IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

الحرب الروسية الأوكرانية والحسابات الإفريقية

 الثلاثاء. 19 أبريل., 2022

الحرب الروسية الأوكرانية والحسابات الإفريقية

 أ. جهاد عمر الخطيب

"السير على الحبل المشدود" (Tightrope walking)، بهذه العبارة يمكن وصف السياسة الإفريقية، وطريقة إدارة الدول الإفريقية لتفاعلاتها مع القوى الدولية والصاعدة على حد سواء، وهي سياسة يُعَد التوازن سَمْتًا يُميِّزها طيلة العشر سنوات المنصرمة بصفة خاصة، وهو العقد الذي شهد ذروة حضور القوى الدولية والصاعدة على الساحة الإفريقية. وقد وجدت القوى الصاعدة ضالتها المنشودة في إفريقيا حيث إيجاد موطئ قدم لها – جنبًا إلى جنب مع القوى الكبرى - والاضطلاع بدور مؤثر، والظهور بمظهر القوى الدولية الفاعلة وربما تغيير المعادلة السياسية في بعض دول القارة، واستطاعت الدول الإفريقية أن تستغل حالة النهم تلك في استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وواردات السلاح أو الاستعانة بشركات الأمن الخاصة الأجنبية.

"السير على الحبل المشدود" (Tightrope walking)، بهذه العبارة يمكن وصف السياسة الإفريقية، وطريقة إدارة الدول الإفريقية لتفاعلاتها مع القوى الدولية والصاعدة على حد سواء، وهي سياسة يُعَد التوازن سَمْتًا يُميِّزها طيلة العشر سنوات المنصرمة بصفة خاصة، وهو العقد الذي شهد ذروة حضور القوى الدولية والصاعدة على الساحة الإفريقية.

وقد وجدت القوى الصاعدة ضالتها المنشودة في إفريقيا حيث إيجاد موطئ قدم لها – جنبًا إلى جنب مع القوى الكبرى - والاضطلاع بدور مؤثر، والظهور بمظهر القوى الدولية الفاعلة وربما تغيير المعادلة السياسية في بعض دول القارة، واستطاعت الدول الإفريقية أن تستغل حالة النهم تلك في استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وواردات السلاح أو الاستعانة بشركات الأمن الخاصة الأجنبية. 

والحرب الروسية الأوكرانية - التي تدور رحاها منذ فبراير 2022- خير دليل على توازن السياسة الإفريقية تجاه القوى الكبرى؛ إذ أظهر السلوك التصويتي الإفريقي في الجمعية العامة للأمم المتحدة - في 2 مارس 2022 - بشأن مطالبة روسيا بالانسحاب الكامل والفوري وغير المشروط من أوكرانيا رغبة إفريقية في الحفاظ على التوازن بين الغرب وروسيا؛ فالدول الإفريقية لم تَعُد براغبة في التخيير بين أيٍ من المعسكريْن الغربي أو الروسي، أو التضحية بعلاقاتها مع الشريك الروسي، أو أي شريك آخر من القوى الكبرى أو الصاعدة طالما استطاع تقديم نفسه كحيلف يمكن الوثوق به؛ ولذا تكون المراوحة الإفريقية بين جميع الحلفاء، وهو الأمر الذي لطالما أتاح لها، تاريخيًا، هامشًا كبيرًا للمناورة.

السـلوك التصـويتي الإفريقي إزاء الحرب الأوكرانية: أرقام ومؤشرات 

في 2 مارس 2022، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة جلسة استثنائية لمناقشة تطورات الحرب الأوكرانية، وأسفرت تلك الجلسة عن تبنِّي قرار يطالب بإنهاء "العدوان الروسي" على أوكرانيا بشكل فوري وكامل وغير مشروط، وانسحاب كل القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية، واحترام الحدود المُعترف بها دوليًّا. ويؤكِّد استقلال وسيادة وتكامل الأراضي الأوكرانية.(1)

