IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

كيف يصبح الاقتصاد الدائري جزءًا من معادلة العمل المناخي؟

 الأحد. 20 مارس., 2022

كيف يصبح الاقتصاد الدائري جزءًا من معادلة العمل المناخي؟

 أ. سهير الشربيني

في الآونة الأخيرة، اجتاحت العالم رغبة حقيقية إزاء تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتحقيق الأهداف المنصوص عليها في اتفاقية باريس بحلول عام 2050.

في الآونة الأخيرة، اجتاحت العالم رغبة حقيقية إزاء تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتحقيق الأهداف المنصوص عليها في اتفاقية باريس بحلول عام 2050. 

برز ذلك بصورة جلية خلال محادثات المناخ الأخيرة

«كوب 26»، التي شجعت البلدان والشركات للتركيز بشكل كبير على السعي نحو معالجة تغير المناخ من خلال إزالة الكربون من قطاع الطاقة.

فخلال السنوات القليلة الماضية، سار العالم بخطوات حثيثة نحو التحول إلى الطاقة المتجددة عوضًا عن الوقود الأحفوري في سبيل التغلب على تحديات المناخ.

 إلا أن ذلك يبدو غير كافٍ وحده للقضاء نهائيًا على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.  إذ تشير الأبحاث إلى أن التحول إلى الطاقة المتجددة، من الممكن أن يقضي على نحو ٥٥% فقط من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم. 

ووفقًا لما خلصت إليه مؤسسة «إلين ماك آرثر» في تقرير صادر عنها في عام 2019، فإن تحقيق الأهداف المناخية يتطلب معالجة الـ 45% المتبقية من الانبعاثات المرتبطة بتصنيع المنتجات. الأمر الذي يتطلب إحداث تحول أساسي في النهج العالمي تجاه تغير المناخ، والعمل بالتوازي مع التحول إلى الطاقة المتجددة، بإدراج الاقتصاد الدائري ضمن الأجندات الوطنية لدول العالم، والاعتماد عليه كطريقة لصنع وإنتاج المواد والمنتجات الغذائية، بما يوفر بدوره حلًا منهجيًا إضافيًا وفعالًا من حيث التكلفة لمواجهة تحدي المناخ.

هذا وتأتي أهمية تبني الاقتصاد الدائري انطلاقًا من الدور الذي تلعبه الصناعة والزراعة في زيادة الانبعاثات الضارة، فبينما تنبعث غازات الاحتباس الحراري من العمليات الكيميائية والعمليات عالية الحرارة التي يتم تغذيتها إلى حد كبير عبر حرق الوقود الأحفوري خلال عمليات التصنيع. إن الزراعة في الوقت ذاته تعد ثاني أكبر مساهم في تغير المناخ بعد توليد الكهرباء، إذ يعتبر إنتاج الغذاء مصدرًا رئيسًا للانبعاثات غير الكربونية كغاز الميثان الناتج عن تربية المواشي وأكسيد النيتروز الناتج عن استخدام الأسمدة.

وفي هذا الإطار، يسلط المقال الضوء على دور الاقتصاد الدائري في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بما يحقق أهداف المناخ، وكذلك متطلبات التحول نحو ذلك النهج، وأخيرًا يتناول التقرير مستقبل الاقتصاد الدائري في ضوء المعطيات الحالية.

أولًا: دور الاقتصاد الدائري في خدمة أهداف المناخ

هذا الاقتصاد يستهدف تعظيم الاستفادة من جميع المواد الخام والمعادن والطاقة والموارد بمختلف صورها، إضافة إلى إطلاق عمليات إعادة التدوير والاستخدام وإعادة التصنيع والتطوير، بدلًا من نمط الهدر وإلقاء النفايات. وقد ورد التأكيد على أهمية الاقتصاد الدائري كخطوة عن المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس بسويسرا في يناير 2022. والذي شدد على ضرورة أن يصحب ذلك النهج تحول في كيفية استخدام المجتمع للموارد الطبيعية. 

ولعل أهمية الاقتصاد الدائري ترجع إلى الدور الذي تلعبه في معالجة الانبعاثات الناتجة عن الصناعة وإنتاج الغذاء، عبر التخلص من النفايات، إذ يساهم ذلك في تقليل الانبعاثات المرتبطة بإنتاج المواد التي تتحول إلى نفايات، وذلك عبر الاحتفاظ بالمنتجات والمواد قيد الاستخدام وإعادة تدويرها، بدلًا من إنتاج مواد ومنتجات جديدة يمكن أن تولد بدورها غازات الاحتباس الحراري. 

