IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

الأزمة الأوكرانية.. أبعاد نووية

 الثلاثاء. 08 مارس., 2022

الأزمة الأوكرانية.. أبعاد نووية

 أ‌. السيد صدقي عابدين

الأبعاد النووية للأزمة الأوكرانية كثيرة ومتشعبة؛ مما قد يؤثر بالسلب على مصداقية النظام الدولي لمنع الانتشار النووي، ومن ثمّ فإن القوى الخمس النووية مطالَبة بالإسراع بمبادرات فعلية وذات جداول زمنية محدَّدة وبإشراف من الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتخلص من ترساناتها النووية، وليس مجرد تخفيضها.

الأزمة الأوكرانية التي استعرت حربًا في الأسبوع الأخير من شهر فبراير الماضي تحمل أبعادًا كثيرة سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية وثقافية وجغرافية وتاريخية. ومن بين الأبعاد التي ظهرت بوضوح مع اندلاع العمليات العسكرية الروسية على الأراضي الأوكرانية الأبعاد النووية. هذه الأبعاد ترتبط بجوانب تاريخية وأخرى مستقبلية، فضلًا عما هو حاضر على ضوء التطورات التي طالت بعض المنشآت النووية الأوكرانية. ومنها ما يرتبط بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ومنها ما يرتبط بالاستخدامات العسكرية؛ مما جعل الأمور تصل إلى حد الحديث عن فرص اندلاع حرب نووية، خاصة في ظل حالة التأهب على صعيد قوة الردع النووية الروسية، وردود أفعال القوى النووية الغربية بالذات على ذلك. أضف إلى كل ذلك انعكاسات هذا الجدل وتلك التطورات على سياسات منع الانتشار النووي في ظل وجود قوى نووية خارج نطاق معاهدة منع الانتشار النووي من ناحية، وفي ظل مخاوف من انضمام قوى جديدة لتلك القوى.

كثيرة هي الأسئلة التي تطرحها الأزمة الأوكرانية فيما يتعلق بالأبعاد النووية لتلك الأزمة، وتدور في معظمها حول قضايا الضمانات الأمنية التي تتوفر بالنسبة للقوى النووية، ومدى الالتزام بتلك النوعية من الضمانات التي تقدم لدول كانت نووية مقابل تخلِّيها عما لديها من ترسانة نووية، والسلوك الذي يمكن أن تسلكه تلك الدولة في حال لم يتم الالتزام بتلك الضمانات من قِبل القوى الضامنة. 

القضية الرئيسة الثانية تتعلق بفرص اندلاع حرب نووية في حالات التوتر الشديدة، سواء كان ذلك بقصد وتخطيط مسبق، أو عن طريق الصدفة أو الخطأ في الحسابات والتقديرات. وما يرتبط بذلك من مدى التزام القوى النووية بالمعاهدات والإعلانات الدولية الموقَّعة عليها. القضية الرئيسة الثالثة هنا تتعلق بالمنشآت النووية السلمية، وسبل حمايتها في أوقات النزاعات المسلحة، خاصة في ظل ما يمكن أن تحدثه من أضرار بالغة في حال تعرضت للأضرار التي يمكن أن تؤدي إلى تسرب إشعاعي، ناهيك عما يتسبب فيه ذلك من انقطاع لإمدادات الكهرباء عن أعداد كبيرة من السكان، وقبل كل ذلك إمكانية أن تشن حربًا ضد دولة من أجل منعها من امتلاك السلاح النووي.

خصوصيات الحالة الأوكرانية نوويًّا

أوكرانيا كما هو معلوم كانت ضمن مكونات الاتحاد السوفيتي الذي انهار في نهاية عام 1991، وكانت من بين الجمهوريات التي تشارك روسيا في امتلاك الترسانة النووية للدولة السوفيتية، وفي ظل ترتيبات خاصة تم قصر امتلاك السلاح النووي السوفيتي على روسيا، ونزع ما لدى أوكرانيا من ذلك النوع من أسلحة وفق ترتيبات وضمانات معينة.

