IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

جيش أوروبا الموحد.. آفاق وتحديات

 الثلاثاء. 19 أبريل., 2022

جيش أوروبا الموحد.. آفاق وتحديات

 أ. د. سعاد محمود أبو ليلة

تشير الخبرة التاريخية إلى أن الاتحاد الأوروبي يركز تقليديًّا بدرجة كبرى على الشؤون المرتبطة بمجال الأمن "Security" مقارنة بتلك المرتبطة بمجال الدفاع "Defense"، حيث كان الاعتقاد بأن منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ستكون الإطار المحقق للدفاع الجماعي عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والتي هي أيضًا أعضاء بالفعل في الحلف، في حالة وجود عدوان خارجي على أراضي الاتحاد الأوروبي، رغم ذلك تبنّى الاتحاد الأوروبي عبر تاريخه محاولات عديدة من أجل تحقيق التعاون بين أعضائه في هذا المجال، ارتباطًا باتساع مصالحه العالمية من ناحية، واضطراره للتعامل مع تهديدات داخلية وخارجية من ناحية أخرى، وهو ما أوجد دافعًا لإثارة قضية تشكيل جيش أوروبي موحد من جديد، والتي هي فكرة قديمة ترجع إلى خمسينيات القرن الماضي.

وفي هذا السياق يسعى هذا المقال للإجابة عن عدة تساؤلات من قبيل: لماذا يحتاج الاتحاد الأوروبي أساسًا إلى جيش موحد؟ ولماذا الآن؟ خاصة وأنه يطرح نفسه عالميًّا كقوة مدنية "Civil Power" ترتكز في سلوكها الخارجي على ما يُسمَّى بالقوة المعيارية "Normative Power"، من جانب آخر إذا فرضنا جدلًا إمكانية تشكيل مثل هذا الجيش، فعلى أي نموذج سيؤَسَّس؟ أو بمعنى آخر هل سيُبنى وفقًا للنموذج التعاوني "Cooperative"؟ أم النموذج الاندماجي "Integrative"؟ وما علاقة ذلك بما يُسمّى بالاستقلال الاستراتيجي للاتحاد "Strategic Autonomy"؟ وأخيرًا ما التحديات الداخلية والخارجية التي من المحتمل أن تعوق تشكيل هذا الجيش؟

وفي ذلك يفترض هذا المقال أن تشكيل هذا الجيش الأوروبي الموحد ليس بالأمر المتوقَّع في الأجل القصير أو المتوسط، بسبب تحديات مرتبطة أكثر بعوامل داخلية مقارنة بالعوامل الخارجية، ولذلك ينقسم هذا المقال إلى ثلاثة محاور، يحلل الأول فكرة تشكيل جيش أوروبي موحد وأبعاد تطورها، بينما يرصد الثاني النماذج المقترحة لتشكيل الجيش الأوروبي، في حين يتناول الثالث التحديات الداخلية والخارجية التي تعوق تشكيل مثل هذا الجيش.

أولًا- الـجـيـــش الأوروبـي الـمـوحـــــد: جذور الفكرة وأبعاد تطورها

يرجع حلم تشكيل جيش أوروبي موحد إلى عام 1952، حيث صيغت فكرة تشكيله من جانب كل من بلجيكا وفرنسا وإيطاليا ولوكسمبرج وهولندا وألمانيا الغربية، أي قبل أن يُسمح لألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية بأن يكون لها جيشها الخاص؛ حيث صدَّق برلمانها على الفكرة آنذاك، ولكن البرلمان الفرنسي قد رفضها؛ مما أسفر عن تأسيس جيش ألمانيا الغربية عام 1955، ومن ثَمَّ اتجه التكامل الأوروبي إلى استكمال مساره الاقتصادي دون العسكري، رغم ذلك فإن البُعد الأمني لم يكن غائبًا في مسيرة الاندماج الأوروبي؛ حيث كانت هناك محاولات عديدة لتحقيق التعاون بين دول الاتحاد في الشؤون السياسية والأمنية والتي انتهت إلى تشكيل "سياسة مشتركة في مجال السياسة الخارجية والأمنية" "EU Common Foreign and Security Policy" عام 1993، ثم وضع السياسة الأوروبية الأمنية والدفاعية "European Security and Defense Policy [ESDF]" عام 1999، والتي ترتبط مباشرة بجوهر السيادة على المستوى الوطني، حيث ارتكزت هذه السياسة على إجراءات معقدة لصنع القرار وفقًا لاقتراب يرتكز على التعامل من أسفل إلى أعلى "Bottom Up".