ومن المتوقع بحلول عام 2050، أن يقلل الاقتصاد الدائري الانبعاثات الناتجة من مواد البناء بنسبة 38% وبالمثل، فإن التحول إلى ممارسات الإنتاج التجديدي في الزراعة، والقضاء على هدر الطعام؛ يمكن أن يخفض انبعاثات نظام الغذاء إلى النصف بحلول عام 2050، كذلك، فإن تجديد النظم الطبيعية عبر القيام بتخزين الكربون والاحتفاظ به في التربة، يسهم بشكل كبير في تقليل الانبعاثات الكربونية من ناحية، ويساعد من ناحية أخرى على تحسين صحة التربة، بما يؤدي إلى تعظيم القدرة على امتصاص المياه والاحتفاظ بها، وهو ما يزيد من فرص التعامل المرن مع حالات هطول الأمطار الغزيرة وحالات الجفاف.

ثانيًا: متطلبات التحول من اقتصاد خطي إلى اقتصاد دائري

من أجل التحول إلى الاقتصاد الدائري، والوصول إلى النقطة التي يكون فيها الاقتصاد الدائري فعالًا بالشكل الكافي، فإن الأمر يحتاج إلى تضافر الجهود العالمية، إذ ليس بإمكان أي منظمة القيام بذلك بمفردها. فمن ناحية، يمكن للمؤسسات الدولية أن تضع الاقتصاد الدائري بشكل مباشر على جدول أعمال المناخ، وإعطائه الأهمية الممنوحة للأنشطة المهمة الأخرى للحد من الانبعاثات الكربونية مثل كفاءة الطاقة وإعادة التشجير. 

كما يمكن للحكومات أن تدخل مبادئ الاقتصاد الدائري في استراتيجياتها المناخية، وأن تضع سياسات تمكينية قادرة على تفعيل الاقتصاد الدائري، كذلك بإمكان المستثمرين توجيه رأس المال نحو الأعمال التجارية التي تقلل بشكل كبير من مخاطر المناخ. ومع تضافر الجهود والتقنيات، من المرجح أن تكتمل وتتبلور صورة الاقتصاد المزدهر الخالي من الانبعاثات.

ولعل فهم استراتيجيات الحد من الانبعاثات المرتبطة مباشرة بطريقة استخراج المواد وإنتاجها واستهلاكها، سيسمح للدول بتوسيع تعهداتها المتعلقة بالمناخ. إذ وفقًا لتقرير الفجوة الدائرية لعام 2021، فإن اعتماد استراتيجيات دائرية مختلفة يمكن أن يقلل من الاحترار العالمي المتوقع من 3.2 إلى 1.8 درجة مئوية.

إن العمل على تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لا سيما تلك التي تدعم فيها الحكومات الشركات التي تتبنى استراتيجيات دائرية. كذلك، إن تسريع الانتقال إلى الاقتصاد الدائري، يمكن البلدان من استكمال صورة مستقبل مستدام خالٍ من الانبعاثات بما يقي العالم من خطر التأثيرات الكارثية لتغير المناخ.

كما جاء في تقرير الفجوة 2021 الصادر عن شركة سيركل إيكونوميCircle Economy ، تأكيدًا على أهمية القطاع غير الرسمي في مواجهة تحديات المناخ، وتشديدًا على أهمية العمل الجماعي لخلق قيمة مشتركة ومواءمة دور قطاع العمل اللامركزي مع عمليات إدارة النفايات بما يساهم في تقليل الآثار والاستفادة من نفايات البناء والهدم.

إذ، وبالتالي هناك إمكانية تحقيق قدرًا أكبر من المرونة، من خلال إدخال البنية التحتية اللازمة لإدارة النفايات، ووقف استيراد النفايات، مما يتيح العمل في ظروف أكثر أمانًا في مرافق معالجة النفايات.

ثالثًا: مستقبل الاقتصاد الدائري للمساهمة في تحقيق أهداف المناخ

بالرغم من تزايد الاعتراف بفوائد الاقتصاد الدائري بشكل كبير خلال الآونة الأخيرة، إذ تم تحديث وتقديم ثلث المساهمات المحددة وطنيًا في جميع أنحاء أوروبا وبعض دول مجموعة العشرين الأخرى، متضمنة الاقتصاد الدائري وغيرها من الحلول لتغير المناخ.