بالنسبة لأوكرانيا فإن الوثيقة الأهم التي نظمت تخليها عن السلاح النووي ومن ثمّ انضمامها لمعاهدة منع الانتشار النووي هي مذكرة الضمانات الأمنية، والمعروفة باسم مذكرة بودابست، والتي وقَّع عليها إلى جانب أوكرانيا كل من روسيا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة في الخامس من ديسمبر من العام 1994، والتي تضمنت الترحيب بانضمام أوكرانيا لاتفاقية منع الانتشار باعتبارها دولة غير نووية. فكما هو معلوم لا تعترف المعاهدة الموقَّعة في عام 1968 إلا بقوى خمس نووية، هي: الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والصين، وهي ذاتها الدول صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن، والتي تمتلك حق النقض (الفيتو). في هذه المذكرة تعهّدت كل من روسيا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة باحترام استقلال وسيادة وحدود أوكرانيا القائمة آنذاك، وامتناع الدول الثلاث عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد وحدة الأراضي الأوكرانية أو استقلالها السياسي، وألا يتم استخدام السلاح ضد أوكرانيا إلا في حالات الدفاع عن النفس أو طبقًا لميثاق الأمم المتحدة، وألا تُتخذ إجراءات اقتصادية قسرية ضد أوكرانيا، وأن تسعى هذه الدول على الفور بالبحث من خلال مجلس الأمن الدولي عن تقديم المساعدة لأوكرانيا باعتبارها دولة غير نووية في حال تعرضت لفعل من أفعال العدوان، أو تعرضت للتهديد باستخدام الأسلحة النووية ضدها. وهنا فقد تعهدت الدول الثلاث بعدم استخدام السلاح النووي ضد أوكرانيا بصفتها دولة غير نووية في إطار الالتزام العام لتلك القوى بعدم استخدام هذا النوع من الأسلحة ضد الدول غير النووية. وقد استثنت تلك القوى من ذلك تعرضها لهجوم نووي هي أو حلفائها من قِبل تلك الدولة غير النووية بالتحالف مع دولة نووية أخرى.

من يقرأ هذه العناصر الرئيسة في مذكرة بودابست يقول إن أوكرانيا في مأمن خاصة وأن من بين الضامنين روسيا، إذن فلماذا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟ ولم تعد أراضي أوكرانيا ولا حدودها ولا سيادتها كما وصفت في المذكرة؟. التفسيرات والروايات هنا مختلفة، بل ومتضاربة، وليس هنا موضع الدخول في التفاصيل المطروحة بخصوص كل منها، لكن يمكن القول إن المحصلة النهائية تشير إلى أن بنود هذه المذكرة لم يتم الالتزام بها، وهذا ما دفع الرئيس الأوكراني "فلوديمير زلينسكي" إلى التلميح في كلمته أمام مؤتمر ميونخ للأمن، يوم التاسع عشر من شهر فبراير 2022، بإمكانية التخلي عن هذه المذكرة. وما يعنيه ذلك بطبيعة الحال من إمكانية العودة لامتلاك سلاح نووي، طالما أن التعهدات الدولية التي قُطعت لم تجدِ نفعًا في المحافظة على وحدة وسلامة الأراضي الأوكرانية وسيادتها.

وهنا التقطت روسيا الخيط وحذرت بشدة من ذلك، معتبرة أن أوكرانيا لديها الإمكانات التي تجعلها قادرة على العودة لامتلاك السلاح النووي، معتبرة أن ذلك أمرٌ خطرٌ وشديد التهور، ويمكن القول إن ذلك بات من بين ما يُساق من مبررات ليس فقط لعمليتها العسكرية، بل ولما تطرحه من شروط لإنهاء هذه العملية. ومعلوم أن من بين ما تطالب به روسيا أن تكون أوكرانيا منزوعة السلاح وليس السلاح النووي فقط بطبيعة الحال. لكن أوكرانيا التي تتحدث عنها روسيا الآن ليست هي أوكرانيا التي ارتضت بمذكرة بودابست نهاية العام 1994.