وبالنظر إلى السلوك التصويتي للدول الأعضاء بالجمعية العامة بشكل عام، نجد أن القرار حظي بتأييد أغلبية الدول الأعضاء، والتي بلغ عددها نحو 141 دولة، أي بما يعادل 73% من إجمالي عدد الدول الأعضاء بالجمعية العامة للأمم المتحدة (193 دولة)، فيما عارض القرار عدد محدود من الدول (خمس دول فقط)؛ وهي: روسيا، وبيلاروسيا، وإريتريا، وسوريا، وكوريا الشمالية، وامتنعت نحو 35 دولة عن التصويت.(2)

وتأسيسًا على السلوك التصويتي الأُممي إزاء الحرب الأوكرانية، اعتُبر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة إزاء إدانة العدوان الروسي على أوكرانيا بمثابة سابقة هي الأولى من نوعها منذ أربعة عقود في إدانة هجوم عسكري لدولة على دولة أخرى، ومطالبتها بالانسحاب الفوري، ورغم الدعم الكبير الذي حظي به القرار داخل أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإنه يُعد خطوة لا تعدو كونها "رمزية"، ولا يحمل أي إلزام للجانب الروسي بالانسحاب الكامل من الأراضي الأوكرانية.(3)

وفيما يتعلق بالسلوك التصويتي الإفريقي إزاء هذا القرار، نجد أن الدول الإفريقية تباينت في مواقفها؛ إذ أيَّد القرار نحو 28 دولة إفريقية -من إجمالي 54 دولة إفريقية عضو بالجمعية العامة للأمم المتحدة- أي ما يعادل 51% من الدول الإفريقية الأعضاء بالأمم المتحدة، وامتنعت

17 دولة إفريقية عن التصويت أي ما يعادل 48.6% من إجمالي الدول الـ 35 التي امتنعت عن التصويت، فيما تغيَّبت 8 دول إفريقية عن التصويت -من بينها إثيوبيا، والمغرب، والكاميرون- وعارضت دولة إفريقية واحدة فقط القرار، وهي إريتريا. (4)

شكل رقم (1): السلوك التصويتي للدول الإفريقية إزاء الحرب الأوكرانية داخل أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة (2 مارس 2022)

ويُظْهِر الشكل السابق أن نسبة تأييد الدول الإفريقية لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن إنهاء العدوان الروسي على أوكرانيا ليست كبيرة إذا ما قورنت بالدول الإفريقية التي اتخذت موقفًا محايدًا، أو "رماديًّا"، وهي الدول التي امتنعت عن التصويت أو تغيَّبت عنه، وبلغ عددها 25 دولة، أي ما يعادل 46% من إجمالي الدول الإفريقية الأعضاء بالأمم المتحدة(5)، وهي نسبة لا تبتعد كثيرًا عن نسبة الدول الإفريقية المؤيدة للقرار، وهو موقف مشابه لما حدث إبَّان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014؛ إذ لم تنضم أية دولة إفريقية لماراثون العقوبات الغربية ضد روسيا، كما أن السلوك التصويتي الإفريقي إزاء قضية القرم بالأمم المتحدة اتسم بالحياد بشكل كبير(6). 

