IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

الاقتصاد الدائري ودوره في مواجهة التغيرات المناخية

 الأحد. 20 مارس., 2022

الاقتصاد الدائري ودوره في مواجهة التغيرات المناخية

  د. أحمد عبد الرحيم - د. منى داوود

تعد ظاهرة التغيرات المناخية، والتي يقصد بها التغيرات ذات الأمد الطويل في درجات الحرارة وأنماط الطقس، تحديًا كبيرًا للتنمية الاقتصادية، سواء في الدول الصناعية المتقدمة أو الدول النامية أو بالأخص الدول الجزرية الصغيرة النامية. وعلى الصعيد العالمي، تستمر معدلات الاستهلاك غير المسبوقة، التي تؤدي إلى زيادة مستويات انبعاثات الغازات الدفيئة، جراء أنشطة الإنتاج لتلبية حاجة الاستهلاك، ومن ثم تتفاقم مشكلة آثار التغيرات المناخية. وتؤثر تلك الظاهرة على الأمن المائي والغذائي؛ بالأخص في المجتمعات التي يعتمد اقتصادها على مواردها الطبيعية مثل، الزراعة والصيد، مما قد يؤثر بشكل غير متساوٍ على دول العالم؛ حيث تعتمد درجة الخطورة على مدى هشاشة تلك المجتمعات ومرونتها وقدرتها على التكيف.

تعد ظاهرة التغيرات المناخية، والتي يقصد بها التغيرات ذات الأمد الطويل في درجات الحرارة وأنماط الطقس، تحديًا كبيرًا للتنمية الاقتصادية، سواء في الدول الصناعية المتقدمة أو الدول النامية أو بالأخص الدول الجزرية الصغيرة النامية. وعلى الصعيد العالمي، تستمر معدلات الاستهلاك غير المسبوقة، التي تؤدي إلى زيادة مستويات انبعاثات الغازات الدفيئة، جراء أنشطة الإنتاج لتلبية حاجة الاستهلاك، ومن ثم تتفاقم مشكلة آثار التغيرات المناخية. وتؤثر تلك الظاهرة على الأمن المائي والغذائي؛ بالأخص في المجتمعات التي يعتمد اقتصادها على مواردها الطبيعية مثل، الزراعة والصيد، مما قد يؤثر بشكل غير متساوٍ على دول العالم؛ حيث تعتمد درجة الخطورة على مدى هشاشة تلك المجتمعات ومرونتها وقدرتها على التكيف.  

ويعد تبني منهج الاقتصاد الدائري وسيلة للتغلب على أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة، مع السماح بالنمو الاقتصادي والاستخدام الفعال للموارد، مع خلق وظائف جديدة مستدامة وخضراء وتقليل الواردات. ويمكن للاقتصاد الدائري سد فجوة انبعاثات الكربون عالميًا.

إن الجمع بين التطبيق الفعلي للاقتصاد الدائري وتعهدات التخفيف من آثار تغير المناخ يضعنا على طريق نحو تحقيق أهداف عالمية أقل بكثير من درجتين مئويتين بحلول عام 2032؛ حيث تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد العالمي بنمطه الخطي الحالي سيؤدي إلى زيادة درجة الحرارة بنحو يتراوح بين 3 إلى 6 درجات. على الرغم من أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ‏ تؤكد أهمية العمل العالمي نحو الغاية التي تستهدف الإبقاء على ارتفاع الحرارة دون 1,5 درجة مئوية. لذلك، ومن خلال الجمع بين هذه الأجندات، يمكننا تمهيد الطريق للتحولات المنهجية.

 

 

تلك التحولات التي تعتبر لازمة لتصحيح المسار العالمي الخاص بالتنمية المستدامة والتخفيف من آثار التغيرات المناخية، بما يتجاوز حدود السياسات العالمية الحالية وتعهدات المناخ الوطنية. وطبقًا لتقرير فجوة التدويرThe circularity gap report لعام 2021، فإن التعهدات الحالية تحقق 15٪ فقط من أهداف التخفيف، بينما يوفر الاقتصاد الدائري نسبة 85٪ المتبقية، حيث إن الاقتصاد العالمي دائري بنسبة 8.6٪ فقط، وكان يقدر بنسبة 9.1٪ عام 2018، مما يترك فجوة دائرية، وهي تمثل حصة المواد التي يتم تدويرها كل عام كجزء من إجمالي المواد التي يتم استخدامها في الاقتصاد العالمي. وتقوم الدول بصياغة استراتيجياتها بما يواكب هذا التوجه العالمي نحو الاقتصاد الدائري والاستخدام الأمثل للموارد؛ لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ حيث يحتاج العالم إلى زيادة النسبة الحالية من التدوير بمقدار الضعف لتجنب الآثار السلبية للتغيرات المناخية.