ويتبنّى الاتحاد الديمقراطية الليبرالية كمنطلق لسلوكه الخارجي، ومن ثَمَّ فإن الخطاب السياسي الأمني له وجَّه كل الجهود في هذا المضمار نحو تطوير قدرات الاتحاد في مجال الأمن الإنساني وعمليات حفظ وصنع وبناء السلام، وإدارة الأزمات، فضلًا عن تبنِّي "القوة المعيارية" اعتمادًا على جاذبية الاتحاد الأوروبي، وباتساع التهديدات التقليدية الداخلية والخارجية، فضلًا عن بروز تهديدات مختلطة Hybrid Threats، وكذلك أبعاد التغير في البيئة الدولية، وتأثير ذلك على العلاقات عبر الأطلسي خاصة التصريحات الأمريكية للرئيس "ترامب" حول المستقبل غير المؤكد لحلف شمال الأطلسي، وكذلك التحرك الأحادي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية في القضايا الدولية (الانسحاب من أفغانستان على سبيل المثال)، والمطالبة الأمريكية بمزيد من الإسهامات المالية لكل دولة أوروبية عضو في منظمة حلف شمال الأطلسي من ناتجها القومي الإجمالي، الأمر الذي اعتبره الأوروبيون نوعًا من الابتزاز. هذا وقد أصبح الاتحاد الأوروبي مدركًا لمحدودية قدراته الدفاعية القادرة على التعامل مع كل تلك التهديدات، وهو ما مهّد الطريق أمام الدفع نحو المطالبة بإنشاء إطار دفاعي أوروبي مشترك، تمثَّل في Permanent Structure Cooperation Defense.

وبالتوازي مع ذلك عاد الجدل القديم حول تشكيل جيش أوروبي موحد في الظهور مجددًا بدعم من الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" والمستشارة الألمانية السابقة "أنجيلا ميركل"، في الوقت نفسه الذي وجد قبولًا داخل المفوضية الأوروبية، وفي المقابل وجد بعض الخبراء والعناصر العسكرية الأوروبية أن مثل هذه الخطوة تُعد "غير ضرورية" أو "غير حكيمة" ما دامت أوروبا قد اتجهت بالفعل نحو تحقيق تعاون وثيق بين أعضاء الاتحاد في الشؤون الدفاعية. ووفقًا لذلك كان الاتجاه نحو صياغة استراتيجية مشتركة للأمن؛ حيث كانت استخبارات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد أعدت تقريرًا عن الأخطار التي تهدد الاتحاد كخطوة أولية نحو صياغة تلك الاستراتيجية، من أجل حماية الاتحاد من الأزمات والتهديدات من الخارج.

وفي تطور آخر في إطار هذا المجال، أعلن الاتحاد الأوروبي عن توقيع 23 عضوًا من أعضائه على اتفاقية "بيكو"، وهي اتفاقية للتعاون الدفاعي المنظم بين هؤلاء الأعضاء، والتي وُصِفت تأدبًا بأنها ذات مهام تكميلية لمنظمة حلف شمال الأطلسي. وفي سبتمبر 2018 صرَّح "جوزيب بوريل"، رئيس المفوضية الأوروبية، بأن الانسحاب الفوضوي للولايات المتحدة من أفغانستان سيحفز الاتحاد الأوروبي على إنشاء قوة عسكرية دائمة، وهو ما يعني أن المشهد تجاوز الخلاف مع الرئيس "ترامب" حول قضية الإسهامات المالية، ليصل إلى المخاوف الحقيقية من تصاعُد دور الانعزالية الأمريكية، والتي قد تدفع القيادات الأمريكية ليس إلى الانسحاب من مناطق النفوذ حول العالم فقط، بل قد تمتد إلى التحلل من التزامات الدفاع المشترك عن أوروبا، والتي ارتبطت بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالتالي تصبح أوروبا مضطرة منفردة إلى مواجهة التهديدات التي تأتي من الخارج.

