IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

الآثار المحتملة للتغيرات المناخية والزيادة السكانية على الأمن المائي والغذائي في مصر

 الأحد. 20 مارس., 2022

الآثار المحتملة للتغيرات المناخية والزيادة السكانية على الأمن المائي والغذائي في مصر

 أ.د. جمال محمد صيام

تحمل العقود الثلاثة القادمة، وحتى منتصف القرن، الكثير من العوامل الضاغطة فيما يتعلق بالأمن المائي والأمن الغذائي في مصر. وتتعلق هذه العوامل بصورة أساسية بالموارد المائية والأرضية والتغيرات المناخية والسكان والسدود الإثيوبية وانعكاساتها على إنتاج الغذاء، ومن ثم على الفجوة الغذائية المستقبلية.

تحمل العقود الثلاثة القادمة، وحتى منتصف القرن، الكثير من العوامل الضاغطة فيما يتعلق بالأمن المائي والأمن الغذائي في مصر. وتتعلق هذه العوامل بصورة أساسية بالموارد المائية والأرضية والتغيرات المناخية والسكان والسدود الإثيوبية وانعكاساتها على إنتاج الغذاء، ومن ثم على الفجوة الغذائية المستقبلية. 

في الوضع الراهن تواجه مصر أزمة مائية في ظل انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من

600 متر مكعب، وهو أقل من خط الفقر المائي العالمي بـ 40%، وتستورد مصر نحو 60% من غذائها. وفي ظل محدودية الأرض والمياه تتجه الأزمة المائية إلى مزيد من الاستحكام، وتتجه الفجوة الغذائية إلى الاتساع. ويزيد الأمر تدهورا مع الآثار المؤكدة للزيادة السكانية، فضلا عن الآثار المحتملة للتغيرات المناخية والسدود الإثيوبية. 

سوف تؤثر التغيرات المناخية على الموارد الطبيعية المتاحة في مصر، خاصة على موردين أساسيين تتميز مصر فيهما بالندرة النسبية، وهما مورد الأرض، والمياه. الأمر الذي يؤدى إلى التأثير المباشر والشديد على الإنتاج الزراعي والغذائي، ومن ثم على الأمن الغذائي. وللزيادة السكانية تأثير مزدوج يؤدي إلى زيادة الفجوة الغذائية.

• الأثر الأول: زيادة الطلب على المياه للأغراض المنزلية على حساب مخصصات المياه للزراعة والري الأمر الذي يقلل من إنتاج الغذاء، 

• الأثر الثاني: فيتمثل في زيادة الطلب على الغذاء. 

نبذة عن التغيرات المناخية 

يجتاز العالم حاليا مراحل صعبة تهدد بانهيار التوازنات البيئية القائمة، وازدياد الفقر والجوع والأمراض والأوبئة الفتاكة على غرار ما يحدث بالنسبة لجائحة فيروس كوفيد-19 ومتحوراته القاتلة لملايين البشر والمعرقلة لنمو الاقتصادات العالمية. ولا شك أن السبب الرئيس للتغيرات المناخية يتمثل في الانبعاثات الكبيرة التي حدثت وتحدث والتي بدأت إبان الثورة الصناعية في أوروبا والمستمرة إلى الآن، الأمر الذي أدى إلى ظاهرة الاحتباس الحراري، والتي من أهم نتائجها زيادة ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، وبالتالي زيادة منسوب مستوى المياه في البحار والمحيطات، الأمر الذي سوف يؤدي إلى احتمالية غرق أجزاء من العالم، خاصة المناطق المنخفضة ومنها منطقة شمال الدلتا. ومن نتائجها كذلك الجفاف الشديد الذي يجتاح بعض المناطق من العالم، وفي الوقت نفسه، فإن الأمطار الغزيرة في مناطق أخرى مسببة فيضانات وسيولًا؛ مما يُسفر عن خسائر مادية وبشرية كبيرة. 

