IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

مستقبل التنوُّع البيولوجي فـي ظل التغيُّرات المناخية

 الأحد. 20 فبراير., 2022

مستقبل التنوُّع البيولوجي فـي ظل التغيُّرات المناخية

 أ. رباب محــروس عبد الحميد الخولي

حظيت قضية التنوُّع البيولوجي بأهمية واضحة خلال الفترة الأخيرة، والتي تنبع من ارتباطها الشديد بكل جانب من جوانب حياتنا تقريبًا؛ فالتنوُّع البيولوجي - كما أشارت إليه الأمينة التنفـيذية لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي «كريستيانا باسكا بالمر»- يُعد «بنية تحتية تدعم الحياة على سطح الأرض، فهو يمدنا بالهواء الذي نتنفسه، والطعام الذي نأكله، والمناظر الخلابة التي تحيط بنا وتُدخل علينا البهجة والسرور».

حظيت قضية التنوُّع البيولوجي بأهمية واضحة خلال الفترة الأخيرة، والتي تنبع من ارتباطها الشديد بكل جانب من جوانب حياتنا تقريبًا؛ فالتنوُّع البيولوجي - كما أشارت إليه الأمينة التنفـيذية لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي «كريستيانا باسكا بالمر»- يُعد «بنية تحتية تدعم الحياة على سطح الأرض، فهو يمدنا بالهواء الذي نتنفسه، والطعام الذي نأكله، والمناظر الخلابة التي تحيط بنا وتُدخل علينا البهجة والسرور».

أهمية التنوُّع البيولوجي

يُقصد بالتنوُّع البيولوجي التنوُّع فـي الكائنات الحية بأشكالها المختلفة على الأرض، فهو يضم كل أنواع النباتات، والحيوانات، والأحياء الدقيقة من فطريات وطحالب وغيرها، وتفاعلها مع البيئات المحيطة بها والتي تعيش فـيها، لذا نجد أن قيمة التنوُّع البيولوجي تتمثَّل فـي قدرته على تكوين أنظمة بيئية صحية، تختص بتنقية الهواء والماء، وتحافظ على توفُّر تربة خصبة، فضلًا عن قدرته على توفـير حواجز بيئية ضد أية أضرار، فهو يساعد البشرية على جعل الأنظمة البيئية المختلفة صحية ومنتجة ومرنة تجاه الصدمات والتَغَيُّرات، وتجدر الإشارة إلى أن موارد التنوُّع البيولوجي هي بالأساس التي تشكل الغذاء البشري، فنجد أن الأسماك توفر 20% من البروتين الحيواني لقرابة ثلاثة مليارات نسمة، كما أن النباتات تتيح أكثر من 80% من النظام الغذائي، فضلًا عن أن ما يقرب من 80% من سكان المناطق الريفـية فـي البلدان النامية يعتمدون على الأدوية النباتية، وذلك وفقًا لتقديرات منظمة الأمم المتحدة.(1)

والجدير بالذكر، أن التنوُّع البيولوجي يتمتع بقيم متعددة، والتي صنَّفها تقرير صادر عن «معهد الدراسات البيئية بالهند» (2) إلى الآتي: 

قيمة استهلاكية: حيث يُوفر التنوُّع البيولوجي الموجود فـي النظام البيئي لسكان الغابات، على سبيل المثال، جميع احتياجاتهم اليومية من غذاء ومواد بناء وأعلاف وأدوية متنوعة، كما يعتمد الصيادون فـي النظم البيئية البحرية بشكل كبير على الأسماك، فهم يعرفون أين وكيف تُصطاد الأسماك، وغيرها من الحيوانات والنباتات المائية الصالحة للأكل.

قيمة استخدام المنتج: حيث يُوفر «التنوُّع الجيني» المدخل الأساسي فـي علم التكنولوجيا الحيوية، والذي يختص بالبحث والتنقيب عن الخصائص الجينية المحتملة فـي النباتات أو الحيوانات، والتي يمكن استخدامها وتطوير سلالاتها إلى أصناف وفصائل أفضل، وذلك كما يحدث فـي إنتاج أصناف مختلفة من المحاصيل الزراعية، أو سلالات من الماشية.