الثورات الصناعية ونمط التنمية الاقتصادية وتغير المناخ

تسببت الثورات الصناعية المتلاحقة بدءًا من الثورة الصناعية الأولى عام 1760، ثم الثورة الصناعية الثانية في عام 1900، ثم تلتها الثورة الصناعية الثالثة في عام 1960، واستمرت حتى عام 2000؛ والتي عرفــت بالثــورة الرقميــة، وانتهاء بالثورة الصناعية الرابعة مع بداية الألفية الجديدة؛ والتي تميزت بثورة في عالم الاتصالات والإنترنت، والعمــلات الافتراضيــة، وإنترنــت الأشــياء، والــذكاء الاصطناعــي، والبيانات الضخمة BigData، في تسريع عجلة التنمية الاقتصادية في مختلف دول العالم، سواء الصناعية أو النامية، واعتماد تلك النهضة الصناعية على الوقود الأحفوري مع ازدياد أنماط الاستهلاك والإنتاج غير المستدامة؛ مما أدى إلى وجود ما يسمى بظاهرة "اقتصاد النفايات".

 

 

 

اقتصاد النفايات:

وهو الاقتصاد الذي يعتمد على استخراج الموارد الطبيعية، ثم تحويلها إلى منتجات استهلاكية، والتي تتحول في النهاية إلى نفايات (أخذ، صنع، وإهدار). ويستهلك العالم حاليًا 100 مليار طن من المواد سنويًا، وفي حالة استمرار النمط الحالي، فإن العالم سينتج 65 مليار طن من انبعاثات غازات الاحتباس الحراريGHGs، بحلول عام 2030؛ حيث أدت الأنشطة البشرية إلى تدفئة المناخ بمعدل غير مسبوق في آخر 200 سنة على الأقل. لذلك أصبح اقتصاد النفايات هو أحد الأسباب التي تساهم في زيادة البصمة الكربونية، والتي تحسب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة باستخدام الوقود الأحفوري وازدياد ظاهرة التغيرات المناخية، ويشكل بالتالي تحديًا للنمو والتنمية. 

وعلى العكس من ذلك، فإن الاقتصاد الدائري هو أداة فعالة لتنظيم العمليات الإنتاجية والنشاط الاقتصادي حتى نتمكن من المحافظة على أعلى قيمة من الموارد لأطول فترة ممكنة، مما يقلل الضغوط التي تؤدي إلى استنزافها وزيادة تلوث البيئة والحد من غازات الاحتباس الحراري التي تعتبر القوة المحركة الرئيسة لتغير المناخ العالمي.

 

رؤية مصر 2030 وتحقيق أمن الموارد الطبيعية

 

حرصت الدولة المصرية في رؤيتها الاستراتيجية للبيئة حتى عام 2030 على "أن يكون البُعد البيئي محورًا أساسيًا في جميع القطاعات التنموية والاقتصادية. وذلك بشكل يحقق أمن الموارد الطبيعية، ويدعم عدالة استخدامها والاستغلال الأمثل لها والاستثمار فيها، وبما يضمن حقوق الأجيال القادمة فيها. ويعمل على تنويع مصادر الإنتاج والأنشطة الاقتصادية، ويساهم في دعم التنافسية، وتوفير فرص عمل جديدة، والقضاء على الفقر، ويحقق عدالة اجتماعية مع توفير بيئة نظيفة وصحية وآمنة للإنسان المصري".