ومن شأن تغيُّر المناخ أن يزيد حدّة تقلبات الإنتاج الزراعي على امتداد جميع مناطق العالم، في حين ستتعرّض أفقر المناطق إلى أعلى درجات عدم الاستقرار في الإنتاج الغذائي. وفي المتوسط، من المقدَّر أن تواكِب أسعار المواد الغذائية الارتفاع المعتدل في درجات الحرارة بزياداتٍ طفيفة إلى عام 2050. وخلال النصف الثاني من القرن الحالي، ستتبدّل الصورة نتيجة الزيادات اللاحقة في درجات الحرارة، مما سيترتّب عليه تناقصُ محسوس في الإنتاجية الزراعية، وكذا في الموارد الأرضية والمائية؛ مما يفضي إلى تناقص الإنتاج الزراعي والغذائي لاسيما في البلدان النامية لكونها أكثر عرضة لآثار الجفاف والفيضانات والأعاصير. وفيما سيَستتبع ارتفاعاتٍ أعلى في الأسعار، وفي إنتاجية الأيدي العاملة، وقد يفضي إلى تفاقُم الفقر وزيادة معدّلات الوفيّات. 

ويوضح شكل (1) العلاقات السببية والتأثيرات المتعلقة بكل التغيرات المناخية والزيادة السكانية، ومن أهم هذه التأثرات الموارد المائية والتصحر والجفاف واستخدامات الأراضي واستخدامات المياه والتنوع البيولوجي. والمقصود بالتصحر "انخفاض في القدرة الإنتاجية للأراضي القاحلة وشبه القاحلة؛ نتيجة للتغيرات المناخية أو ممارسات بشرية". 

شكل رقم (1) الجوانب المختلفة لتأثرات التغيرات المناخية والزيادة السكانية

تعتبر الزراعة المصرية أكثر القطاعات حساسية وتأثرًا بالتغيرات المناخية، حيث توجد في أكثر مناطق العالم قحولة وجفافًا، وتعتمد على مياه النيل كمصدر وحيد للمياه يأتي من خارج حدود الدولة المصرية. وعمومًا تؤدي التغيرات المناخية إلى الآثار الآتية:

• زيادة معدلات التصحر لا سيما في المناطق الزراعية الهامشية. 

• يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى زيادة استهلاك المياه للمحاصيل؛ نتيجة لارتفاع معدلات التبخر.

• تتأثر إنتاجية أغلب المحاصيل سلبا بدرجات متفاوتة؛ نتيجة للاحتباس الحراري.

• احتمالات انخفاض تدفقات النيل من الهضبة الحبشية.

• احتمالات ارتفاع مستوى سطح البحر، وأثر ذلك على غرق وتدمير أجزاء كبيرة من الأراضي الزراعية بالدلتا.

• حدوث آثار اقتصادية واجتماعية سلبية واسعة النطاق؛ نتيجة للتأثيرات المشار إليها، إما بصورة جزئية أو كلية.

تأثير التغيرات المناخية

تأثير التغيرات المناخية على موارد مصر المائية:

يتأثر الميزان المصري المائي بالتغيرات المناخية من خلال طريقين:

• الأول: تأثيرها على موارد نهر النيل.

• والثاني: زيادة الطلب على المياه للزراعة والري.

أثر التغيرات المناخية على موارد نهر النيل: 

تشير التقديرات الدولية -  على نحو ما ورد بتقرير ستيرن - إلى عدة سيناريوهات تبدأ باحتمال نقص موارد النهر نتيجة لتحرك أحزمة الأمطار من فوق الهضبة الإثيوبية والتي تمثل 85% من موارد مصر من النهر. والهضبة الاستوائية والتي تمثل 15 %من الموارد المصرية. يتراوح هذا التغير المحتمل بين نقص بنسبة 76% وزيادة قدرها 30%. 

وقد حاولت بعض الدراسات التنبؤ بالآثار المستقبلية للتغيرات المناخية على نهر النيل، حيث توصلت دراسة   Strzepek et al.2001إلى تسعة سيناريوهات مختلفة لشرح السيناريوهات الخاصة بأثر التغيرات المناخية على نهر النيل، وتشير ستة سيناريوهات إلى حدوث تراجع في معدل تدفق المياه في نهر النيل بنحو 20% حتى عام 2040. بينما يتنبأ سيناريو واحد بحدوث ارتفاع في معدل التدفق لمياه النهر بعد عام 2045، وتمثل زيادة موارد النهر بنسبة 30%.

وتتأثر المياه الجوفية (الضحلة) بدلتا النيل، بطريقة غير مباشرة، بالتغيرات المناخية. فطالما نقصت موارد النهر، على النحو الذي سبق توضيحه، فسوف ينسحب هذا النقص على المياه الجوفية المتجمعة في الدلتا نتيجة رشح النهر، وهذا النقص سوف يحدث بذات النسبة التي تنقص بها مياه النهر. 