 فإن ذلك لا يمكن أن يقلل من الانبعاثات بشكل كافٍ، إذ إن نحو ثلثي الدول التي وقعت على اتفاقية باريس بواقع 127 دولة من أصل 197، لم تُدرج بعد الاقتصاد الدائري في التزاماتها المتعلقة بالمناخ.

الأمر الذي خلق فجوة دائرية هائلة ناتجة عن تمثيل الاقتصاد الدائري الضئيل في الاقتصاد العالمي، والذي يقدر بنحو 8.6% فقط. وهو ما جعل من الضرورة بمكان مضاعفة العمل من أجل تسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري خلال السنوات العشر القادمة.

حتى يتمكن من لعب دور كبير في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بنسبة 39٪ وتقليص البصمة الإجمالية للمواد، وهي الكمية الإجمالية من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بنسبة 28٪ بحلول عام 2032.

ولعل تحقيق ذلك ليس مستحيلًا، بشرط أن يتكاتف العالم من أجل تحقيقه، حتى يصبح الاقتصاد الدائري توجهًا عالميًا حقيقيًا، من خلال توحيد الجهود نحو تقليص النفايات العالمية والقضاء على استخدام الموارد الزائدة في التعبئة والتغليف وتصميم المنتجات. علاوة على إعطاء الأولوية لاستخدام الموارد المتجددة، كاستخدام مواد قابلة للتحلل البيولوجي في عملية التغليف.

وقد تمكنت بالفعل شركة «سيج ورك» المصممة خصيصًا لتشجيع الابتكار داخل الاقتصاد الدائري، والمورد العالمي لأحبار الطباعة وتطبيقات التعبئة والتغليف، من التركيز على حلول إعادة التدوير من خلال الشراكة مع مجموعة من المنظمات.

حتى صارت الشركة ملتزمة بنحو 75% من جميع مبيعاتها بالتعبئة والتغليف الدائري، من خلال تمكين عبوات أقل وقابلة لإعادة الاستخدام وقابلة لإعادة التدوير ومتجددة.

وفي ذلك السياق، صرحت «ألينا مارم» ، رئيسة قسم الاستدامة العالمية والاقتصاد الدائري بشركة «سيج ورك» Siegwerk، خلال منتدى أيام الاستدامة الذي أقيم عبر الإنترنت، أن العبوات البلاستيكية المصنوعة من المحتوى المعاد تدويره لها بصمة كربونية أقل بنسبة 50% مقارنة بأخرى مصنوعة من مواد خام، وقد جاءت تلك التصريحات بمثابة تشجيع للشركات على اتباع ذلك النهج.

إذ تم التأكيد خلال المنتدى أن استخدام التعبئة والتغليف والتحول من النماذج ذات الاستخدام الفردي إلى النماذج المعاد استخدامه وتدويره، يقلل بنسبة 50 إلى 80%  من ثاني أكسيد الكربون. 

وبيد أن تفشي كوفيد-19 وتبعاته، قد خلق نوعًا من المرونة في الطباعة، فإن استكمال ذلك المسار لا يزال بحاجة إلى المزيد من الأتمتة والرقمنة وتطويرات المواد الجديدة والمرنة في التعبئة والتغليف.

كذلك يتطلب الأمر أن تصبح المواد والعمليات الأحادية الجديدة التي تمكن الشركات من تلبية تعهدات الاستدامة حقيقة واقعة، كأن تستمر العبوات المرنة المطبوعة رقميًا في النمو بأعلى معدلات نمو.

إجمالًا، من المتوقع أن يشهد عام 2022، تسريعًا لعملية التعبئة المستدامة عبر قطاع الرفاهية، والاستغناء عن البلاستيك أو الزجاج الثقيل أو الزينة المصنوعة من رقائق معدنية والتصفيح، الذي يصعب للغاية إعادة تدويره.

بيد أن ذلك لن يحدث بدون المزيد من الابتكارات وتحسين الكفاءة في التعبئة والتغليف، حتى يلامس التغليف كل شيء يمر عبر سلاسل التوريد العالمية. وهنا تأتي أهمية دور الدول الأكثر ثراءً، والتي بالرغم من كونها موطنًا لأقلية من سكان العالم، فإنها تولد أكثر من 40% من الانبعاثات العالمية، كما أنها تنتج 11.6 مليار طن متري من النفايات سنويًا. 

مع ضرورة إشراك جميع دول العالم، حتى يكون للاقتصاد الدائري صدى واسع بما يصب في صالح تقليل الانبعاثات والاستجابة لتغير المناخ.

تقييم الموقع