IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

COP 26.. مـاذا بعـد؟

 الأحد. 20 فبراير., 2022

COP 26.. مـاذا بعـد؟

 أ. أســمـاء رفـاعـــي الشـــحري

فـي ضوء تفاقم حدَّة التغيُّرات المناخية التي شهدها العالم فـي الآونة الأخيرة، اكتسب مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرون لتغيُّر المناخ الذي عُقد فـي مدينة جلاسكو الأسكتلندية (COP 26)، فـي الفترة بين 31 أكتوبر و13 نوفمبر 2021، زخمًا خاصًّا؛ فـيُعد هذا الاجتماع الأهم من نوعه منذ اعتماد اتفاقية باريس عام 2015؛ نظرًا لأنها المرة لأولى التي يُعقد فـيها المؤتمر منذ صدور أحدث تقرير عن علوم المناخ من قِبل الأمم المتحدة فـي أغسطس 2021، والذي حذَّر من ارتفاع درجة الحرارة العالمية بمعدل 1.5 إلى 1.6 درجة مئوية بحلول عام 2030 مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية، فضلًا عن إعلان المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن العقد المُنصرم كان الأكثر دفئًا على الإطلاق، بالإضافة إلى أهمية الملفات المدرجة على أجندة المؤتمر، لا سيَّما تعبئة رأس المال اللازم لتمكين دول العالم النامي من مجابهة آثار التغيُّر المناخي، والتكيف معها، ووضع اللمسات الأخيرة على القواعد الحاكمة لاتفاقية باريس لعام 2015.

فـي ضوء تفاقم حدَّة التغيُّرات المناخية التي شهدها العالم فـي الآونة الأخيرة، اكتسب مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرون لتغيُّر المناخ الذي عُقد فـي مدينة جلاسكو الأسكتلندية (COP 26)، فـي الفترة بين 31 أكتوبر و13 نوفمبر 2021، زخمًا خاصًّا؛ فـيُعد هذا الاجتماع الأهم من نوعه منذ اعتماد اتفاقية باريس عام 2015؛ نظرًا لأنها المرة لأولى التي يُعقد فـيها المؤتمر منذ صدور أحدث تقرير عن علوم المناخ من قِبل الأمم المتحدة فـي أغسطس 2021، والذي حذَّر من ارتفاع درجة الحرارة العالمية بمعدل 1.5 إلى 1.6 درجة مئوية بحلول عام 2030 مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية، فضلًا عن إعلان المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن العقد المُنصرم كان الأكثر دفئًا على الإطلاق، بالإضافة إلى  أهمية الملفات  المدرجة على أجندة المؤتمر، لا سيَّما تعبئة رأس المال اللازم لتمكين دول العالم النامي من مجابهة آثار التغيُّر المناخي، والتكيف معها، ووضع اللمسات الأخيرة على القواعد الحاكمة لاتفاقية باريس لعام 2015.  

ميثاق جلاسكو.. اتفاق اللحظات الأخيرة

تمكَّنت الدول المشاركة فـي القمة من التوصل إلى الوثيقة النهاية للقمة بعد انتهاء مدتها المحددة بنحو 24 ساعة، وأقرت «ميثاق جلاسكو للمناخ» فـي 13 نوفمبر 2021؛ إذ تمَّ تمرير الوثيقة المكونة من 10 صفحات فـي أعقاب إجراء بعض التعديلات ذات الصلة بالبند الخاص بـ «الإلغاء التدريجي» لدعم الوقود الأحفوري، والاستعاضة عنه بـ «التقليل التدريجي» لطاقة الفحم ودعم الوقود الأحفوري، ورغم تغيير هذا البند، تُعد الإشارة إلى الوقود الأحفوري فـي النسخة النهائية لوثيقة COP 26 حدثًا تاريخيًّا؛ حيث لم يشر أي نص من مخرجات مؤتمرات الأطراف السابقة إلى الوقود الأحفوري، رغم مسؤوليته عن 90% من غازات الاحتباس الحراري. 