فلو أن الموارد النيلية تنقص بـ 5 مليارات متر مكعب، أي بنسبة 9% من حصة مصر المائية، فذلك يعني حدوث نقص في الموارد غير التقليدية بالنسبة نفسها، على النحو الذي سنوضحه بالتفصيل لاحقا. 

أثر التغيرات المناخية على إنتاجية المحاصيل:

أما بالنسبة لآثار التغيرات المناخية على إنتاجية المحاصيل الزراعية، فقد قامت العديد من الدراسات بالتطرق إلى قياس الآثار الاقتصادية المتوقعة للتغيرات المناخية على إنتاجية عدد من المحاصيل الزراعية، وكان من أهمها، محاصيل القمح والذرة والقطن في ثلاث مناطق أساسية في مصر، وقد تم استخدام نماذج مختلفة استنتجت أن مصر سوف تعاني من ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة في منتصف القرن الحادي والعشرين.

واستنتجت الدراسات أن التأثيرات المستقبلية للتغيرات المناخية سوف تؤدي إلى انخفاض إنتاجية كل من القمح والشعير بنحو 18%، وانخفاض إنتاجية الذرة الشامية والذرة الرفيعة بنحو 19%، والأرز بنحو 11%، وفول الصويا بنحو 28%، وعباد الشمس بنحو 27%، والطماطم بنحو 14% (عند ارتفاع الحرارة 1.5 درجة مئوية ويرتفع الانخفاض إلى 51% عند ارتفاع درجة الحرارة 3.5 درجات مئوية). وهناك استثناءات تتمثل في زيادة إنتاجية القطن بنحو 17%، وكذلك الموز نتيجة لارتفاع درجة الحرارة.

تقدير أثر الزيادة السكانية والتغيرات المناخية على الأمن المائي المصري:

الوضع المائي الراهن: في الحالة المصرية، تعتبر المياه هي العنصر الحاكم للإنتاج الزراعي. ويمثل الضغط السكاني المتزايد على مورد المياه مشكلة كبيرة تتفاقم مع الزمن. وفي الوضع الراهن يبلغ إجمالي الموارد المائيَّة، طبقًا لأحدث ميزَان مائِيّ (2020)، نَحْو 81 مليار متْر مُكَعَّب (جدول 1)، تشْمل 59.7 مليار مِتْر مُكَعَّب موارد تَقليديَّة (55.5 مليارًا حصَّة مِصْر المائيَّة و4.2 مليارات متر مُكَعَّب مياه جوفيَّة وأمطار)، ونحو 21.4 مليار متر مكعَّب موارد غير تقليديَّة (تشمل مياه جوفيّة ضحلة بالدلتا وإعادة واستخدام مياه الصَّرْف الزراعي). وهكذَا فَإِن الموارد غير التقليدية تُمثّل العجز المائيّ في الميزان المائي الحالي بنسبة 26% من جملة الموارد الكلية. وفي ضوء الموارد التقليدية (العذبة) المتاحة، يبلغ نصيب الفرد من المياه 597 مترًا مكعبًا سنويًّا وهو يُمثل نحو 40% تحت خط الفقر المائي (1000 متر مكعب سنويا) والذي كانت مصر قد تجاوزته نزولا اعتبارًا من 1991. 

الميزان المائي المستقبلي: فيما يتعلق بجانب الموارد المائية في الميزان المائي المستقبلي (2030 و2050)، فإنه بفرض أن الكمية المشار إليها من الموارد التقليدية (59.7 مليار متر مكعب) لن تتأثر سلبا مستقبلا  بسد النهضة والسدود الإثيوبية الأخرى، فإنها سوف تكون على الأرجح هي ذاتها الكمية المتاحة في 2030 وينشأ عنها نفس كمية إعادة الاستخدام (21.4 مليار متر مكعب) بإجمالي موارد مائية 81 مليار متر مكعب في العام المذكور، أما بالنسبة لعام 2050 فيفترض أن تتأثر الموارد النيلية بخصم نحو 5 مليارات متر مكعب بسبب الآثار المحتملة للتغيرات المناخية على تدفقات الموارد النيلية من الهضبة الحبشية. 

وعلى ذلك تنخفض حصة مصر المائية إلى 50.5 مليار متر مكعب؛ مما يترتب عليه انخفاض الموارد غير التقليدية إلى 19.4 مليار متر مكعب، بإجمالي 74.1 مليار متر مكعب، بنقص قدره 6.9 مليارات متر مكعب (تشمل 5 مليارات متر مكعب نقص في مياه النيل بالإضافة إلى 1.9 مليار متر مكعب نقص في كمية إعادة الاستخدام). وسوف يكون هذا النقص بالضرورة على حساب مخصصات المياه للزراعة والري. ويعنى ذلك أن هذه المخصصات سوف تقطع منها نحو 11.2% بسبب التغيرات المناخية.