من بين خصوصيات الحالة الأوكرانية التاريخية أيضًا أن أكبر كارثة نووية مرتبطة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية وقعت على أراضيها، عندما كانت ضمن حدود الاتحاد السوفيتي في عام 1986، حين وقع انفجار في أحد مفاعلات محطة تشيرنوبل النووية، ومعلوم التداعيات التي أحدثها هذا الانفجار. وربما كان هذا الانفجار من بين المؤشرات التي كانت تنذر بالحالة التي وصلت إليها الدولة السوفيتية، ومن ثمّ انهيارها بعد سنوات قليلة. وبالنسبة لهذه المحطة فقد وضعتها القوات الروسية في عمليتها العسكرية نصب عينيها، وسيطرت عليها مبكرًا، وعلى غيرها من المحطات النووية بما فيها محطة زاباروجيا، والتي وقع الحريق في محيطها. واختلفت الروايات حول ما حدث بالضبط، وقد عقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة لمناقشة هذا الأمر، وأعرب رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن استعداده لزيارة أوكرانيا من أجل معاينة الأوضاع على الأرض، ومناشدًا الأطراف كافة بالمحافظة على سلامة المنشآت النووية السلمية، وعدم التأثير على عملها، وتمكين العاملين فيها من القيام بمهامهم. علمًا بأن الكثير من المصادر تشير إلى أن المحطات النووية الأوكرانية، والتي بنيت كلها في الحقبة السوفيتية وتزوِّد البلاد بنحو 50% من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية تحتاج إلى جهود كثيرة من أجل الارتقاء بمعايير السلامة فيها، خاصة وأنها تخطت العمر الافتراضي لها. وبالفعل كانت هناك خطة للقيام بذلك لكنها لم تنفذ، أي أن هذه المفاعلات وحتى دون عمليات عسكرية في حاجة إلى تعامل خاص.

التداعيات الدولية للخصوصيات النووية في الحالة الأوكرانية

نقطة البداية في هذه التداعيات تتعلق بحجية ومصداقية التعهدات التي تُقطع للدول سواء من أجل التخلي عما امتلكته من سلاح نووي، أو للتخلي عن طموحاتها وخططها للسير في طريق امتلاك السلاح النووي. فالعالم به قوى نووية من غير تلك الخمس المالكة للسلاح النووي، ولم يتم الاعتراف بأي منها كقوة نووية طبقًا لمعاهدة منع الانتشار النووي. وهناك مطالبات لها بالتخلي عما تمتلكه من هذه الأسلحة، كما أن إحداها تتعرض لعقوبات دولية مغلَّظة، ناهيك عن عقوبات أخرى تفرضها الكثير من الدول بشكل منفرد. بينما في حالة أخرى تتصدى ذات القوى التي تفرض تلك العقوبات المغلَّظة ضد ـ ليس فقط ـ فرض عقوبات، وإنما حتى الحيلولة دون مناقشة الأمر، وإن كان ذلك النقاش في إطار عام وليس محدَّدًا ومخصَّصًا لتلك الحالة. وفي حالتين أخريين فُرضت عقوبات طفيفة مع اختلاف في الدرجة، وما لبثت أن تبخرت تلك العقوبات. الحالات الأربع المعنيَّة هنا هي بالترتيب كوريا الشمالية، وإسرائيل، والهند، وباكستان.

إذن فالتعامل الدولي مع الدول النووية خارج نطاق معاهدة حظر الانتشار متفاوت إلى حد التعارض؛ مما يطرح تساؤلات كثيرة حول المعايير التي تستخدم في تلك الحالات. والأمر الواضح هنا أن آخر ما يُنظر إليه هو المعايير القانونية الدولية، وأن ما يُقال من كلام نظري حول تهديد الانتشار النووي للسلم والأمن الدوليين يُرفع حينًا ويُغَض الطرف عنه أحيانًا أخرى. فما الذي يحكم تلك المسائل لدى بعض القوى النووية الخمس؟ من الواضح أن الأمر تحكمه ما تراه تلك الدول من مصالح وطنية عليا لها ولحلفائها بالأساس.

هذا التفاوت في حد ذاته يشكِّك كثيرًا ليس فقط في سلوك تلك القوى النووية الخمس، وإنما في النظام الدولي لمنع الانتشار برمته، خاصة وأن تلك الدول لم تقدم على خطوات ملموسة على صعيد التخلي عن ترساناتها النووية من ناحية أولى، ومن ناحية ثانية فإنها إما غير قادرة على الوفاء بالتزامات قطعتها لدول كانت نووية، أو أنها تعصف بتلك الالتزامات، أو تلغي اتفاقات كانت بمثابة ضمانة لعدم سير دول معينة خطوات أكثر يمكن أن تؤهلها لامتلاك السلاح النووي إن هي أرادت.