كذلك حرصت أهداف الرؤية على الحد من التلوث والإدارة المتكاملة للمخلفات من خلال التخلص الآمن لها، وقد سلطت الرؤية الضوء على تحدي تفاقم مشكلة المخلفات وتأثيرها أيضًا على الصحة العامة للمواطنين وعلى الاقتصاد الوطني. وبناء عليه، فقد أعدت الدولة منظومة جديدة لإدارة المخلفات البلدية الصلبة تستهدف الوصول بكفاءة لجمع المخلفات ونقلها إلى 88% خلال عام 2022، وتنفيذ البرنامج الوطني لإدارة المخلفات الصلبة لرفع كفاءة منظومة المخلفات؛ حيث تمثل المواد القابلة للتدوير 24.3% من إجمالي المخلفات؛ حيث تعمل الدولة على التحول إلى أنماط استهلاك مستدامة؛ تتسم بكفاءة استخدام الموارد للوصول لسياسة صفر نفايات التي تعتبر من أهم دعائم الاقتصاد الدائري.

البصمة البيئية والقدرة الإيكولوجية للأرض

يتم رصد البصمة البيئية للعالم وللدول من خلال شبكة البصمة البيئية العالمية. وهي تحسب مقدار استنزاف البشرية لموارد الكوكب مقابل القدرة البيولوجية للطبيعة؛ أي قدرتها على تجديد الموارد الطبيعية واستيعاب النفايات وثاني أكسيد الكربون الناتج عن الطاقة والنقل والمصانع والأنشطة البشرية، والذي يعد أحد العوامل الرئيسة في ظاهرة التغيرات المناخية. 

وقد أشارت شبكة البصمة البيئية العالمية

 Global Footprint Network، أن هناك ما يعرف بتجاوز البيئةEcological Overshoot ، منذ سبعينات القرن الماضي متزامنًا مع الزيادة المطردة في الطلب على الموارد الطبيعية؛ حيث تستهلك البشرية حاليًا ما يعادل 1.75 من المصادر الطبيعية التي تمكن الأرض من استعادة إنتاج تلك الموارد. وبناء عليه، فإن الأرض وفقًا لتقديرات عام 2022 سوف تستغرق نظريًا عامًا وثمانية أشهر حتى تستطيع أن تجدد ما تم استنزافه من تلك الموارد؛ حيث تتسع حاليًا الفجوة بين الطلب على الخدمات الإيكولوجية، وبين قدرة الأرض على إمداد البشرية بالموارد الطبيعية لتلبية متطلبات التنمية في ظل الأنماط الاقتصادية الاستهلاكية الحالية.

وبالرغم من الفجوة الحالية، فإنه من المتوقع بحلول عام 2050 أن يصل عدد سكان العالم إلى نحو

9 بلايين نسمة، بينما ستؤدي ظاهرة التغيرات المناخية إلى زيادة الطلب على الغذاء في العقود القادمة.

وتعرف القدرة البيولوجية بأنها قدرة النظم البيئية على إنتاج المواد الأولية التي يستخدمها الإنسان في الصناعة والغذاء وغيرهما، واستيعاب النفايات الناتجة عن استخدامها، وذلك في ظل الإدارة الحالية العالمية للموارد وتقنيات الاستخراج. ويتم التعبير عن القدرة البيولوجية بالهكتارات العالمية، وهو وحدة المحاسبة لحسابات البصمة البيئية والقدرة الحيوية.

وطبقًا لشبكة البصمة البيئية العالمية، فإن العجز الإيكولوجي العالمي يشكل تحديًا كبيرًا؛ فهو ليس مشكلة إيكولوجية فقط، بل واقتصادية كذلك؛ حيث إن الدول التي لديها عجز في الموارد الطبيعية مع انخفاض في الدخل، هي دول تتأثر بشكل استثنائي، في حين أن الدول ذات الدخل المرتفع والتي لديها القدرة الاقتصادية لحماية نفسها من التأثيرات المباشرة، وتستنزف الموارد الطبيعية ستدرك في النهاية أن هذا النمط الاقتصادي غير المستدام سوف يتحول إلى إجهاد اقتصادي كبير. 

وطبقًا لحسابات البصمة الوطنية، فإن القدرة البيولوجية لمصر تقدر بنحو 0.4 هكتار عالمي لكل نسمة عام 2017، والبصمة البيئية لكل نسمة هي

1.8 هكتار عالمي مما ينتج عنه عجز إيكولوجي؛ مما يعني أننا نستنزف موارد أكبر مما تنتجه مصر بمقدار

1.4 هكتار عالمي. ولذلك حرصت رؤية مصر 2030 على وضع الإدارة الرشيدة والمستدامة للموارد الطبيعية كهدف رئيس للحفاظ على الموارد والاستغلال الأمثل لها، وبخاصة المياه والهواء والأراضي والطاقة والحفاظ على النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي لتحقيق أمن الموارد الطبيعية.