وارتباطًا بذلك، شهدت الجهود الأوروبية في مجال الدفاع عدة تطورات، منها: إنشاء صندوق الدفاع الأوروبي، والذي خصَّص 13 مليار يورو (14.3 مليار دولار) لشؤون الدفاع، كذلك طرح مبادرة الدفاع المنظم الدائم، والمنبثقة عن السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي، كذلك آلية المراجعة السنوية المشتركة في مجال الدفاع Collaborative Annual Review on Defense [CARD]. الملاحظة المهمة في هذا المضمار أن كل هذه المحاولات السابقة لتطوير التعاون في مجال الدفاع بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وإن كانت هي نفسها لا تهدف أو تسعى في اتجاه إنشاء جيش أوروبي موحد، إلا أنها من الناحية الواقعية قد وضعت الأسس المتطلَّبة لتحقيق مزيد من الاندماج بين الدول الأعضاء في المجال الدفاعي، وذلك من خلال تحقيقها لما يُسمّى بالاستقلال الأوروبي الاستراتيجي "European Strategic Autonomy"، والذي قد يُعَد إحدى ركائز تشكيل هذا الجيش الأوروبي الموحد، وهو ما يثير تساؤلًا عن المقصود بهذا "الاستقلال الاستراتيجي".

وفي هذا الإطار، نجد أن هذا المفهوم هو نقطة جوهرية في "الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي EU Global Strategy" لعام 2016، ورغم ذلك فإن هذه الاستراتيجية لم تضع تعريفًا للمقصود بـ "الاستقلال الاستراتيجي"، وإنما حددته في أنه "قدرة الاتحاد الأوروبي على التخطيط واتخاذ القرار وإعطاء المصداقية على قدرته على التحرك بذاته من أجل الدفاع عن مصالحه الذاتية في المجالات المدنية والعسكرية دون أي مساعدة خارجية"؛ مما يعني أن الاستقلال الاستراتيجي يتكون من ثلاثة أبعاد رئيسة: بُعد إجرائي Operational مدني وعسكري، وبُعد اقتصادي يغطي مجال التصنيع الدفاعي، وبُعد سياسي قوامه الأداة الدبلوماسية.

وبذلك يمكن القول بأنه إذا كان هذا "الاستقلال الاستراتيجي" مطلبًا يسبق تشكيل الجيش الأوروبي الموحد، فإن عدم التوافق حوله من جانب الدول الأوروبية أعضاء الاتحاد قد يعوق تشكيل الجيش ذاته؛ حيث يشير الواقع إلى أن هناك انقسامًا بين تلك الدول حول مسألة "الاستقلال الاستراتيجي"؛ فبينما تدعم بعض الدول، مثل فرنسا وإيطاليا، خلق أداة عسكرية قوية، فإن البعض الآخر، مثل ألمانيا، يفضل تبنِّي اقتراب أكثر حيادية، أو بمعنى آخر يؤيد أن يكون الاتحاد الأوروبي أكثر ارتباطًا بأدوات القوة المعيارية، وتجنُّب أي إجراءات قد تدفع في اتجاه اندماج أكثر عمقًا في مجال الدفاع، في حين ترى مجموعة ثالثة من الدول، مثل بريطانيا ودول أوروبا الشرقية ودول البلطيق، ضرورة التركيز على "التهديد الروسي المتصوَّر"، ومن ثَمَّ تُفضِّل الاعتماد على حماية منظمة حلف شمال الأطلسي، ولذلك فإن هذا التباين في وجهات النظر لا بد أن يكون له تأثيره على النموذج الذي سيُشكَّل على أساسه مثل ذلك الجيش، إذا افترضنا جدلًا إمكانية تشكيله.

ثانيًا- نـمـاذج تـشـــكـيـل الـجـيـــش الأوروبي الموحد: النموذج التعاوني مقابل النموذج الاندماجي

بافتراض أن الجيش الأوروبي الموحد سوف يُشكَّل في المستقبل القريب، فإن إثارة تلك القضية قد أدت إلى جدال أوروبي حول النموذج الذي سيحكم تشكيل مثل هذا الجيش، أو بمعنى أكثر دقة هل سيكون تأسيس هذا الجيش معبِّرًا عن "النموذج التعاوني Cooperative Model" أم "النموذج الاندماجي Integrative Model"؟