قيمة اجتماعية: حيث يُوفر التنوُّع البيولوجي لسكان الأنظمة البيئية المختلفة سبل عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم، كما أنه يُشكل ثقافتهم ومعارفهم، فهو بمثابة ركيزة أساسية للتنوع الحضاري على الأرض.

قيمة أخلاقية: حيث تستند القيم الأخلاقية المتعلقة بالحفاظ على التنوُّع البيولوجي بالأساس إلى أهمية حماية جميع أشكال الحياة على وجه الأرض، فهو حق مكتسب لجميع الكائنات الحية، ومن واجبنا المحافظة عليه.

قيمة جمالية: حيث يُجسد التنوُّع البيولوجي بمختلف أنظمته الإيكولوجية جانبًا من جوانب الحياة الطبيعية، والتي تتضح من خلالها مظاهر الجمال المختلفة من مناظر خلابة للأشجار والغابات، ومشاهدة الطيور بأنواعها كافة، ومراقبة الأسماك والشعاب المرجانية، وغيرها من أشكال الحياة.

أثر التغيُّرات المناخية على النظم البيئية المختلفة 

اتضح جليًّا تدهور التنوُّع البيولوجي فـي جميع أنحاء العالم بمعدلات غير مسبوقة خلال العقود الأخيرة؛ حيث تغيَّر نحو 77% من شكل اليابسة على كوكب الأرض، مقارنة بـ ١٥% فقط خلال القرن الماضي، وانخفضت أعداد الأسماك بنسبة 71%، وأعداد الفقاريات بنسبة 60% مقارنة بعام 1970، هذا بالإضافة إلى أن هناك ما لا يقل عن 37% من أسماك المياه العذبة، ونحو 23% من البرمائيات، مهددة -حاليًّا- بالانقراض.(3)

وتتعدد الأسباب وراء هذا التدهور، ولكن يظل العنصر البشري بتفاعله مع الطبيعة هو السبب الرئيس لإحداثه، من خلال الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، والتلوث البيئي، وتدمير الموائل (4) الطبيعية، وغيرها من مظاهر تفاعل الإنسان مع الطبيعة. 

ولعل السبب الرئيس - حاليًّا - لتدهور التنوُّع البيولوجي هو ظاهرة التغيُّر المناخي، والتي تسببت فـي الإسراع من وتيرة تهديد الحياة على الأرض، وانقراض الكائنات الحية، فعلي سبيل المثال: تعاني النظم الإيكولوجية البحرية -حاليًّا- من تدمير الشعاب المرجانية، والتي تكمن أهميتها فـي اعتبارها موطنًا لأكثر من 25% من جميع أشكال الحياة البحرية، فهي تُوفر منازل إضافـية للأسماك والقواقع والمخلوقات البحرية المتنوعة، كما أنها تحتوي على أعلى قدر من التنوُّع البيولوجي فـي النظام البيئي؛ مما يجعلها واحدة من أكثر النظم البيئية تعقيدًا وقيمة من الناحية البيولوجية، وعلى الرغم من أهميتها، فإنها تواجه -حاليًّا- أزمة وجودية بسبب تغيُّر المناخ؛ حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى ابيضاض الشعاب المرجانية، فعندما تطول فترة ارتفاع درجة حرارة البحر فإن ذلك يتسبب فـي تعطيل العلاقة التكافلية بين المرجانيات وكائنات الزوزانتللي (5) (الطحالب) المصاحبة لها، ونتيجة لذلك يفقد المرجان لونه وخصائصه الحيوية، وكونه ملجأ للكائنات البحرية.(6)