وتمخَّض عن الميثاق جُملة من الاتفاقيات بشأن عدد من القضايا الشائكة، لا سيَّما الانتهاء من «كتاب قواعد باريس» الذي يتضمَّن الآليات التقنية لتنفـيذ اتفاقية باريس، وتبني إطار للشفافـية، وهي آلية للإبلاغ عن الانبعاثات، والأطر الزمنية للمساهمات المحددة وطنيًّا (NDCs)، عبر تقديم تقارير منتظمة بشأن التقدم المحرز فـي هذا الصدد، والتأكد من أن الدول كافة تُساهم بنصيبها فـي الجهود العالمية لكبح جماح التغيُّر المناخي، بالإضافة إلى توافق الأطراف المشاركة بشأن المادة 6 من اتفاقية باريس الخاصة بسوق الكربون، كما طالب الأطراف الموقِّعة بتغيير الأهداف المناخية لعام 2030، بأخرى أكثر طموحًا، وتقديم مساهمتهم المحددة وطنيًّا فـي عام 2022، بدلًا من عام 2025، وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 45% للوصول إلى صافـي صفر انبعاثات فـي منتصف القرن تقريبًا، فضلًا عن موافقة الأطراف الموقِّعة على الميثاق على تسريع وتيرة العمل خلال العقد الحالي والحفاظ على درجة حرارة الكوكب عند 1.5 درجة مئوية.  

وحثَّ الميثاق الدول المتقدمة على زيادة تمويلها للدول التي تعاني من وطأة التغيُّرات المناخية بما يتجاوز الهدف الحالي البالغ 100 مليار دولار، وتوسيع نطاق استراتيجياتها المالية بصورة عاجلة للتكيف مع الآثار الناجمة عن التغيُّر المناخي، ومضاعفتها بحلول عام 2025 عن مستويات عام 2019، كما تمخض عن القمة برنامج عمل «جلاسكو- شرم الشيخ»، والذي يُعد آلية رسمية لتوجيه ومضاعفة الموارد المالية نحو جهود التكيف مع عواقب التغيُّرات المناخية، هذا بالإضافة إلى تمويل «شبكة سانتياجو»، والتي تربط بدورها البلدان النامية والمُعرضة لخطر التغيرات المناخية بتلك التي تقدم المساعدات التقنية والموارد لمجابهة العواقب الكارثية للتغيرات المناخية. 

ائتلاف الراغبين.. هل نجحت القمة فـي تحقيق مأربها؟

لم تقتصر الاتفاقيات الطموحة للقمة على تلك المُدرجة بميثاق جلاسكو فحسب، وإنما تمَّ التعهد بالتزامات مهمة أخرى خارج مظلة الميثاق، على غرار اتفاقية إنهاء إزالة الغابات، وخفض الانبعاثات العالمية للميثان، ورغم أن تلك التعهدات غير مُلزِمة، ولا تعدو كونها مجرد ائتلافات للراغبين فـي الانضمام إليها، فإنها تُعد مكمِّلًا لاتفاقية باريس، ومن شأنها تعزيز السياسات المناخية التي تحتاج دول العالم إلى تطويرها وتنفـيذها فـي الوقت الراهن. 

وفـي هذا الإطار، وقَّع 141 زعيمًا من المشاركين فـي القمة يسيطرون على نحو 90% من إجمالي مساحة الغابات فـي العالم، اتفاقية إنهاء إزالة الغابات؛ للحيلولة دون فقدان الغابات، والاستثمار فـي حماية الغابات واستعادة غطائها النباتي بحلول عام 2030، وذلك بدعم من القطاعين العام والخاص تصل قيمته إلى 20 مليار دولار، كما تعهدت 30 مؤسسة مالية لديها أصول عالمية تزيد قيمتها على 8.7 تريليونات دولار، بتقويض الاستثمار والإقراض فـي الأنشطة ذات الصلة بإزالة الغابات بحلول عام 2025.  

بالإضافة إلى ذلك، وقَّعت أكثر من 100 دولة «التعهد العالمي للميثان»، والذي يهدف إلى خفض انبعاثات الميثان العالمية بنسبة 30% بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2020، بما يُفضي إلى تخفـيض الاحتباس الحراري بنسبة 0.2% درجة مئوية بحلول عام 2050، كما تعهَّدت نحو 29 دولة فـي مقدمتها المملكة المتحدة وكندا، وألمانيا، وإيطاليا بإنهاء الدعم الدولي المباشر للوقود الأحفوري بحلول نهاية عام 2022، وإعادة توجيه هذا الاستثمار فـي الطاقة النظيفة، بالإضافة إلى تشكيل «تحالف ما وراء النفط والغاز» Beyond Oil and Gas  Alliance - BOGA، بهدف إنهاء التراخيص الجديدة للتنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما، وتحديد تاريخ لتقويضهم يتسق مع أهداف اتفاقية باريس. 

