركة "ماستركارد" و"شركة "فيزا" تعليق خدمات بطاقاتها البنكية في روسيا، بدأت البنوك الروسية فى الاعتماد على النظام الصيني للمدفوعات "UnionPay" في إصدار البطاقات، وهو نظام معمول به فى 180 دولة.

وتعول روسيا كثيرًا على حصاد تحركاتها على مدى السنوات الثماني السابقة في فضاءات اقتصادية أوسع في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، والتعامل بالعملات الوطنية مع عدد من شركائها الاقتصاديين، وفي مقدمتهم الصين والهند، والأطر الاقتصادية التي تقودها، مثل الاتحاد الأوراسي ومجموعة بريكس، للتخفيف من وطأة العقوبات عليها. 

كما أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية لم تتمكن من عزل روسيا بشكل كامل عن نظام سويفت، نظرًا لأن هذا الأمر يترتب عليه عجز الدول الأوروبية عن سداد قيمة الواردات الروسية من الغاز والبترول والفحم، ويجمد مختلف أوجه التبادل التجاري الأوروبي مع موسكو الذي بلغت قيمته 269.5 مليار دولار عام 2020.

التداعيات على أوروبا:

تأمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى أن تؤدي العقوبات إلى انهيار الاقتصاد الروسي، إلا أن الاقتصاد الأوروبي سيتضرر أيضًا. ففي ارتداد مباشر للعقوبات الأوروبية تكبّدت الشركات الأوروبية خسائر فادحة من قرار إغلاق الأجواء الأوروبية أمام الطيران الروسي بعد أن ردّت روسيا بالمثل، وانخفضت أسهم معظم شركات الطيران الأوروبية بنسبة 6٪، وفقًا لتقديرات International Airlines Group، ووصلت إلى 32٪ في حالة الطيران الفنلندي Finnair، كما لم يعد بإمكان الطائرات الأوروبية الطيران مباشرة إلى شرق آسيا؛ مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الرحلات المتوجهة إليها.

كذلك شهدت أسعار المواد الخام ارتفاعًا غير مسبوق، وعلى سبيل المثال، تجاوز سعر الألومنيوم أثناء التداول في بورصة لندن للمعادن رقمًا قياسيًّا تاريخيًّا، حيث ارتفع إلى 3850 دولارا للطن،  والأهم ارتفاع أسعار الطاقة لا سيما النفط إلى نحو 119 دولارًا للبرميل لأول مرة منذ عام 2008، وتضاعفت أسعار الغاز لتصل إلى 2279 دولارًا لكل ألف متر مكعب. وتبلغ الصادرات الروسية من النفط نحو 7.4 ملايين برميل يوميًا، يذهب 27% منها إلى دول الاتحاد الأوروبي، و7% إلى السوق الأمريكية، في حين يصل معدل اعتماد الاتحاد الأوروبي في مجمله على الغاز الطبيعي الروسي إلى 40%، وفق تقديرات معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة، كما تصل نسبة اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على الصادرات الروسية من الفحم إلى ما يقرب من 47%،؜ ولا توجد بدائل جاهزة يمكن أن تحل محل الصادرات الروسية في التوقيت الحالي للأزمة. 

وقد أشار وزير الاقتصاد الألماني، "روبرت هابيك"، أن بلاده تتوقع أن تكون للعقوبات المفروضة على روسيا تداعيات كبيرة على الاقتصاد الألماني، وأوضح أن لدى الشركات الألمانية نحو 20 مليار يورو من الاستثمارات في روسيا، إضافة إلى النقص في سلاسل الإمداد العالمية، حيث تحصل برلين على 50% من احتياجاتها من الغاز، و55% من الفحم الحجري، و35% من احتياجاتها من النفط من روسيا. 

يضاف إلى هذا استمرار الأضرار القائمة على مدى ثماني سنوات جراء حزم العقوبات المتتالية التي تم فرضها منذ عام 2014، والعقوبات التي فرضتها موسكو وتضمنت حظر استيراد المواد الغذائية والمنتجات الزراعية من الدول الأوروبية التي انخرطت في العقوبات ضدها، وقدَّرتها وزارة التنمية الاقتصادية الروسية بنحو 100 مليار دولار خسائر للاتحاد الأوروبي خلال عامي 2014/ 2015، مقابل 25 مليار دولار خسائر لروسيا، وتعد الدول الأوروبية الزراعية التي كانت تتخذ من روسيا سوقًا أساسية لها، مثل فنلندا واليونان، الأكثر تضررًا.