مـبـــررات الـســــــــلـوك الـتـصـــويـتـي الإفريقي تجاه الحرب الأوكرانية

لماذا أبدت الدول الإفريقية تعاطفًا مع روسيا في هجومها العسكري على أوكرانيا؟ سؤال طرحه الكثيرون، ليس بقصره على إفريقيا فقط، وإنما تجاوز نطاق هذا السؤال، واتسع ليشمل دول منطقة الشرق الأوسط (7)، وبالتركيز على السلوك التصويتي الإفريقي إزاء القرار الأُممي سالف الذكر، نجد أنه رغم أن المعارضة الصريحة لقرار الانسحاب الروسي من الأراضي الأوكرانية لم تأتِ إلا من دولة إفريقية واحدة فقط وهي إريتريا، لا يجب أيضًا إغفال أن عدد الدول الإفريقية المتغيبة عن التصويت أو الممتنعة عنه (25 دولة) يكاد يتساوى تقريبًا مع عدد الدول المؤيدة للقرار (28 دولة)، حتى إن عددًا من الدول الإفريقية التي أيَّدت القرار أو امتنعت عن التصويت أو تغيَّبت عنه أصدرت بيانات اتسمت بدبلوماسية شديدة، وقدرًا كبيرًا من الحرص على توضيح أن هذا السلوك التصويتي نابع من رغبتها في إنهاء الحرب الدائرة في أوكرانيا، وتجنيب البلاد مزيدًا من الضحايا واللاجئين، وإفساح الطريق أمام بدء المفاوضات، والتوصُّل إلى تسوية سلمية تضع حدًا لتلك الحرب(8). 

هذا الموقف الإفريقي أظهر رغبة إفريقية في توازن العلاقات بين الغرب وروسيا؛ فالدول الإفريقية لا ترغب في الاختيار بين أيٍّ من المعسكريْن الغربي أو الروسي، أو التضحية بعلاقاتها مع الشريك الروسي الذي نجح على مدار الأعوام الماضية في كسب ثقة القادة الأفارقة، ومزاحمة نفوذ قوى تقليدية لها باع كبير ونفوذ استمر على مدار عقود، مثل فرنسا كأبرز مثال في دول الساحل، والتي تراجع نفوذها مؤخرًا في تلك المنطقة لصالح الدب الروسي.

فضلًا عن ذلك، فإن السلوك التصويتي الإفريقي أظهر نجاح روسيا في إدارة علاقاتها بالقارة، فرغم أن الأدبيات الأجنبية تصف اهتمام روسيا بالقارة بأنه تأخَّر كثيرًا "late to the party" أي تأخَّر على اللحاق بماراثون توطيد النفوذ الدولي بالساحة الإفريقية (9)، والذي بلغ ذروته خلال العشر سنوات الماضية، لكن العبرة دائمًا بفاعلية الأدوات الروسية المستخدمة، وليس الحضور مبكرًا أو متأخرًا، وهو حضور يتعزَّز يومًا بعد يوم، وكان أحد تجليّاته الحديث حول تفاهمات روسية سودانية بغية تدشين قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر(10). وفي هذا المحور، يتم تسليط الضوء على ثلاث نقاط رئيسة، هي:

أ‌. إدراك جديد لطبيعة الدور الروسي في النظام الدولي:

منذ إقدام روسيا على ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، لوحظ تحوُّل كبير في الاستراتيجية الروسية، وهو تحوُّل يتصل برؤيتها لطبيعة دورها في النظام الدولي، وقد عمَّق من هذا التحوُّل تدخلها العسكري في الحرب السورية منذ عام 2015، الأمر الذي غيَّر كثيرًا في المعادلة هناك، وأظهر موسكو كقوة فاعلة رئيسة في المنطقة، ومنذ ذلك التاريخ، أعادت روسيا الانخراط بقوة في مناطق وأقاليم عدَّة حول العالم، وكانت استعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي هاجسًا مسيطرًا على تحركاتها، فضلًا عن رغبتها -جنبًا إلى جنب مع الصين- في مراجعة النظام الدولي بشكله الحالي (أحادي القطبية)، والذي تأسَّس منذ انتهاء الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي، وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى تيهمن على مجريات النظام الدولي وتفاعلاته. (11)

وتجـــــدُر الإشــــــــارة في هـــذا الســــياق إلى أن استراتيجية الأمن الوطني الأمريكية لعام 2017، وكذا استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2018، أقرَّتا بعودة المنافسة الاستراتيجية طويلة المدى بين الدول - في إشارة إلى كلٍّ من الصين وروسيا - لكنهما نعتتا روسيا بـ "القوة الإقليمية" في محاولة للتقليل من شأن النفوذ الروسي على الساحة الدولية.(12)