بجانب ذلك، أعلنت المملكة المتحدة جُملة من الأهداف الخاصة باستخدام الطاقة النظيفة فـي عدة قطاعات ذات انبعاثات مرتفعة، وهي: الطاقة، والنقل البري، وصناعة الصلب، والزراعة، فضلًا عن المساعي الحثيثة لتوسيع نطاق الاستثمار فـي الطاقة الشمسية، وتعبئة نحو تريليون دولار للاستثمار فـيها بحلول عام 2030، وذلك جنبًا إلى جنب مع تعهُّد أكثر من 450 شركة فـي 45 دولة تتحكم فـي أصول بقيمة 130 تريليون دولار بمواءمة استثماراتها مع الأهداف الخاصة بالوصول إلى انبعاثات صفرية بحلول عام 2030، كما وافقت نحو 41 مدينة، و34 دولة، و11 شركة من كبار مصنعي السيارات على العمل على بيع المركبات عديمة الانبعاثات فقط بحلول عام 2040. 

هذا، وقد انقسم الخبراء بشأن مدى نجاح قمة COP 26؛ حيث أكَّد الفريق الأول أن البنود المُدرجة بالميثاق والاتفاقيات الأخرى التي عُقدت على هامش القمة لم تضع العالم على المسار الصحيح للحفاظ على درجة حرارة الكوكب عند 1.5 درجة مئوية، وأن تلك التعهدات يجب أن تقترن باستراتيجيات طموحة وخطط عمل محددة لضمان الالتزام بها، هذا فضلًا عن عزوف الملوثين الرئيسين فـي العالم عن تحمُّل المسؤولية الكاملة للحد من الانبعاثات ومجابهة آثارها، بالإضافة إلى أن التعهدات الخاصة بإزالة الغابات والميثان والفحم إما غامضة أو هشة أو لا تشرك اللاعبين الرئيسين فـي هذا الشأن، هذا بالإضافة إلى الخلط بين الالتزام والهدف، فالأخير لا يعدو كونه مجرد وعد بالمحاولة. 

وعلى النقيض، يرى الفريق الآخر أنه بغض النظر عن أوجه القصور فـي مخرجات القمة، فإن التطوارت سالفة الذكر تمثِّل تقدمًا ملحوظًا، لا سيَّما أنها ستُساهم فـي الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض، وذلك عبر تحديد المساهمات المحددة وطنيًّا للحد من الانبعاثات، فضلًا عن أن المبادرات التي تمخضت عن القمة يمكنها دفع الالتزام بتسريع إزالة الكربون، بالإضافة إلى تعاظم التوقُّعات الخاصة بالمضي قدمًا فـيما توصلت إليه القمة، والبناء على مخرجاتها، وتأكيد ضرورة دمج التعهدات التي قطعتها الدول على نفسها خارج مظلة الميثاق إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ. 

الحد من الانبعاثات.. بين الواقع والمأمول

قدَّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2020، أن الالتزامات السابقة لدول العالم بخفض الانبعاثات بحلول عام 2030، من شأنها أن تفضي إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بمعدل 3 درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحالي، الأمر الذي أكَّد الحاجة المُلحة لتقديم التزامات دولية جديدة بشأن الانبعاثات، وتحديد مساهمات محددة وطنيًّا جديدة (NDCs)، والتي يتم تحديثها بصورة دورية كل خمس سنوات بموجب اتفاقية باريس، وكان من المقرر تقديمها على هامش COP 26. 

وفـي هذا السياق، قدَّمت نحو 151 دولة بحلول نهاية القمة مساهمات محددة وطنيًّا جديدة (NDCs)، والمقرر بموجبها خفض الانبعاثات إلى النصف بحلول عام 2030، والحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية، ونصَّ ميثاق جلاسكو على إعادة النظر فـي أهداف 2030، وتعزيزها فـي المساهمات المحددة وطنيًّا التي سيتم تقديمها نهاية عام 2022 لمواءمتها مع الأهداف المدرجة باتفاقية باريس، وأكّد أن الحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية يتطلب تقليل انبعاثات الكربون بنسبة 45% بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2010، وشدَّد على جميع البلدان بتقديم استراتيجيات طويلة الأجل للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050.  