البصمة الإيكولوجية لمصر

 

لذلك، فإن الحد من آثار التغيرات المناخية لن يتم فقط عن طريق التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة ومصادر الطاقة البديلة مثل، الرياح والطاقة الشمسية، والذي يعد أمرًا بالغ الأهمية في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ حيث لن يحل ذلك سوى جزء من المشكلة؛ حيث إنه بالرغم من أن التحول للطاقة المتجددة معتمد على الخطط الوطنية للدول كافة، فإن هناك تباينات واضحة في الوسائل والأطر التي تتناول خفض الانبعاثات. ولكن يمكن للاقتصاد الدائري أن يساهم بفعالية في حل الجزء الآخر من تلك المشكلة من خلال تحسين كفاءة استخدام الموارد من خلال تدوير المنتجات والاهتمام بكيفية صناعتها واستخدامها لما لها من تأثير كبير على تغير المناخ والخروج من نمط الاقتصاد الخطي الذي يفترض وجود إمدادات دائمة من الموارد الطبيعية مع قدرات بشرية وإيكولوجية لانهائية للتخلص من تلك النفايات دون المساس بالبيئة أو المناخ. ويتوقع التقرير السادس لتوقعات البيئة العالمية أنه في حالة توقف كل الأنشطة البشرية، فإن الآثار السلبية لتلك الممارسات على تغير المناخ ستستمر على مدى القرون القليلة القادمة؛ حيث إن النموذج الاقتصادي الخطي الحالي الذي يستنزف المواد الخام، ثم تتم إضافة قيمة إليه ثم تخلق نفايات لن يؤدي إلى مستقبل مستدام. 

الحاجة إلى تغيير تحولي ومنهجي

على الصعيد العالمي، تستمر المعدلات غير المسبوقة في الاستهلاك التي تؤدي إلى زيادة مستويات انبعاثات الغازات الدفيئة من أنشطة الإنتاج لتلبية حاجة الاستهلاك، ومن ثم تفاقم مشكلة آثار التغيرات المناخية. وهناك تاريخ طويل في رسم سيناريوهات لإصلاح الاقتصاد العالمي من أجل التنمية المستدامة والحد من آثار التغيرات المناخية، تراوحت بين التفكير في التغيير على المدى القريب والتدريجي، والذي يعد من سمات العديد من المساهمات المحددة وطنيًا، بينما يتخذ البعض الآخر نهجًا تحوليًا مع التركيز على التغيير المنهجي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، وضع تقرير آفاق الطاقة خطة عمل جادة للدول، ولأول مرة، تجاوز التركيز على التحول إلى الطاقة المتجددة، ولكن متوافقًا مع إصلاحات سلوكية للنمط الحالي في استخدام الطاقة الحديثة وبالاستعانة بسيناريوهات تعتمد على آليات الاقتصاد الدائري، والتي يمكن أن تلبي الحاجة العاجلة للتحول في كيفية إدارة إنتاجنا واستهلاكنا على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية.

لتوجيه الاقتصاد العالمي لمسار الاستدامة ولتحقيق سيناريو درجة 1.5 مئوية، هناك حاجة ملحة إلى تصحيح جذري ومحوري لهذا المسار ليتم تحويله إلى اقتصاد دائري أكثر كفاءة في استخدام الموارد، والذي سيؤدي بدوره إلى تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة GHG، على طول السلسلة الإنتاجية من المناجم التي يتم إنتاج المواد الخام منها، والحقول التي يزرع فيها المنتج للتصنيع والتجزئة، في هذا الإطار، من الممكن التخفيف من حدة آثار التغيرات المناخية من خلال الإدارة الذكية والمثلى للموارد. 