وفـي السياق ذاته، يظهر جليًّا مدى اختلال النظم البيئية البرية عبر تفشي الأمراض ذات المنشأ الحيواني لدى البشر، وعلى رأسها فـيروس «كورونا» المستجد؛ فوفقًا لما أشارت إليه مساعدة المدير التنفـيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة «إنجر أندرسون» حينما علقت بأنه «من خلال كوفـيد-19 أرسل الكوكب أقوى تحذير حتى الآن بأن البشرية يجب أن تتغير»، فانتشار الوباء العالمي أوضح لنا أهمية التعامل مع التهديدات التي تتعرض لها النظم الإيكولوجية والحياة البرية. وجدير بالذكر أنه منذ عام 2016 حذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من مثل هذا النوع من الأمراض؛ إذ أشار إلى أن 75% من جميع الأمراض المعدية الناشئة لدى البشر هي أمراض ذات منشأ حيواني، وأن هذه الأمراض الحيوانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بصحة النظم الإيكولوجية.(7)

وفـي ضوء ما سبق، نجد أن قضية التنوُّع البيولوجي لا تقل أهمية عن قضية تغيُّر المناخ؛ فهناك العديد من الروابط المشتركة بينهما، حيث إن تغيُّر المناخ يهدد التنوُّع البيولوجي، بينما حماية الطبيعة والحفاظ على التنوُّع البيولوجي يُعدان الحل الأمثل لخفض تأثيرات تغيُّر المناخ؛ فالتنوُّع البيولوجي وتغيُّر المناخ بمثابة وجهين لعملة واحدة.

هذا وتبذل دول العالم جهودًا حثيثة لمصالحة الطبيعة واستعادة توازن الأنظمة البيئية، وجاء ذلك نتيجة لما تضطلع به الموارد البيولوجية بدور حيوي فـي تحقيق الأمن البيئي والصحي، ومن جانب آخر لما تواجهه الأنظمة الإيكولوجية -حاليًّا- من تحديات بشكل غير مسبوق، فمنذ عام 1988، وتحديدًا فـي شهر نوفمبر، بدأ الاعتراف الدولي بهذه القضية المهمة؛ حيث دعا «برنامج الأمم المتحدة للبيئة»(8) إلى تشكيل فريق من الخبراء المتخصصين فـي مجال التنوُّع البيولوجي للبحث فـي إمكانية إبرام اتفاقية دولية للحفاظ على التنوُّع البيولوجي، والتي تُعد بمثابة صك قانوني دولي لحفظ التنوُّع البيولوجي واستخدامه على نحو مستدام، وقد اعتُمِدت الاتفاقية فـي «مؤتمر نيروبي»، فـي 22 مايو عام 1992، وأصبح هذا التاريخ مخصصًا للاحتفال باليوم العالمي للتنوع البيولوجي من كل عام، وقد بلغ عدد الدول المنضمة للاتفاقية فـي ذاك الوقت 168 دولة (9)، وتوالى تزايُد عدد الدول المنضمة إليها مع مرور السنوات السابقة ليبلغ فـي وقتنا الحالي 196 دولة.

وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية تسعى إلى معالجة جميع التهديدات التي يتعرض لها التنوُّع البيولوجي والنظام البيئي، بما فـي ذلك التهديدات النابعة من تغيُّر المناخ، من خلال دعم التقييمات العلمية، ونقل التقنيات والممارسات المتطورة، وتنسيق سبل التعاون الفعال بين أصحاب المصلحة المعنيين. 

