IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

النظام العالمي في ضوء الحرب الروسية

 الثلاثاء. 19 أبريل., 2022

النظام العالمي في ضوء الحرب الروسية

 د. وحيـــد عبد المجيـــد

لا أحد يريد حربًا عالمية ثالثة. لا يزال هذا هو الاتجاه العام في مواقف مُعلنة في واشنطن وعواصم أوروبية منذ أن بدأ هجوم القوات الروسية على أوكرانيا، في 24 فبراير 2022. عبارة الحرب العالمية في حد ذاتها مُخيفة تُنذر بأخطار يصعب تصور مداها، وتُذكِّر بأهوال حربين أكل كل منهما الأخضر واليابس في أوروبا، فضلًا عن خسائر متفاوتة في مناطق أخرى. وكان ذلك قبل أن يبلغ التطور في نظم التسلح المستوى الذي وصل إليه اليوم. فكيف الحال إذا نشبت حرب ثالثة، وقد أصبح في العالم من الأسلحة الاستراتيجية ما يكفي لإلحاق دمار هائل بمناطق واسعة، حتى بدون استخدام القوة النووية. ولهذا أثار إعلان الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، في 27 فبراير الماضي، رفع حالة التأهب في "قوات الردع النووية" قلقًا شديدًا، برغم أنه فُسِّر في الأغلب الأعم بأنه محاولة للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها بشأن مسار الحرب على أوكرانيا.

ولهذا تُعد الأزمة الروسية - الغربية، وقد تجلَّت في حرب أوكرانيا، أول اختبار حقيقي للعلاقة بين الرغبة في تجنب حرب عالمية، والقدرة على ذلك. وهي بالتالي اختبار كاشف لما سيكون عليه النظام العالمي في الفترة المقبلة، وهل ما زالت القوة العسكرية كافية لإحداث تغيير ملموس في هيكله أم أن أثرها بات أقل في ظل ازدياد أهمية عناصر أخرى في تكوين القوة الشاملة للدولة.

أولًا: بين الحرب الإقليمية والحرب العالمية

عندما بدأت الحرب الروسية-الأوكرانية، بدا القلق من احتمال تحولها إلى حرب عالمية واضحًا، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة وحلفاءها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإعادة تأكيد موقفها بشأن عدم إرسال قوات لمساعدة أوكرانيا، لأنها ليست عضوًا في هذا الحلف، إذ بقي ملف انضمامها إليه مركونًا منذ تقديمه عام 2008.

ولم يكن هناك، في الوقت ذاته، ما يدل على استعداد روسيا لتوسيع نطاق الحرب لتشمل أيًّا من جيرانها الأعضاء في الناتو، وفق الحسابات السياسية الأقرب إلى الرشادة، والتي لا تَصدُق في كل الحالات.

وبدا بعيدًا عن الواقع سيناريو تحريك قوات الجيش الروسي السادس، والأسطول الموجود في بحر البلطيق، سعيًا إلى احتلال لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، قبل أن تصل قوات الناتو للدفاع عنها، على أساس أن الأمر يتطلب ما بين 48 و72 ساعة لتحقيق هذا الاحتلال، ومن ثَمَّ نقل المواجهة إلى الساحل البولندي. ومع ذلك فكم من خيالٍ صار واقعًا في ظروف معينة، وفق ما يُستفاد من قراءة تاريخ الحروب.

ولكن هل تُعد هذه الحرب محض إقليمية، أي أوروبية تشارك فيها قوى دولية أخرى بأشكال غير مباشرة؟ وهل تبقى كذلك؟ وإذا كان هذا هو حالها، فهل يمكن أن نعتبرها مجرد حرب إقليمية جديدة تُضاف إلى قائمة حروب كثيرة من هذا النوع عرفها العالم منذ خمسينيات القرن الماضي في مناطق عديدة؟ 