كل ذلك سيجعل من الصعوبة بمكان في المستقبل إقناع بعض الدول التي لديها طموحات نووية بالركون إلى التعهدات والالتزامات التي تُقطع لها. فها هي ترى دولة كانت نووية جُردت مما لديها، والذي كان يمكن أن يكون رادعًا مهمًّا لها ضد أي مساس بسيادتها ووحدة وسلامة أراضيها، ولم تشفع لها التعهدات التي قُطعت لها حتى تتخلى عن تلك الأسلحة. وفي الوقت نفسه ترى دولًا أخرى أصرت على امتلاك السلاح النووي، مؤكدة أن ذلك لحماية سيادتها وبقائها، وتمكنت بالفعل من ردع الدول الأخرى عن المساس بها، حتى وإن كانت قوة عظمى ودولًا نووية، كما هو الحال بالنسبة لكوريا الشمالية، والتي على الأغلب ستزداد قناعاتها بخصوص ترسانتها العسكرية تقليدية كانت أم غير تقليدية، ومن ثمّ سيزداد الأمر صعوبة وتعقيدًا إن لم يصل إلى حد الاستحالة بالنسبة لتخلِّيها عما لديها من سلاح نووي.

إذا كانت روسيا تقول إن من بين أسباب ما تسميه عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا الحيلولة دون امتلاك الأخيرة للسلاح النووي، فهل من حق أي دولة أن تشن مثل هذه العملية على دولة أخرى لمثل هذا المبرر؟، من المفترض أن هناك هيئة دولية معنيَّة بشؤون الطاقة الذرية، منوط بها القيام بمهام التفتيش والرقابة على المشروعات النووية السلمية في شتى الدول التي لديها مثل هذه البرامج، وهي التي يمكنها الحكم بما إذا كانت تلك الدولة قد تجاوزت التزاماتها أم لا، ومن ثمّ ما يمكن أن يُتخذ ضدها إجراءات سواء من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو مجلس الأمن. أما أن يترك الأمر لقرارات أحادية من بعض الدول، فهذا من شأنه بث المزيد من الفوضى والصراعات في العالم، وما ينتج عن كل ذلك من ويلات وكوارث إنسانية، وقد كان التاريخ القريب شاهدًا على تدمير دولة بسبب مزاعم من هذا النوع. وقد اعترف الكثير من القادة الذين شاركوا في الترويج لغزو العراق تحت ذريعة التخلص مما يمتلكه من أسلحة دمار شامل أن ما سيق في هذا المجال لم يكن إلا تلفيقات، وعلى أحسن التقديرات كان تكهنات. فهل تُدمر الدول تحت بند التكهنات والتلفيقات؟.

برز مع الحالة الأوكرانية مصطلح الحرب النووية، مع ملاحظة أن الجميع وأولهم القوى النووية يعلم أن مثل هذه الحرب قد تحمل معها فناء البشرية. ومع ذلك فقد أعلنت روسيا عن حالة تأهب قصوى في قوات الردع النووي، فهل هذا التأهب جاء مخافة التعرض لهجوم نووي مباغت أم أنه قد جاء لأهداف سياسية مفادها أن روسيا مصِّرة على تحقيق أهدافها ليس فقط في أوكرانيا، وإنما بالحصول على مطالبها التي قدمتها للولايات المتحدة وحلف الناتو نهاية العام الماضي بعدما فاض بها الكيل بخصوص سياسات الحلف والسياسات الأمريكية في جوارها القريب؟. أيا كان الهدف فالأمر جد خطير، وفي أحد معانيه أن القوات النووية يمكن أن تُستخدَم، سواء أكان هذا الاستخدام تكتيكيًّا أم استراتيجيًّا. وكما هو معلوم فإن العقائد العسكرية للقوى النووية لا تستبعد استخدام تلك الأسلحة كلية، كما أنها تنفق بسخاء على تطوير تلك الأسلحة، رغم ما تحويه ترساناتها من قدرات تدميرية هائلة، ورغم أنها من المفترض أن تسعى للتخلص من تلك الترسانات طبقًا لما تنص عليه معاهدة منع الانتشار النووي.