مستقبل التنوُّع البيولوجي

تم عقد مؤتمر الأطراف العاشر فـي مدينة ناغويا فـي اليابان فـي أكتوبر 2010 (10)،

واعتمدت فـي إطاره الخطة العشرية  2011 - 2020 والتي سُمِّيت بـ «الاستراتيجية الحديثة للاتفاقية الدولية للتنوع الحيوي» أو «أهداف آيتشي» نسبة إلى إقليم (AICHI) فـي اليابان (11)، وقامت بوضع خطة استراتيجية لتنفـيذها حتى عام 2020، «الخطة الاستراتيجية للتنوُّع البيولوجي 2011 – 2020»، ووفقًا للتقارير الأولية والنصفـية لتقييم الخطة الاستراتيجية، وفـي ضوء انتشار جائحة «كورونا»، وُجِد أن هذه الأهداف لم تتحقق بعد، والتي تتمثل فـي «وقف انقراض بعض الكائنات المهددة بالانقراض والحد من التلوث والحفاظ على الغابات»، حيث أظهر تقرير صادر عن «المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات فـي مجال التنوُّع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية» فـي عام 2019 (12)، أن الأنشطة البشرية الحالية يمكن أن تؤدي إلى انقراض ما يصل إلى مليون نوع من الكائنات الحية خلال العقود القليلة القادمة، وهو ما سيُعرِّض مستقبل البشرية للخطر؛ لذا تتكاتف الجهود الدولية الحالية فـي وضع وصياغة إطار عالمي للتنوع البيولوجي لما بعد عام 2020، وهو ما ناقشه «مؤتمر الأطراف للتنوع البيولوجي COP 15»، حيث كان من المفترض عقده فـي عام 2020، ونظرًا لتداعيات جائحة «كورونا» أُجِّل إلى عام 2021.

وفـي ضوء فعاليات المؤتمر(13)، قامت مصر - التي استضافت مؤتمر الأطراف الرابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي COP 14 - بتسليم الصين رئاسة الدورة 15 لمؤتمر الأطراف لاتفاقية التنوُّع البيولوجي، حيث عُقِد افتراضيًّا خلال الفترة من 11-15 أكتوبر 2021، ولعل من أبرز إيجابيات المؤتمر هو إعلان الصين عن استثمار 1.5 مليار يوان (نحو 230 مليون دولار)، لإنشاء «صندوق كونمينغ للتنوع البيولوجي»، لدعم حماية التنوُّع البيولوجي فـي الدول النامية، كما أنها دعت دولًا أخرى للمساهمة، ومنها اليابان التي ساهمت بـ 1.8 مليار ين (نحو 17 مليون دولار)، كما أعلن الاتحاد الأوروبي عن مضاعفة التمويل الخارجي للتنوُّع البيولوجي، وأشارت فرنسا إلى الالتزام بتخصيص 30% من الإنفاق المخصص لمواجهة التغيُّرات المناخية للتنوع البيولوجي، فضلًا عن إعلان بريطانيا عن توجيه جزء كبير من التمويل المخصص للمناخ نحو التنوُّع البيولوجي.(14)

واتساقًا مع اعتماد إعلان كونمينغ لدعم حماية التنوُّع البيولوجي فـي مواجهة التهديدات، فقد ساهمت مناقشات جلسات الجزء الأول من المؤتمر -أيضًا- فـي تمهيد الطريق لصياغة غايات وأهداف جديدة للتنوع البيولوجي، والتي سيتَّفق بشأنها أطراف الاتفاقية فـي فعاليات الجزء الثاني من المؤتمر خلال شهري أبريل ومايو 2022، فهو يُعد لحظة فارقة لتنظيم علاقة البشر بالبيئة الطبيعية؛ حيث إنه مَعني بوضع إطار وخريطة طريق عالمية للتنوع البيولوجي.(15)

وختامًا، فقد حان الوقت لتتكاتف جهود المجتمع الدولي، من أجل وضع إطار عام يَحد من السياسات والإجراءات التي تساهم فـي تدمير البشرية وزوالها، فهناك العديد من الأنشطة الضارة، والتي لا تزال مستمرة رغم أنها تخل بالنظام البيئي دون اتخاذ أية إجراءات بشأنها، ومنها ما ينفذ فـي ضوء دعم قطاع الصناعة فـي بعض الدول، مثل: الصيد المفرط، وقطع الأشجار، وحرق الغابات، الأمر الذى من شأنه الإضرار بالبيئة والتنوُّع البيولوجي، كذلك تظهر أهمية القيام بالتخلص التدريجي من استخدام المواد البلاستيكية غير القابلة للتحلل البيولوجي، وتغييرها بمواد أخرى، مثل: (الزجاج، والسليكون، والفولاذ المقاوم للصدأ، والخشب، وغيرها)، فضلًا عن ضرورة صياغة سياسات بيئية فعالة من قِبل صناع القرار فـي العالم، والتي تعتمد على أنظمة محاسبية جادة من شأنها الحد من فقدان التنوُّع البيولوجي.

تقييم الموقع