من جهتها، قدَّرت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أنه فـي حال التزام الدول بتنفـيذ التعهدات التي قطعتها على نفسها قبل وفـي أثناء COP 26، فمن المرجَّح أن ترتفع درجة الحرارة العالمية بمقدار 1.8 درجة مئوية بحلول عام 2100، بما يتجاوز هدف اتفاقية باريس بنحو 0.3 درجة مئوية، ويرجِّح بعض المراقبين احتمالية ارتفاع الانبعاثات بنسبة 16%، بما يدفع الكوكب إلى ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو جوتيريش» بـ «المسار الكارثي»، الذي يُنذر بزيادة درجة الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100، وتشير التقديرات إلى أن الارتفاعات المتوقَّعة فـي درجة الحرارة تُنذر بعواقب بيئية واجتماعية كارثية؛ حيث يشهد العالم فـي الوقت الراهن كوارث مناخية رغم أن درجة الحرارة لم تتجاوز 1.1 درجة مئوية.  

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من دول العالم تعهَّدت خلال العامين الماضيين بالوصول إلى الحياد الكربوني؛ حيث أكَّدت البلدان التي تسيطر على 90% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي الوصول إلى صافـي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، الأمر الذي من شأنه رفع درجة حرارة الكوكب إلى 1.8 درجة مئوية، وانقسم الخبراء بشأن جدوى تلك الالتزامات؛ ففـي حين يرى فريق أهمية تلك التعهدات، لا سيَّما أنها المرة الأولى التي يتمخض عنها درجة حرارة أقل من 2 درجة مئوية، شكَّك الفريق الآخر فـي مصداقية تلك الالتزامات أو القدرة على الوفاء بها، نظرًا لأنها غير مدعومة بتحديد واضح وطموح للمساهمات المحددة وطنيًّا (NDCs)، فضلًا عن أن بعضها يعتمد على تقنيات لم يتم تطويرها بعد، أو لم تنتشر على نطاق واسع. 

ورغم أهمية التعهَّدات سالفة الذكر، تتفاقم المخاوف المحدقة بتنفـيذها؛ وذلك فـي ضوء طواعية الالتزام بها، وغياب آلية العقوبات الملزمة فـي حالة عدم الامتثال بها، وإمكانية التنصل منها دون تبعات، وذلك على غرار انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس.  

تمويل المناخ.. إشكاليات رئيسة

مثَّلت قضية التمويل خطًّا فاصلًا فـي مفاوضات المناخ السابقة؛ إذ تعهَّدت الدول المتقدمة عام 2009، بموجب اتفاق كوبنهاجن، بتعبئة 100 مليار دولار بحلول عام 2020؛ لمساعدة الاقتصادات الناشئة على إزالة الكربون والحد من الانبعاثات، والتكيف مع آثار التغيُّر المناخي، ولكنها فشلت فـي الوفاء بتلك التعهدات؛ حيث تشير التقديرات الأخيرة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن إجمالي تمويل المناخ بلغ 79.6 مليار دولار فـي عام 2019، هذا فضلًا عن توجيه الدعم المالي لجهود التخفـيف بدلًا من التكيف، رغم أهمية الأخير للدول النامية التي غالبًا ما تفتقر إلى البنية التحتية الوقائية، مثل حواجز الفـيضانات، ولذا حث ميثاق جلاسكو الدول المتقدمة على الوفاء بتعهداتها التمويلية على وجه السرعة، ووافقت الدول على بلوغ هدف التمويل السنوي البالغ 100 مليار دولار فـي غضون عامين. 

وفـيما يخص جهود التكيف، تشير التقديرات إلى أنها تحظى بـ 25% فقط من التمويل المخصص للمناخ، ونصَّ ميثاق جلاسكو على مضاعفة التمويل المخصص لجهود التكيف من مستويات عام 2019 بحلول عام 2025. ولكن تشير تقديرات برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة إلى أن العالم بحاجة إلى مضاعفة أموال التكيف البالغة نحو 70 مليار دولار حاليًّا، أربع مرات بحلول عام 2030، ومن المتوقَّع أن تترواح بين 140 و300 مليار دولار فـي عام 2030، ونحو 280 و500 مليار دولار بحلول عام 2050. 

وتجدر الإشارة إلى أن قمة COP 26 شهدت دعم جهود التكيف بصورة غير مسبوقة؛ حيث قُدِّمَت مساهمات تُقدَّر بنحو 356 مليون دولار لصندوق التكيف، و413 مليون دولار لصندوق البلدان الأقل نموًّا، كما اعتمدت قمة COP 26 برنامج «جلاسكو - شرم الشيخ»، لتفعيل وتنفـيذ هدف اتفاقية باريس الخاص بالتكيف (GGA) من خلال ورش عمل منتظمة، فـي الفترة بين عامي 2022- 2024، وتقييم التقدم المُحرز فـي تحقيقه.  