ودون الدخول في تفاصيل تقنية، فإن "النموذج الاندماجي" في تشكيل الجيش يعني وجود قوة عسكرية دائمة تضم عناصر محترفة، ومعدات وأجهزة تعتمد جزئيًّا أو كليًّا على الاتحاد الأوروبي، بحيث تحل محل القوات المسلحة للدول الأعضاء، وهو ما يفرض على الدول الأوروبية الأعضاء ضرورة تحويل سيادتها في مجال السياسة الخارجية والشؤون الدفاعية إلى الاتحاد الأوروبي نفسه، وهو الأمر الذي ليس من المنتظر حدوثه في المستقبل القريب؛ نظرًا للتحديات الواسعة المؤسسية والإدارية واللوجستية التي تعوق ذلك، الأكثر من ذلك أن هذا المنطق قد ترفضه بعض الدول الأعضاء؛ حيث إنها لا تؤيد أي محاولة لتحقيق اندماج أكثر عمقًا بين الأعضاء في المجال الدفاعي، مثل: بولندا والسويد واليونان. وهناك أيضًا قضايا أخرى تُعقِّد مثل هذا الأمر، كنقص الثقة في الاتحاد الأوروبي ككيان يمكن أن يوفر الأمن، فضلًا عن غياب تصور واحد للمقصود بوحدة أوروبا Unitarian Conception of Europe.

ومن ثَمَّ فإن الخيار الذي من المحتمل قبوله هو "النموذج التعاوني"، والذي هو أقرب شبهًا بمنظمة حلف شمال الأطلسي؛ حيث الاعتماد على مساهمات طوعية Voluntary Contributions من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد، وفي هذا الشأن، فإن المادة 42 من معاهدة الاتحاد (TEU) Treaty on European Union تسمح للدول الأعضاء في الاتحاد بالتوقيع على التزامات تجاه بعضها وبعض، وتشكيل هياكل أو مؤسسات تعاونية ذات طبيعة مستدامة داخل الاتحاد الأوروبي، دون أن يترتب على ذلك فقدان لسيادتها. ومن ثَمَّ فإنه ربما يكون هذا النموذج التعاوني هو النموذج المتاح في تشكيل الجيش الأوروبي الموحد؛ حيث لا يَفترض فقدان الدول الأعضاء لعنصر السيادة، وفي الوقت ذاته يمهد الطريق لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي.

وبذلك قد يكون النموذج الأقرب إلى تشكيل الجيش في المدى القصير على غرار إما القوة الأوروبية للرد السريع European Rapid Reaction Force، كما هو وارد في "سانت مالو"؛ حيث تتكون من قوات مشتركة مع مساهمات طوعية من الدول الأعضاء، بالإضافة إلى مراكز قيادية مشتركة، في الوقت نفسه تعمل جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة للدول الأعضاء، أو على غرار مجموعة القتال التابعة للاتحاد الأوروبي EU Battle Group Force؛ حيث تَعد الدول الأعضاء بصورة تطوعية مجموعات قتالية تقدر بنحو 1500 مجند، وتضعهم تحت مطلب الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أن الدول الأعضاء قد وافقت بالفعل على إنشاء هذا النموذج، ومن المحتمل أن توافق على تطويره ليصبح هيكلًا أكثر تعبيرًا عن الاندماج على المدى الطويل أي نحو 25 عامًا، وإن كان هذا يعتمد بالأساس على الإرادة السياسية للدول الأعضاء، والقدرات المالية، فضلًا عن تجاوز أزمة الثقة بين الأعضاء من جانب، أو تجاه الاتحاد الأوروبي ذاته من جانب آخر.

ثالثًا- تشكيل الجيش الأوروبي: الفرص والتحديات

تتمثَّل الفرص المتاحة للاتحاد الأوروبي في تشكيل مثل هذا الجيش في تبنِّي الاتحاد بالفعل لخطوات استباقية في مجال الدفاع، ساعدت على تطوير قوة عسكرية قد توفر أساسًا لتشكيل مثل هذا الجيش، وإن كان هذا يحتاج إلى عدة سنوات قادمة حتى يصبح الاتحاد قادرًا على تحقيق هذا المطمح؛ نظرًا لصعوبة تحقيق هذا الهدف في المستقبل القريب، بالنظر إلى مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية التي قد تعوق تحقيق ذلك، من أهمها ما يلي:

تباين رؤى الدول الأوروبية حول هذا الجيش الأوروبي الموحد، وحتى داخل الدولة الواحدة، فمثلًا بالنسبة لألمانيا، بينما دعمت المستشارة الألمانية السابقة "أنجيلا ميركل" تشكيل هذا الجيش، وأعلنت في تصريحاتها أمام البرلمان الأوروبي دعمها له، وإنشاء مجلس أمن أوروبي لاتخاذ القرارات المهمة في الشؤون الدفاعية والأمنية، في 8 يناير 2020، فإن وزيرة الدفاع الألمانية صرحت لصحيفة "بوليتيكو"، في 25 نوفمبر من العام نفسه، بأنه يتعين على أوروبا أن تظل معتمدة على الحماية العسكرية الأمريكية في المستقبل القريب، أما بريطانيا فكانت قبل خروجها من الاتحاد الأوروبي ترفض فكرة تشكيل جيش أوروبي، على اعتبار أن ذلك سيقوض منظمة حلف شمال الأطلسي، كما أنه سيكون مفتقرًا للقدرة على قتال عدو مزود بالتقنيات المتطورة، مثل روسيا، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية ومنظمة حلف شمال الأطلسي توفر مثل تلك القدرات والتجهيزات.

تبايُن المصالح بين الدول الأوروبية، ومن ثَمَّ عدم وجود رؤية مشتركة حول التهديدات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، حيث تنشغل فرنسا بمستعمراتها السابقة في غرب إفريقيا، في حين تهتم دول البلطيق وبولندا بالتهديدات الروسية، أما ألمانيا فإنها مهتمة أكثر ببناء ثاني خط أنابيب للغاز الطبيعي "نورد ستريم 2" الممتد إلى روسيا.

تنافُر التقاليد التاريخية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ مما يعرقل التكامل المطلوب في التسلسل التراتبي للقيادة والأوامر العسكرية ويجعله محالًا، ففرنسا في فترة ما بعد الاستعمار تَعُد العمل العسكري من الأدوات المشروعة في السياسة الخارجية، ويتمتع الرئيس الفرنسي في هذا المجال بصلاحيات واسعة في توجيه القوات المسلحة الفرنسية، وفي المقابل، فإن ألمانيا نتيجة للذكريات المرتبطة بالحرب العالمية الثانية تعارِض التدخلات العسكرية الخارجية تمامًا، وعلى عكس فرنسا يخضع الجيش الألماني لصلاحيات البرلمان؛ مما يحتم عليه الحصول على التفويض الشعبي العام من البرلمان.

وجود أزمة ثقة بين دول أعضاء الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، بين فرنسا وألمانيا، في حين لا تثق إيطاليا في أي منهما، بينما تفضل دول شرق أوروبا الاستمرار في الاعتماد على الحماية العسكرية الأمريكية، أما دول وسط أوروبا فإنها ترى أن الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" يسعى للعودة إلى النزعة الديجولية بحديثه عن "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي".

اختلاف الرؤى حول تحقيق الأمن الأوروبي، إذ ترى بعض الدول ضرورة تطوير القدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي وتدعم أيضًا الاستقلال الاستراتيجي له، ومن ثَمَّ فهي أكثر تأييدًا لفكرة الجيش الأوروبي الموحد، كما هو الحال بالنسبة لفرنسا وألمانيا؛ حيث ترى فرنسا ضرورة تشكيل جيش أوروبي حقيقي، وهذا ما أكده الرئيس الفرنسي "ماكرون" في دعمه لتشكيل مثل هذا الجيش باعتباره جزءًا من فكرته عن أوروبا التي تحمي "L' Europequi Protege"، وفي إطار السياق نفسه، تم توقيع معاهدة Aachen للصداقة بين فرنسا وألمانيا عام 2019، والتي يراها البعض توفر دعمًا أكبر لفكرة الجيش الأوروبي الموحد، وتمثِّل إشارة واضحة إلى سياسة كل من ألمانيا وفرنسا في اتجاه ما وصفته المستشارة السابقة "ميركل" بأن هذه المعاهدة تمثِّل "ثقافة عسكرية مشتركة"، يمكن أن تُسهم في بناء الجيش الأوروبي الموحد. 