ويبدو أن القوى الخمس النووية لديها مخاوف فعلية من احتمالية وقوع حرب نووية ولو عن طريق خطأ في الحسابات، ومن ثمَّ فإنها كانت قد أصدرت بيانًا في الثالث من شهر يناير 2022، تحت عنوان "منع الحرب النووية وتجنب سباقات التسلح"، وهذا هو البيان الذي أشار إليه وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" في أحاديثه عن الموضوع في الأيام الأولى من شهر مارس الحالي، أي بعد حوالي شهرين من الإعلان المذكور، والذي أشار إليه "لافروف" نافيًا أن تكون بلاده في مسعى إلى شنّ حرب نووية، وأن الحديث عن هذه الحرب هو لدى الجانب الغربي، الذي وصف سلوكه بالهستيري، وهو وصف روسي لازم التصرفات الغربية حتى قبل اندلاع العمليات العسكرية في أوكرانيا. وبالعودة إلى البيان المذكور نجد أنه اعتبر أن تجنب نشوب حرب نووية يقع على رأس أولويات القوى الخمس النووية، مبينًا أنه لا يمكن الانتصار في مثل هذه الحرب، وأن عواقبها ستكون بعيدة المدى، وأن هذه الأسلحة لا يجب إلا أن تكون مستدركًا "طالما استمرت حيازتها" خدمة لأغراض دفاعية، وأداة لردع العدوان ومنع الحرب. وهنا تظهر إشكالية كبرى، فكيف للقوى العظمى أن تقدم هذا الطرح فيما بينها وتمنعه على غيرها من الدول؟، وللعلم فإن دولة مثل كوريا الشمالية تقول إنها امتلكت السلاح النووي لنفس هذا الغرض الذي تسوقه القوى الخمس النووية، وهو الردع ومنع الحرب.

ورغم أن البيان أشار إلى أهمية المحافظة على الاتفاقيات والالتزامات الثنائية ومتعددة الأطراف بخصوص حظر الانتشار النووي وضبط التسلح، لكن الواقع يثبت أن الأمور تسير عكس ذلك تمامًا، بما يمثله ذلك من رسالة سلبية لمختلف دول العالم. وقد أشار إلى هذا الأمر كبار المسؤولين الدوليين على مدار سنوات بمن فيهم الأمناء العامون للأمم المتحدة، محذرين من خطورة تصرفات القوى الكبرى في هذا السياق، وكان لافتًا أيضًا أن البيان أشار إلى ضرورة "منع الاستخدام غير المصرَّح به أو غير المقصود للأسلحة النووية unauthorized or unintended use of nuclear weapons".

تبقى مسألة مهمة في هذا السياق وهي المرتبطة بالمحافظة على سلامة المحطات النووية السلمية في أوقات الصراعات المسلحة، ففي حالة محطة زاباروجيا هناك روايتان؛ الأولى أوكرانية مفادها أن القوات الروسية هي التي استهدفت المحطة، وأنها بذلك تهدد ليس فقط أوكرانيا ولكن كل أوروبا بمخاطر الإشعاع النووي في حال حدوث تسرُّب نووي جراء قصف المحطة، وقبل ذلك فهي تحرم السكان من إمدادات الكهرباء. أما الرواية الروسية فتقول بوضوح إن ما حدث هو قيام بعض ممن تسميهم بالمتطرفين باستفزاز القوات الروسية الموجودة بالفعل في محيط المحطة المذكورة، والتي لم تجد بدًّا من الرد على الاستهداف الذي تعرضت له، وأن الحريق قد وقع في محيط المحطة النووية وليس داخلها، وأنها كانت حريصة منذ البداية على تأمين المحطات النووية، وتسوق حججًا كثيرة في تفنيدها للرواية الأوكرانية. وبعيدًا عن الروايات والروايات المضادة فإن ما حدث في أوكرانيا يطرح تحديًا بات ماثلًا أمام الأعين يتعلق بسلامة وأمان المفاعلات النووية في حال اندلاع عمليات عسكرية في الدول والمناطق التي تضم مثل هذه المنشآت، فلم يعد الأمر يتعلق بمجرد توافر معايير الأمان والسلامة التشغيلية التي يشرف عليها فنِّيون، وترعاها وكالات وطنية ودولية، وإنما باتت هناك احتمالات قائمة إما لإخراج هذه المحطات عن الخدمة، أو تعرُّض العاملين فيها لمخاطر، أو تراجع معايير السلامة والأمان الفني، أو حتى تدميرها جزئيًّا أو كليًّا، وكذلك تدمير طرق الوصول إليها، والتأثير سلبًا على أسباب تشغيلها.