وسلَّط ميثاق جلاسكو الضوء على قضية «الخسائر والأضرار» التي تشير إلى أن التغيُّر المناخي يتسبب فـي خسائر مدمرة فـي الأرواح والأراضي وسبل العيش، وورد ذكر القضية أكثر من 12 مرة فـي النصوص النهائية للقمة، ولكن دون أن يصحبها التزامات بالتمويل أو آليات محددة لتأمين التمويل ووضع مبادئ أكثر تفصيلًا للاستجابة للخسائر والأضرار. ورغم تضمين تلك القضية فـي اتفاقية باريس، لكنها ظلَّت محل جدل محتدم بين الدول النامية والمتقدمة؛ إذ عارضتها الأخيرة خوفًا من احتمالية تفسيرها بالمسؤولية التاريخية للدول المتقدمة عن زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ومن ثمَّ مطالبتها بالتعويض، أو رفع دعاوى قضائية ضدها فـي المحاكم الدولية.

ومن المرجَّح أن تحتل قضية «الخسائر والأضرار» صدارة المفاوضات فـي COP 27، لا سيَّما أن قمة COP 26 قد أحرزت تقدمًا واضحًا فـي تحديد شكل ووظائف «شبكة سانتياجو» التي أُنشئت على هامش COP25 بشأن الخسائر والأضرار، ولكن أُرجِئت الترتيبات المؤسسية المتعلقة بها لمناقشتها خلال قمة COP 27، ورغم أن هذا الأمر غير كافٍ لمعالجة الأضرار والخسائر، يأمل المراقبون فـي حدوث مزيد من التقدم فـي هذا الصدد خلال السنوات المقبلة. 

وأشار المراقبون إلى أن هناك معضلة تتعلق بسُبل تقديم التمويل الخاص بالمناخ؛ ففـي كثير من الأحيان تُقدَّم تلك الأموال للدول النامية فـي شكل قروض، الأمر الذي يثقل كاهل تلك البلدان التي تعاني بالفعل من ضغوط اقتصادية بمزيد من الديون؛ حيث تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن القروض شكَّلت 71% من التمويل العام للمناخ عام 2019، فـيما مثَّلت المنح 27% فقط، ويحذر الخبراء من أن السير وفقًا لهذا النهج سيدفع البلدان النامية للعزوف عن سياسات الحد من الانبعاثات ومقاومتها. 

كتاب قواعد باريس.. حصاد خمس سنوات من المفاوضات

نجحت قمة COP 26 فـي إصدار «كتاب قواعد باريس»، والذي كان يُعد أبرز القضايا الجدلية على طاولة مفاوضات مؤتمرات الأمم المتحدة لتغيُّر المناخ منذ عام 2015، لا سيَّما المادة 6 من الاتفاقية، والخاصة بأسواق الكربون، والتي تهدف إلى تعزيز الطموحات المتعلقة بإجراءات التكيف والتخفـيف، من خلال إنشاء ثلاث آليات تعاونية لتحقيق الأهداف المناخية، بينهما هدفان يعتمدان على السوق، لإنشاء أسواق الكربون الدولية، وذلك عبر تسعير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وإنشاء آليات محاسبية للحد منها، ويمكن أن يتخذ هذا النسق شكل ائتمانات أو تعويضات يتم تداولها مع دول أخرى، وبالتالي يمكن للدول الأكثر ثراءً تعويض انبعاثاتها المرتفعة عن طريق تمويل الطاقة النظيفة فـي البلدان النامية، أو المساعدة فـي استعادة النظم البيئية التي تمتص الكربون مثل الغابات المطيرة. 

هذا وقد اتفق المفاوضون على آلية لتجنب ازدواجية حساب كمية الانبعاثات، فضلًا عن فرض ضريبة قدرها 5% على الانبعاثات التي يتم تداولها من خلال هذه الآلية وتخصيصها لتمويل تدابير التكيف، ولكن يتخوف المراقبون من عدم اقتران تلك الآليات بأدوات ردع لكبح جماح بعض الشركات والدول التي ستسعى للتحايل على هذه القواعد واختراقها، فضلًا عن المخاوف المحدقة باحتمالية استغلال الدول الأكثر ثراءً تلك الآليات لصالحها، وذلك بعدم الالتزام بالحد من الانبعاثات مقابل دفع تعويضات، بالإضافة إلى أن عدم وجود آلية ملائمة للمراقبة والتحقق تجعل الفرصة سانحة لبعض الدول بعدم تقديم التعويضات الكافـية مقابل تخفـيضات الكربون التي تعهَّدت بها.  