وفي تحليل أجرته وحدة المعلومات الاقتصادية ((EIU، البريطانية المستقلة، فإنه من المتوقَّع أن يتعرض نمو الاقتصاد العالمي لضربة كبيرة جراء الوضع المرتبط بأوكرانيا ولخسائر بما لا يقل عن 400 مليار دولار، وأن تكون الدول الأوروبية الأكثر تعرضًا للتأثر الاقتصادي. ومن المتوقَّع أن تتعرض دول أوروبا الشرقية الأكثر اعتمادًا على التجارة الروسية، مثل ليتوانيا ولاتفيا، إلى ضربات شديدة. هذا، وقد خفضت الوحدة توقعاتها للنمو الأوروبي للعام 2022 إلى 2% بدلاً من 3.9%. 

كذلك، حذّر تقرير للمعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في المملكة المتحدة، من أن الاقتصاد العالمي قد يخسر ما يصل إلى تريليون دولار هذا العام جراء الصراع في أوكرانيا، وحذّر التقرير من ارتفاع معدلات التضخم بنسبة 3% في العام الحالي نتيجة الأزمة في سلاسل التوريد التي تتعرض لمزيد من التصدع، وقد يصل متوسط معدل التضخم في المملكة المتحدة إلى 7٪ هذا العام. وحث المعهد البنوك المركزية على زيادة أسعار الفائدة "ببطء فقط أثناء تقييمها لتأثير المواجهة على الدخل الحقيقي". 

وحتى الولايات المتحدة سيطالها الضرر، صحيح أن حجم التجارة الأمريكية الروسية ليس بكبير، حيث صدّرت الولايات المتحدة ما قيمته 6.4 مليارات دولار فقط إلى روسيا عام 2021، وفقًا لبيانات وزارة التجارة، مقارنة بـ 151 مليار دولار مع الصين، إلا أن ارتفاع أسعار النفط يُلقي بأعباء على الاقتصاد والمواطن الأمريكي. كما أن العقوبات الجوابية من جانب موسكو قد تكون موجعة، خاصة تلك المتعلقة بوقف التعاون في مجال الفضاء. فقد أعلنت شركة "روسكوسموس" الفضائية الروسية إيقاف تصدير محركاتها لأمريكا، ويتضمن ذلك محركات RD-180، التي ينطلق بها صاروخ "أطلس 5" كمحرك رئيس، ومحرك RD-181، والذي تستخدمه المرحلة الأولى من صواريخ أنتاريس الأمريكية. كما أوقفت موسكو صيانة المحركات، ويشمل ذلك 24 محركًا من طرازRD-180، مما يعرقل كثيرًا البرنامج الفضائي الأمريكي، كما أعلنت موسكو وقف التعاون مع بريطانيا الأمر الذى قد يسبب خسائر تقدر بنحو 8 مليارات دولار.  وكان الكونجرس الأمريكي قد أصدر قرارًا عام 2014 يمنع استخدام محركات الصواريخ الروسية في الولايات المتحدة بعد عام 2019، إلا أنه تراجع عن القرار بسبب عدم قدرة الولايات المتحدة على إنتاج بدائل لهذه المحركات لاستخدامها في صواريخ "أطلس-5"، وسمح فيما بعد لشركة "United Launch Alliance" الأمريكية التي تصنع صواريخ "أطلس-5" أن تستورد 20 محركًا من طراز "RD-180" من "إينيرجوماش" الروسية.  

إن الاعتماد المتبادل والترابط العضوي القائم بين الاقتصاد الروسي والأوروبي يجعل من الصعب إلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي دون أن يمس هذا الضرر أوروبا، خاصة في وقت لا تزال فيه كل الاقتصادات في حالة نقاهة وتعافٍ من تداعيات أزمة "كوفيد – 19" التي اعتصرت العالم أجمع، وعصفت بالاقتصادات الكبرى قبل الصغرى. ومن ناحية أخرى، تَعتبِر روسيا العقوبات بمثابة إعلان حرب ضدها، وتعمل جاهدة على تطوير نظم بديلة لتلك الغربية مع شركائها وفي مقدمتهم الصين، الأمر الذي قد يحدث تحولات مهمة باتجاه نظام اقتصادي عالمي جديد، يفقد فيه نظام "بريتون وودز" الأمريكي هيمنته المطلقة التي تمتع بها على مدار ما يقرب من ثمانية عقود.

تقييم الموقع