ووجدت روسيا ضالتها في القارة الإفريقية، التي توفِّر أرضية ملائمة لإظهار واستعراض القوة والنفوذ، ومتاخمة النفوذ الغربي هناك، ولعل القمة الروسية الإفريقية الأولى التي عُقِدت في سوتشي، في أواخر أكتوبر 2019، بحضور عدد ضخم من الوفود الممثِّلة لنحو 50 دولة إفريقية، ونحو 43 زعيمًا إفريقيًّا(13)، دلَّلت بوضوح على الاهتمام الكبير الذي توليه موسكو لعلاقاتها بالقارة الإفريقية، وقد استطاعت روسيا على مدار السنوات الماضية أن تكون فاعلًا رئيسًا بالمشهد الإفريقي، وارتكزت في ذلك إلى الذاكرة التاريخية للشعوب الإفريقية، والتي لم تنسَ الدعم الذي قدَّمه الاتحاد السوفيتي للعديد من حركات التحرر الإفريقية إبَّان الحرب الباردة في الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن الماضي.

ب‌. التعاون العسكري:

شهد التعاون العسكري بين إفريقيا وروسيا طفرة ملحوظة منذ العقد الثاني من الألفية؛ وخلال الفترة الممتدة من 2015 حتى 2019، وقَّعت موسكو نحو 19 اتفاقية تعاون عسكري مع الحكومات الإفريقية، وهي اتفاقيات تضمَّنت تعزيز واردات السلاح الروسية إلى إفريقيا.(14)

علاوة على ذلك، تقدم موسكو تدريبًا عسكريًّا لنحو 500 عنصر إفريقي بالأجهزة الأمنية والقوات المسلحة سنويًّا، ورغم ضآلة هذا الرقم لكن التدريب يضطلع بدور حيوي في إعادة هيكلة العلاقات المدنية العسكرية في القارة الإفريقية، وتشير التقارير إلى أن عددًا من الضباط الذين نظموا الانقلابيْن العسكرييْن في مالي في عام 2020 و2021 تلقوا تدريبهم في روسيا، ومن ثَمَّ، لم يجدوا غضاضة في التصعيد مع فرنسا حتى انسحبت عسكريًّا بشكل نهائي من مالي.(15)

كما تجدر الإشارة إلى أن روسيا تُعد أكبر الدول تصديرًا للسلاح إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء(16)، وتشير بعض التقديرات إلى أن إجمالي واردات إفريقيا جنوب الصحراء من السلاح الروسي قد بلغ ما يربو على 1.7 مليار دولار خلال عام 2020 ومطلع عام 2021 فقط (17)، وخلال الفترة الممتدة من (2016- 2020)، زادت واردات السلاح الروسي إلى إفريقيا جنوب الصحراء بمعدل 23% مقارنةً بالفترة (2011 - 2015)(18)، وثمَّة تقديرات تشير إلى أن واردات السلاح الروسي إلى إفريقيا تُقدَّر بنحو 49% من إجمالي واردات السلاح إلى إفريقيا في الفترة الراهنة(19).  

ومن ناحيتها تولي موسكو أهمية خاصة للدول الإفريقية الغنية بالنفط، مثل أنجولا؛ إذ يُلاحَظ أنه خلال الفترة الممتدة من (2013 - 2020) تحتل روسيا موقع الصدارة فيما يخص وارادت السلاح إلى أنجولا، وبفارق كبير للغاية عن الشركاء الآخرين، كما هو موضَّح بالشكل التالي(20). 