ليس مُفيدًا التعجل في إجابة أسئلة تثيرها حرب لم تكن متوقَّعة قبل نشوبها بأشهر قليلة؟ وما يمكن أن نستنتجه في حدود معطيات قابلة للتغيير أنها حرب مختلفة عن الحروب الإقليمية السابقة كلها من زاوية أنها الأكثر ارتباطًا بالصراع الدولي، وتحديدًا بالصراع على مستقبل النظام العالمي، أو على الأقل أكثر تأثيرًا في هذا المجال من أي حرب إقليمية سابقة. فقد كان واضحًا أن هدف روسيا هو تغيير نظام الأمن الإقليمي في أوروبا جذريًّا، والسعي إلى انتزاع اعتراف بنفوذها في الدول التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي السابق، أو دارت في فلكه وتحالفت معه في إطار حلف وارسو. وهذه هي خلاصة مشروعي الاتفاقين اللذين قدمتهما موسكو إلى كل من الولايات المتحدة والناتو، وطلبت توقيعهما. ومن شأن تغييرٍ بهذا الحجم في نظام الأمن الأوروبي أن يُحدث تحولًا كبيرًا في هيكل النظام العالمي الذي تتطلع روسيا لأن يصبح تعدديًّا، بحيث تغدو واحدةً من أقطابه. مثلما كان الاتحاد السوفيتي السابق أحد قطبي النظام الثنائي القطبية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى تفككه عام 1990.

وبرغم أن الصين تسعى بدورها إلى تغيير هيكل النظام العالمي، وإعادة بنائه على أساس تعددي، فقد نأت بنفسها إلى حد ما عن الحرب الروسية-الأوكرانية، واكتفت بإعلان تفهمها مخاوف روسيا الأمنية، ولكنها لم تصطف معها. 

الحسابات الصينية بشأن تغيير هيكل النظام العالمي مختلفة؛ إذ لا تعتمد الصين في سعيها إلى تغيير هذا النظام على القوة العسكرية، بل على منظومة متكاملة من مكونات القوة الشاملة، فعندما بدأت طريقها في هذا الاتجاه، اختارت الاستثمار في مصادر القوة الأحدث والأكثر تأثيرًا في كل وقت، وليس في أوقات الحروب فقط، وهي الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا الأكثر تقدمًا. وتمكَّنت من أن تصبح قوة اقتصادية جبارة بقدراتها الإنتاجية والتصديرية الفائقة، وبالفوائض المالية التي تُحققها وتُمكِّنها من إحياء طريق الحرير القديمة، ولكن في صورة حديثة وعلى نطاق أوسع، فيما تسميه خطة "الحزام – الطريق"، فضلًا عن تحولها إلى مركز عالمي للابتكار. 

ولكن ألا يحث التفاعل الدولي الواسع مع هذه الحرب بأشكال مختلفة ودرجات متباينة على التفكير في إمكان أن تكون حربًا عالميةً بالفعل ولكن في صورة مختلفة كثيرًا عن الحربين اللتين عرفهما العالم في النصف الأول من القرن الماضي، وصار أي حديث عن حرب عالمية جديدة يُقاس عليهما، ويفترض أنها ستكون مشابهة لهما؟ وألا يمكن أن نَعُد الحرب في أوكرانيا عالمية من نوع جديد يختلف عن هاتين الحربين؟

تكمن فلسفة هذا السؤال، الذي نطرحه للتفكير والبحث، في أن العالم اليوم ليس هو الذي كان عندما وقعت حربا 1914 - 1918، و 1939 - 1945، لأن التغيير الذي حدث فيه منذ انتهاء ثانيتهما يفوق حجمًا ونوعًا مجمل التحولات في القرون الثمانية السابقة على الأقل.

عندما اندلعت هاتان الحربان، لم تكن هناك أسلحة دمار شامل فرض وجودها ردعًا متبادلًا، لأن استخدامها يمكن أن يدمر العالم، أو يعيده قرنين أو أكثر إلى الوراء، فقد عُرف السلاح النووي في مرحلة متأخرة من الحرب العالمية الثانية، واستُخدِم حين اقتربت نهايتها أو أوشكت، وربما عجَّل بانتهائها، فالأسلحة النووية يمكن أن تكتب نهايات أكثر مما تصنع بدايات، واستخدامها الآن يُنهي أي حرب في بدايتها، ويدمر من يبدأ بإطلاقها، فلا منتصر ولا مهزوم فيها.