يعاني الاتحاد الأوروبي من مشكلات تتعلق بالقدرات التي تمكِّنه من تعزيز السياسة الدفاعية والأمنية وتشكيل الجيش الأوروبي؛ فبينما بُذلت جهود كبيرة من أجل تعزيز ميزانية الدفاع في عامي 2015 و2016، فإن مزيدًا من الضغوط على الميزانيات القومية في هذا المجال يولِّد العديد من الصعوبات الإضافية، خاصة في ظل جائحة كورونا وما تفرضه على الحكومات الوطنية من ضرورة تخصيص موارد أكبر لقطاع الصحة حتى يمكن التعامل معها، وهو ما يعني وضع قيود كبرى على الدول الأعضاء، تمنعها من تقديم دعم أكبر للتعاون في مجال الدفاع على مستوى الاتحاد الأوروبي، خاصة أن هناك غموضًا حول موقف الرأي العام الأوروبي من تشكيل جيش أوروبي موحد؛ حيث لا يوجد رفض واضح أو دعم صريح لتلك الفكرة، فوفقًا لقياسات الرأي العام الأوروبي في 27 دولة عضو في الاتحاد، يوجد تأييد لتشكيل مثل هذا الجيش في 11 دولة فقط.

العلاقات عبر الأطلسية في إطار منظمة حلف شمال الأطلسي؛ حيث تتبنّى الولايات المتحدة استراتيجية مزدوجة تجاه تطور جهود الاتحاد الأوروبي في المجال الدفاعي، فبينما تشجع مثل هذه الجهود من أجل تدعيم القدرات الدفاعية الأوروبية، إلا أنها تفعل ذلك بهدف خلق وجود دفاعي أوروبي قوي ومنظم في إطار منظمة حلف شمال الأطلسي، وليس مستقلًا عنه. وفي هذا السياق، صرَّح "ينس ستولتنبرج"، الأمين العام للحلف، لصحيفة "تليجراف" قائلًا: "إننا نرحب بالجهود الأوروبية في مجال الدفاع... ولكن لا شيء سيحل محل "الناتو"... وإنه من الضروري وقوف أوروبا وأمريكا الشمالية جنبًا إلى جنب... وإن أي محاولة لإضعاف علاقة أمريكا الشمالية بأوروبا لن تؤدي فقط إلى إضعاف حلف شمال الأطلسي، بل ستؤدي أيضًا إلى تقسيم أوروبا؛ إذ إن 80% من النفقات الدفاعية تأتي من حلفائنا غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي"، وهو ما يعني أنه ركَّز على ما تتحمله كل من واشنطن ولندن في ميزانية الحلف، في الوقت ذاته أشار إلى محدودية القدرة الأوروبية في أي مواجهة محتملة مع الصين أو روسيا؛ حيث إن كل ما يمكن أن تقدمه أوروبا هو قوة قوامها خمسة آلاف عنصر بشري في مواجهة عمليات عسكرية محدودة، لا حروب ذات طابع دولي.

وختامًا، نخلص مما سبق إلى القول بأنه على الرغم من أن إمكانية تشكيل جيش أوروبي موحد يعد أمرًا بعيد المنال على كل من المدى القصير والمتوسط بسبب التحديات الداخلية والخارجية، فإنه ليس بالأمر المستبعد على المدى البعيد، وإن كان ذلك مرتبطًا بالعوامل التالية:

التطور في المجال الدفاعي والأمني نحو مزيد من الاندماج الذي يُمكِّنهم من خلق قيادة مركزية مشتركة لتحقيق التنسيق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في هذا المجال.

تقارب الرؤى الأوروبية حول تشكيل الجيش المزمع تكوينه، بما يُمكِّنهم من تكوين عقيدة عسكرية موحدة تحقق الانسجام بين الدول الأعضاء على أقل تقدير.

قدرة الاتحاد الأوروبي على تحقيق التوازن في سلوكه الخارجي، بين تدعيمه لقوته الصلدة وفاعلية دوره في التزاماته المعيارية Normative Commitments، وبما يقنع الرأي العام الأوروبي بقدرته على استخدام قوته الصلدة والمعيارية في تحقيق أمن الوطن Homeland Security.

القدرة على تحقيق الاتحاد الأوروبي للتوازن بين طموحاته في تطوير قدراته في مجال الدفاع والأمن، وبين العلاقة عبر الأطلسي، ومن ثَمَّ إقناع واشنطن بأن تشكيل جيش أوروبي موحد يجعل أوروبا شريكًا قويًّا للولايات المتحدة، وأن تطوير الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا سيعطي للاتحاد المصداقية في تطوير قدرته الدفاعية

تقييم الموقع