ومن الجدير بالذكر أن الدول المشاركة فـي القمة قررت السماح بترحيل أرصدة الكربون القديمة التي تمتلكها منذ عام 2013، بموجب آلية التنمية النظيفة لبروتوكول كيوتو للمساعدة فـي الوفاء بالتزامات المناخ الواردة فـي اتفاقية باريس، وتتوقف جدوى هذا الأمر على الإرشادات الصارمة التي سيضعها المفاوضون على هامش COP 27 فـي عام 2022؛ للتأكد من أن هذه الائتمانات القديمة تمثِّل تخفـيضات حقيقية للانبعاثات. 

COP 27.. الفرصة الأخيرة لإنقاذ الكوكب

من المقرر أن يُعقَد مؤتمر الأمم المتحدة السابع والعشرون لتغيُّر المناخ COP 27 فـي مصر، نهاية عام 2022، ويحظى المؤتمر بأهمية جوهرية؛ نظرًا لأنه سيرتكز بصورة كبيرة على البناء على المخرجات التي انبثقت عن COP 26، والتقدم الذي أحرزه، لا سيَّما ما يتعلق بجهود التمويل والتكيف، والسياسات الوطنية للحد من الانبعاثات.

وفـي ضوء النتائج المختلطة لـ COP 26، يُعد مؤتمر COP 27 الفرصة الأخيرة لإنقاذ الكوكب؛ نظرًا لأنه يتعيَّن على الجهات الرئيسة المصدرة للانبعاثات تغيير الأهداف المناخية لعام 2030 بأخرى أكثر طموحًا خلال الشهور المقبلة حتى موعد انعقاد COP 27، وانعكاس تلك الأهداف فـي المساهمات المحددة وطنيًّا التي سيتم تقديمها خلال عام 2022 على هامش قمة المناخ المقبلة، ووضع سياسات وأطر تنظيمية قوية لدفع تنفـيذ تلك الالتزامات؛ للحفاظ على درجة حرارة الكوكب عند 1.5 درجة مئوية.

ورغم أن الدول تتمتع بالسيادة الكاملة فـي السياسات التي تضعها والإجراءات التي تتبعها لمجابهة التغيُّرات المناخية، فـيمكن للمؤتمر النظر فـي كيفـية تنفـيذ تلك السياسات بالصورة المُثلى، والضغط على الدول التي لم تقم بتحديث مساهماتها المحددة وطنيًّا، بالإضافة إلى مناقشة سُبل تلبية الاحتياجات العاجلة للبلدان الأكثر تعرضًا للعواقب الكارثية للتغيُّرات المناخية. 

وختامًا، فإنه فـي ضوء قمة المناخ COP 27 المُزمع انعقادها فـي مصر خلال عام 2022، والقمة التالية المتوقَّع انعقادها فـي الإمارات العربية المتحدة، فمن المرجَّح أن تتجه الجهود الدولية للتركيز بشكل أكبر على سُبل التكيف، ومعضلة الخسائر والأضرار، وقضية التمويل الدولي للمناخ، وأن يُساهم الانتهاء من تقارير التقييم السادس (AR6) للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ قبل قمة المناخ المرتقبة فـي مصر، فـي دفع تلك الجهود قدمًا؛ حيث إنه سيقدِّم مزيدًا من التفاصيل حول الآليات اللازمة لتخفـيف وطأة الآثار المحتملة للتغيرات المناخية، وسُبل الاستجابة الدولية المُثلى فـي هذا الصدد، لا سيَّما فـي ظل التوقُّعات المُثارة بتصاعد الضغوط الشعبية على القادة السياسيين لإحراز مزيد من التقدم فـي قضايا المناخ. وفـيما يتعلق بالسيناريوهات الخاصة بمستقبل العمل المناخي، فلا شك أن نجاح مخرجات قمة COP 26 والجهود الدولية ذات الصلة، سيكون مرهونًا بمدى وفاء القادة بالتعهدات التي قطعوها خلال قمة جلاسكو، بالإضافة إلى إنشاء آلية مؤسسية لمراقبة تنفـيذها.

تقييم الموقع