وليست أسلحة الدمار الشامل هي الفرق الوحيد بين عالم اليوم وعالم النصف الأول من القرن العشرين، فالزمن الرقمي الراهن جعل العالم مختلفًا تمامًا عما كان، وإلى جانب الصراع السيبراني، أصبحت هناك أدوات جديدة للحرب الاقتصادية يمكن أن تُغني في بعض الحالات عن القوة العسكرية. وعلى سبيل المثال فقط، لم يكن نظام "سويفت" للتحويلات المالية بين المصارف موجودًا في الحربين العالميتين، ولم تكن هناك مؤسسات مالية تلعب أدوارًا بالغة التأثير في الاقتصاد العالمي، ولا منظمة تجارة يمكن استخدامها في معاقبة دولة أو أخرى عن طريق حرمانها من مزايا تجارية تفضيلية، أو من وضع "الأولى بالرعاية"، على نحو ما حدث مع روسيا ضمن العقوبات الغربية ضدها. كما لم يكن أثر الإعلام بلغ مبلغه الراهن، على نحو أتاح تحويله إلى أحد أفرع القوات المقاتلة. وما نعرفه عن محاولات وزير الدعاية النازي "جوبلز" في هذا المجال خلال الحرب العالمية الثانية يبدو بدائيًّا حين نقيسه بما يحدث في الحرب الأوكرانية، التي يُستخدم فيها الإعلام كسلاح على نطاق غير مسبوق.

ولهذا، ولغيره، ألا يصح أن نتساءل عن منطقية قياس حرب عالمية في هذا الزمن على عصر مختلف تمامًا، وألا يجوز أن تكون الحرب في أوكرانيا عالميةً من نوع جديد، وتصبح هي الحرب العالمية الأولى في زمننا؟

وأيًّا يكون تكييف طبيعة هذه الحرب، وهو ما نتوقع أن يصبح مجالًا للبحث في الفترة القادمة، فالمهم هو آثارها المحتملة على النظام العالمي. 

ثانيًا: آثار الحرب على النظام العالمي

عندما نحاول معرفة الآثار الفعلية للحرب على النظام العالمي، يتعين التمييز بين آثار قصيرة المدى، وأخرى طويلة المدى؛ ففي المدى القصير، يصعب تصور أن تُحدث الحرب أثرًا ملموسًا في هيكل النظام العالمي؛ فهي لا تُعد مقياسًا لموازين القوة العسكرية، لأن روسيا تخوضها ضد دولة أضعف بكثير، أي في ظل اختلال شديد في ميزان القوى، ولهذا كانت نتيجتها العسكرية محسومة سلفًا، برغم الصعوبات الكبيرة التي فاجأت موسكو، كما أن القوة العسكرية صارت واحدة فقط من مكونات القوة الشاملة للدولة في هذا العصر.

ولا يكفي شن حرب محسومة نتائجُها العسكرية سلفًا لقطع خطوة باتجاه هدف روسيا في تغيير منظومة الأمن الأوروبي، إذ يمكن أن تجعلها هذه الحرب أكثر شعورًا بالأمن من ذي قبل، ولكنها ربما لا تُحدِث تغييرًا في تلك المنظومة إلا إذا قبلت الدول الأوروبية أهم مطالب روسيا التي تعني في خلاصتها الاعتراف لها بمجال حيوي في شرق أوروبا.

وإذا انتهت الحرب دون تحقيق ما تسعى إليه روسيا، وهو انتزاع قبول الغرب بمطالبها، فهذا يعني أنها لم تفتح الباب أمام تغيير في هيكل النظام العالمي، فالعلاقة وثيقة بين التغيير الذي تنشده روسيا في موقف الغرب تجاه دورها في منظومة الأمن الإقليمي، وفي هيكل النظام العالمي. والأرجح أن أحد أهم ما ستسفر عنه هذه الحرب، أيًّا تكون الطريقة التي ستنتهي بها، هو إعادة اكتشاف أن القوة العسكرية لم تعد كافية لدعم نفوذ الدولة التي تملكها وموقعها في النظام العالمي، بعد أن أصبح العالم مختلفًا عما كان في القرنين الماضيين.  

ولهذا ربما يجوز أن نَعُد الطريقة التي انتهت بها الحرب الباردة دون قتال عسكري كانت بداية التحول من الاعتماد على حجم القوة العسكرية كمقياس للمكانة والنفوذ والدور إلى حسابات القوة الشاملة للدولة؛ فقد ظهرت حدود القوة العسكرية في الربع الأخير من القرن الماضي، عندما فشلت في إخضاع أفغانستان، واضطر الاتحاد السوفيتي السابق إلى الانسحاب منها. وتكرر ذلك في مطلع القرن الحالي؛ إذ أخفقت القوة العسكرية الأمريكية في تحقيق ما فشلت فيه نظيرتها السوفيتية. وكان هذا اختبارًا مزدوجًا لحدود تأثير القوة العسكرية السوفيتية، ثم الأمريكية، على التوالي.