كما توجد خمسة احتياجات مجتمعية أساسية يكون فيها تطبيق الاقتصاد الدائري للتخفيف من آثار تغير المناخ أمرًا أساسيًا في العالم، وبالأخص في مصر. ونظرًا لانتشار وباء كوفيد -19 الذي يهدد سبل عيش المليارات منذ عام 2019، فقد انتشرت الدعوات إلى إحداث تحول منهجي عالمي في شتى المجالات. ويستوجب هذا السيناريو تغييرًا جذريًا ومنهجيًا في إدارة الموارد حتى تتطابق استجاباتنا مع حجم حالة الطوارئ المناخية والاجتماعية والاقتصادية بطريقة ما تقلل من عدم المساواة العالمية، وتحمي من آثار التغيرات المناخية.

وفى إطار الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية في مصر، تبذل الإدارة العامة لاقتصادات البيئة في وزارة البيئة المصرية جهودًا كبيرة لتحقيق التنمية المستدامة كهدف قومي تسعى مصر لتحقيقه. 

ويعد الاقتصاد الدائري أحد آليات تحقيق التنمية المستدامة في مصر، بما ينطوي عليه من فرص متنوعة لتخطي مراحل إنمائية وتطبيق تكنولوجيات متقدمة، مثل، تشجيع الابتكار، وإنشاء أسواق جديدة، وإيجاد فرص عمل، والإسهام في الحد من الفقر وآثار التغيرات المناخية، وتعد كفاءة موارد الطاقة من أهم تطبيقات الاقتصاد الدائري، ولذلك أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بهذا المورد الاستراتيجي، وذلك بالتخطيط للوصول بنصيب الطاقة المتجددة إلى 20% من الطاقة المستهلكة في مصر في عام 2020؛ منها 12% طاقة رياح، و8% طاقة مائية وشمسية. 

كما يمثل قطاع الإسكان، وبخاصة البناء (والهدم) وصيانة المنازل السكنية أكبر أثر على الموارد والانبعاثات، لا سيما في الدول النامية، بما فيها مصر. كذلك فإن الغذاء والمنتجات الغذائية، والتي تشمل المنتجات الزراعية مثل، المحاصيل والثروة الحيوانية، لها دورات حياة قصيرة في اقتصادنا؛ حيث يتم استهلاكها بسرعة بعد الإنتاج، كما أن لديها بصمة كربونية كبيرة، لذلك تتبع الدولة أساليب الإدارة الزراعية المتكاملة والاستخدام المستدام للمواد الزراعية الطبيعية مع رفع كفاءة استخدامات المياه في الزراعة، والتحول نحو الزراعات الأقل استهلاكًا للمياه، وتحسين نظم الري والصرف، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي.

وفي مجال النقل، يتم تخصيص نوعين من الموارد: المواد اللازمة لبناء تقنيات النقل والمركبات مثل، السيارات والقطارات والطائرات، بالإضافة إلى حرق الوقود الأحفوري لتشغيلها. 

وفي هذا الإطار، تقوم الدولة بجهود مضنية لتحقيق نقلة نوعية في قطاع النقل لكي يكون أكثر استدامة اقتصاديًا واجتماعيًا وبيئيًا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تقوم الدولة، متمثلة في وزارة البيئة، بتنفيذ برنامج إرشادي لاستدامة نظم النقل، وإعداد مشروع قانون مشاركة القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية الأساسية للنقل المستدام، بما يتيح الحد مع آثار التغيرات المناخية، كما تدعم الدولة نظم النقل الجماعي بإنشاء خطوط جديدة لمترو الأنفاق والقطارات الكهربائية، وتطوير السكك الحديدية، وأتوبيسات النقل العام الكهربائية، وتلك التي تعمل بالغاز، وتحويل السيارات الحكومية للعمل بالغاز الطبيعي بدلًا من البنزين.

وتعتبر المواد الاستهلاكية، التي هي مجموعة متنوعة ومعقدة من المنتجات – مثل، الثلاجات والمنسوجات والمواد الكيميائية -، ذات عمر افتراضي قصير إلى متوسط.

وفي إطار التحول نحو الاقتصاد الدائري في مجال الصناعة، تقوم الدولة بتشجيع التحول نحو الصناعات رشيدة الاستهلاك للمواد الطبيعية والطاقة والمياه، وتشجيع الإنتاج الصناعي الأنظف؛ لذلك، هناك حاجة لخلق مناخ داعم لتسهيل التحول الجذري والجاد إلى الاقتصاد الدائري، وتوجيه رأس المال نحو مبادرات دائرية، وابتكار نظم مالية جديدة تشتمل على القيمة المضافة للبيئة، وتوسيع الاقتصاد الدائري مع مسؤولية المنتج الممتدة. يمكن لواضعي السياسات معالجة المعوقات السوقية والتنظيمية التي تعرقل الظروف التمكينية اللازمة لبلوغ المبادرات الدائرية؛ بما في ذلك الابتعاد عن النماذج المالية والسوقية التي تدعم المشروعات الاقتصادية الخطية.