ولا يحب إغفال أن الحالة الأوكرانية تحمل خصوصية ربما لا تكون موجود في حالات أخرى مستقبلًا، والمتمثلة في أن كل ما لديها من مفاعلات نووية بُنيت في الحقبة السوفيتية، أي أن لدى روسيا كل صغيرة وكبيرة عن تلك المحطات، بما يمكنها من السيطرة عليها، وحتى تشغيلها في حال اقتضت الضرورة ذلك، بينما في حالات صراعية قد تنشأ مستقبلًا قد لا يكون الأمر كذلك مما يزيد المسائل تعقيدًا.

لقد أثار حادثا تشيرنوبيل 1986، وفوكوشيما 2011 مخاوف كثيرة، ودفعا ببعض الدول للتفكير جديًّا للتخلص مما لديها من مفاعلات نووية، وفي حالات أخرى بات التركيز أكثر على معايير السلامة والأمان في المحطات النووية. والحادثان كانا لأسباب فنية في الحالة الأولى، وأسباب طبيعية في الحالة الثانية جراء كارثة تسونامي الذي تولّد عن زلزال توهوكو الكبير الذي ضرب اليابان في الحادي عشر من مارس من العام المذكور، وما حدث في محطة زاباروجيا، وإن كان لم يصب المحطة ذاتها، إلا أنه يفتح المجال واسعًا لنقاش مفصل ربما يؤدي إلى اتفاق دولي معني فقط بوضع المنشآت النووية السلمية في أوقات الصراعات المسلحة. 

وختامًا، فإن الأبعاد النووية للأزمة الأوكرانية كثيرة ومتشعبة، وتطرح من التساؤلات الكثير، وتثير من الإشكاليات الأكثر، يشمل ذلك المستويات الوطنية والإقليمية والدولية؛ مما قد يؤثر بالسلب على مصداقية النظام الدولي لمنع الانتشار النووي، ومن ثمّ فإن القوى الخمس النووية مطالَبة بالإسراع بمبادرات فعلية وذات جداول زمنية محددة وبإشراف من الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتخلص من ترساناتها النووية، وليس مجرد تخفيضها، خاصة وأن العدد قد ينخفض لكن القدرة التدميرية تزيد أضعافًا مضاعفة. ولا يكفي هذه القوى أن تبث الطمأنينة فيما بينها بخصوص منع اندلاع مواجهة نووية، وإنما كل دول العالم تحتاج إلى تلك الطمأنينة، بما في ذلك الأقاليم التي بها قوى نووية بالفعل أو ذات طموح نووي. ولا يجب إغفال وجود اتجاهات رأي عام في بعض الدول الخاضعة للتهديد النووي بالميل إلى امتلاك أسلحة نووية لضمان الردع النووي، ومثل هذه الاتجاهات قد تمثِّل عامل ضغط على صناع القرار، وفي بعض الحالات قد يغذيها صنَّاع القرار إذا ما كانوا منحازين لهذا الخيار. وفي ضوء ذلك، فإن السلوكيات الجادة من القوى الخمس النووية والخطوات العملية قد تساعد في إقناع القوى التي امتلكت السلاح النووي خارج نطاق اتفاقية منع الانتشار بالتخلي عما لديها من تلك الأسلحة؛ اقتداءً بما تقوم بها القوى الخمس النووية، ولو بشكل تدريجي.

هذه هي خطوات الحد الأدنى اللازمة لكي يسير العالم باتجاه التخلص من تلك الأسلحة ذات القوة التدميرية الهائلة؛ حتى لا تصل الأمور إلى حدود الفوضى النووية، والتي قد تزداد سوءًا ليس فقط بتوسع دائرة الدول المالكة لتلك الأسلحة، وإنما بوقوع تلك النوعية من الأسلحة في أيدي المجموعات المسلحة الإرهابية، ومع كل ذلك لا بد أن تكون هناك ضمانات لعدم العودة إلى امتلاك تلك الأسلحة في حال التخلي عنها. إن الأزمة الأوكرانية على تعقيداتها وتداعياتها السلبية على نواحٍ كثيرة، ربما يكون من بين دروسها المستفادة درس التخلي عن السلاح النووي، وفي الوقت ذاته ربما ينفلت العقال النووي بعد تلك الأزمة، ويبقى المفتاح الذي سيفتح بوابة الولوج إلى أي من المسارين في أيادي القوى الخمس النووية بالأساس. 

تقييم الموقع