لكن الاعتقاد في أن القوة العسكرية تستطيع تغيير الموازين في النظام العالمي بقي مستمرًا، وخاصةً في ظل سعي روسيا إلى استعادة دور فقدته ومكانة خسرتها منذ تفكك الاتحاد السوفيتي السابق. فقد اعتمدت روسيا على هذه القوة بشكل كامل تقريبًا من أجل تحقيق هدفها في تغيير نظام الأمن الأوروبي، ومن ثَمَّ في هيكل النظام العالمي، أو الاقتراب خطوة في الطريق إليه، عن طريق محاولة دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى التراجع عن المواقف المتصلبة التي اتخذتها تجاهها. 

وليس جديدًا القول "إن نتائج الحروب تُقاس بآثارها السياسية"؛ فالحرب ليست غاية في ذاتها، والنصر فيها لا يُحرَز للتباهي به، وإدراجه في كتب التاريخ، بل لتحقيق هدف أو أهداف سياسية، غير أن هذا لا يعني أن شيئًا لن يتغير سواء في أوروبا أو في العالم بعد الحرب الروسية-الأوكرانية، فالعلاقة بين روسيا والغرب لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب؛ حيث انتقلت هذه العلاقة من حالة الشكوك المتبادلة، التي لم تمنع أشكالًا عديدة من التعاون، إلى حالة انعدام الثقة الكامل الذي يتعذر في ظله أي تعاون جديد، وإن كانت المصالح ستفرض استمرار بعض ما كان قائمًا فيه، على الأقل في مجال الطاقة بين روسيا وأوروبا لعدة سنوات. والأرجح أن تُطوَى صفحة اتفاقات الحد من التسلح التي بُدئ في التوصل إليها عام 1987 بتوقيع معاهدة القوى النووية المتوسطة وقصيرة المدى. وقد يُسدَل الستار على مرحلة ازداد خلالها الأمل في الحد من التسلح الذي ستؤدي الحرب الجديدة إلى ازدياده وبدء سباق جديد فيه. والمفارقة أن يحدث هذا بالتوازي مع تقلص وزن القوة العسكرية في الحزمة المكونة للقوة الشاملة للدولة، وازدياد أوزان القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والمعرفية.

غير أن الأثر الأهم للحرب الروسية-الأوكرانية على مستقبل النظام العالمي في المدى القصير يتوقف على كيفية تعامل الولايات المتحدة مع كلٍّ من الصين وروسيا، وقدرتها على المناورة بينهما، وإلى أي مدى ستعمل للبناء على عدم تفضيل بكين الاصطفاف مع موسكو، لكي تتجنب خوض مواجهة ضدهما معًا في الوقت ذاته، وربما تضطر واشنطن إلى مراجعة بعض سياساتها تجاه  بكين الأقوى والأكثر قدرة على المنافسة الشاملة، إلى أن تدرك ضرورة الاعتراف بأنها أصبحت القوة الثانية، أو "الأولى مُكرر" إذا جاز التعبير في العالم، وتتجه إلى التفاهم معها على هذا الأساس وحل المشكلات والأزمات بينهما، سواء التجارية أو السياسية، وفي مقدمتها مشكلة تايوان، على نحو ربما يؤسسُ لنظام عالمي ثنائي القطبية نتيجة هذا التفاهم، ودون حاجة إلى حرب مدمرة. 

وختامًا، سـيـكـونُ هـــذا الـتـطـــور الـمـشـــروط توقعه بمحافظة الصين على مسافة كافية من روسيا، واستمرار حرصها على التأثير في التفاعلات الدولية من داخل النظام العالمي كما فعلت منذ الثمانينيات، هو أهم الآثار بعيدة المدى للتفاعلات المتوقَّع أن تترتب على الحرب الروسية-الأوكرانية من حيث ارتباطها بهيكل النظام العالمي. 

ولكن ظهور هذا الأثر سيستغرق وقتًا يبقى خلاله النظام العالمي في حالة الشيخوخة التي أصابته، إلى أن تبلغ التفاعلات المبلغ الذي يدفع الولايات المتحدة إلى التفاهم مع الصين على تسويات اقتصادية وسياسية تغير طبيعة العلاقة بينهما، وتضع أساسًا لانتقال النظام العالمي إلى مرحلة جديدة أكثر توازنًا.

تقييم الموقع