الاقتصاد الدائري والتصدي لظاهرة التغيرات المناخية

يمكن للاقتصاد الدائري أن يساهم بفعالية في التصدي لظاهرة التغيرات المناخية من خلال تغيير النمط الحالي في صناعة واستخدام واستهلاك الموارد الطبيعية كنتيجة لازدياد الطلب على تلك الموارد للوفاء بالاحتياجات الأساسية من المواد الغذائية والمياه والمنتجات؛ حيث ينتج عن عمليات التدوير تقليل الانبعاثات المرتبطة بإنتاج تلك المواد فإنه عندما يتم تدوير تلك المنتجات يتم الاحتفاظ بالطاقة المستخدمة في الإنتاج، وبالتالي نعطي الفرصة أيضًا للكوكب للمحافظة على الموارد الطبيعية. وتعتبر منظومة الأغذية الزراعية مساهمًا في ثلث انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ولذلك يجب رفع كفاءة تلك النظم.

ولذلك يبقى التحدي الحقيقي لصانعي السياسات البيئية هو رؤية واضحة لتلبية حاجة الدول إلى التنمية الاقتصادية بطريقة لا تتجاوز الموارد المتاحة ضمن الحدود الآمنة المستدامة لتجديد تلك الموارد.

وهناك العديد من السياسات العالمية والوطنية التي أحدثت نجاحات كبيرة وتغييرًا في النظم القائمة (على سبيل المثال التخلص التدريجي من المواد المستنفدة للأوزون والسيطرة على التلوث النفطي من السفن في البيئة البحرية)، ومن المهم دمج خطط الاقتصاد الدائري في تعهدات المناخ الوطنية، وتطويع هذه الخطط والاستراتيجيات الدورية، ونبدأ على الفور تنفيذ استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030. 

يمكن أن يؤدي دمج خطط الاقتصاد الدائري أيضًا إلى تحديد الأهداف والمعايير الخاصة بصياغة ومراجعة المساهمات المحددة وطنيًا، والتأكد من أن مصر يمكنها معالجة القضايا العالمية بطريقة تتماشى مع سياقها المحلي.

هذا، ويمكن أيضًا دعم وتطوير الصناعات الرئيسة لكي تواكب هذه الخطط للحفاظ على مواردنا الطبيعية. لذلك من الضروري دمج الاعتبارات الاجتماعية والأخلاقية في استراتيجيات وسياسات الاقتصاد الدائري. ويجب أن يلبي أي نموذج اقتصادي ناجح احتياجات المجتمع الذي يخدمه مع التعايش الأمثل مع النظم الطبيعية وحسن استخدام مواردها لتحقيق توازن متناغم بين الإنسان والطبيعة.

لذلك يجب أن نتعامل مع منظومة التنمية وما قد يصاحبها من استنزاف للموارد قبل أن تصبح مشكلة، أن نتحكم في نسبة الانبعاثات قبل أن يبدأ الإنتاج؛ حيث يمكن للاقتصاد الدائري، الذي يتجاوز استراتيجيات إدارة المواد البسيطة، أن يساعد في التصدي لظاهرة تغير المناخ، ومعالجة الانبعاثات التي تأتي من الصناعة؛ وتغيير نمط منظومة الاستهلاك والإنتاج؛ وإعادة التفكير في أنظمة الطعام؛ لنبني اقتصادًا يزيل النفايات والتلوث، ويحافظ على أمن الموارد الطبيعية؛ ووضع سياسات تمكينية وبنية تحتية؛ والاستثمار في الآليات والحلول الداعمة للاقتصاد الدائري.

كما يمكن أن يساعد في الابتكارات التي تنطوي على زيادة كفاءة استخدام الموارد؛ للمساهمة في حل العديد من المشكلات المتعلقة بتغير المناخ وبناء اقتصاد أكثر مرونة.

 

تقييم الموقع