وفيما يتعلق بجانب الاستخدامات في الميزان المائي مستقبلًا فسوف يؤدى تزايد عدد السكان إلى زيادة الطلب على المياه للاستخدامات المنزلية والصناعية؛ وفي ظل ثبات المياه العذبة المتاحة، سوف تكون كميات المياه الموجهة لهذه الاستخدامات خصما من المياه المخصصة للزراعة والتي ستواجه حتما تخفيضات مستمرة في حصتها من المياه. وبافتراض زيادة السكان المصريين بنسبة 2% سنويا، يتوقع أن يبلغ عدد السكان 122 مليون نسمة بحلول عام 2030، و181 مليون نسمة بحلول عام 2050، ويستتبع ذلك زيادة استخدامات المياه للأغراض المنزلية والصناعية من 16.9 مليار متر مكعب في 2020 إلى 20.6 و30.6 مليار متر مكعب في عامي 2030 و2050 على الترتيب. وعلى ذلك ينطوي الميزان المائي لعام 2030 على زيادة في الاستخدامات المنزلية والصناعية قدرها 3.7 و13,7 مليار متر مكعب في العامين على التوالي. وهذه الزيادات سوف يتم خصمها أيضا من مخصصات الزراعة بنسبة 6% في 2030 و22.2% في 2050. 

2)  بالنسبة لعامي 2030 و 2050، حسبت على أساس ما يلي: 

- افتراض أن الموارد التقليدية (العذبة) في 2030 ستظل على ما هي عليه عند مستوى سنة الأساس (2020) أي 59.7 مليار متر مكعب سنويا، وبالنسبة لعام 2050 يتم خصم

5 مليارات متر مكعب من مياه النيل بسبب الأثر السلبي للتغيرات المناخية على تدفقات النيل من الهضبة الحبشية. 

- افتراض ثبات الموارد غير التقليدية في 2030 عند مستواها في سنة الأساس، ونقصها بـ 1.9 مليار متر مكعب بسبب خفض مياه النيل بـ 5 مليارات متر مكعب (بنسبة 38.4%).

- يزيد عدد السكان وكذلك الاستهلاك المنزلي والصناعي في عامي 2030 و 2050 بمعدل 2% سنويا.

 

 

 

أثر التغيرات المناخية والزيادة السكانية على الأمن الغذائي المصري:

كما اتضح من الجدول السابق، فإنه بحلول منتصف القرن يحتمل أن تعمل التغيرات المناخية والزيادة السكانية على اقتطاع نحو ثلث المخصصات المائية للقطاع الزراعي، الأمر الذي من شأنه تبوير نحو ثلث الرقعة الزراعية، ومن ثم انخفاض الإنتاج المحلي من الغذاء بالنسبة نفسها. في الوقت الذي يتوقع أن تؤدي الزيادة السكانية بنحو 80% في عام 2050 مقارنة بعام 2020، إلى زيادة الطلب على الغذاء بالنسبة نفسها.

 

وبالنظر إلى أن الفجوة الغذائية الحالية تبلغ نحو 60% (حيث لا يغطي الإنتاج المحلي إلا نحو 40%)، فإن انخفاض إنتاج الغذاء بنسبة 33% متواكبا مع ارتفاع استهلاك الغذاء بنحو 80%، سوف يؤدي إلى اتساع الفجوة الغذائية بشكل كبير قد يصل إلى أكثر من85%، حيث لن يتمكن الجزء الباقي من الموارد الأرضية والمائية في عام 2050 إلا سد نحو 15% من الاستهلاك المتوقع من الغذاء.

وتقتضي مواجهة هذا التدهور المتوقع في مؤشرات الأمن المائي والأمن الغذائي خلال العقود الثلاثة القادمة، إحداث تغييرات جذرية في السياسات الزراعية والمائية تتناسب مع مخاطر التحديات المستقبلية. فإن تكيُّف القطاع الزراعي لسياق تغيُّر المناخ وإن كان ينطوي على تكاليفٍ باهظة، لكنه أمر حاسم للأمن الغذائي، والحدّ من الفقر، وصَون النظام الإيكولوجي.

تقييم الموقع