شكل رقم (2): حجم واردات الأسلحة إلى أنجولا خلال الفترة (2013- 2020)

وفقًا لمؤشر The trend-indicator value (TIV) ، وهو مؤشر يستهدف قياس حجم مبيعات الأسلحة لدولة ما عوضًا عن القيمة المالية لتلك المبيعات

جـ. مجموعة "فاجنر":

يُلاحَظ أن البعد العسكري يستحوذ على النصيب الأكبر والأكثر أهمية في الاستراتيجية الروسية تجاه الدول الإفريقية، وتبرز في هذا الصدد مجموعة "فاجنر" الروسية، وهي إحدى شركات الأمن الخاصة الروسية، والتي استطاعت على مدار السنوات الماضية ترسيخ نفوذها في عدد من الدول بالشرق الأوسط وإفريقيا، أبرزها: سوريا، واليمن، وليبيا، والسودان، وموزمبيق، ومدغشقر، وجمهورية إفريقيا الوسطى، ومؤخرًا في مالي، وهي تستهدف بشكل رئيس حماية النخب الحاكمة في تلك الدول، وكذا تأمين المنشآت الحسَّاسة، وتنشط "فاجنر" بصفة رئيسة في الدول التي تشهد انتشارًا للجماعات والتنظيمات الإسلاموية، أو جماعات التمرد المسلحة.(21)

ورغم عدم وجود تقدير دقيق حول أعداد قوات "فاجنر" المنتشرة في الدول الإفريقية، لكن تبقى هذه المجموعة ركيزة أساسية في النفوذ الروسي على الساحة الإفريقية خصوصًا فيما تقدمه من حماية للنخب الحاكمة بالدول الإفريقية، وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى أنه في عام 2017، نشرت "فاجنر" نحو 500 فردًا من قواتها، وذلك من أجل إخماد تظاهرات احتجاجية ضد الرئيس السوداني المعزول "عمر البشير" (22)، وتكرَّر هذا الأمر في مطلع عام 2019، لكن كلًّا من السفارة الروسية في الخرطوم، وكذا وزارة الداخلية السودانية علَّقت على ذلك بقولها إن الأمر لم يتجاوز الاستعانة بمستشارين عسكريين روس من أجل تدريب قوات الأمن السودانية(23). 

وكانت مجموعة "فاجنر" عاملًا رئيسًا لإشعال الخلافات - خلال العام الماضي ومطلع العام الجاري - بين كلٍّ من فرنسا ومالي؛ مما أفضى إلى تحوُّل جذري في الاستراتيجية الفرنسية إزاء إفريقيا، التي قامت طيلة الأعوام الماضية على التدخل العسكري المباشر وتكثيف الوجود العسكري في دول الساحل الخمس الإفريقية لمحاربة التنظيمات المسلحة المنتشرة هناك منذ مطلع عام 2013؛ إذ اتجهت باريس إلى سحب قواتها من مالي على خلفية تفاهمات أمنية وعسكرية بين مالي وروسيا، كان من بينها الاستعانة بخدمات "فاجنر"، وهو الأمر الذي رفضته فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، وكشفت تلك التطورات عن تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا، في مقابل اتساع رقعة النفوذ الروسي، ووجود حاضنة شعبية له.(24)

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن روسيا تسير على قدم وساق (على المستوييْن الرسمي وغير الرسمي) في توطيد صورتها لدى الدول الإفريقية كشريك عسكري يُعْتَمد عليه، كما تتمتع الأسلحة الروسية بثقة كبيرة من قِبل الدول الإفريقية، فضلًا عن كونها رخيصة نسبيًّا.(25) 

وختامًا، فإن الحديث عن حرب باردة جديدة تدور في إفريقيا هو ضرب من ضروب المبالغة؛ ذلك لأن أول تجليات الحرب الباردة تمثَّل في تحركات القوتيْن العظمييْن آنذاك (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) لاستقطاب الدول الإفريقية إلى أيٍّ من الكتلتيْن الغربية أو الشرقية؛ لكن الدول الإفريقية في اللحظة الآنية لم تَعُد تسعى للاختيار وإنما الحفاظ بحرص متناهٍ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وتجنُّب التضحية بأي شريك، خصوصًا الشريك الروسي، الذي استطاع منذ عودة انخراطه في دول القارة أن يكسب ثقة قاداتها - وكذا الشعوب - بما يتجاوز فكرة توطيد النفوذ على الساحة الإفريقية إلى تقويض النفوذ التقليدي، الذي ترسَّخ على مدار عقود لقوى أخرى، مثل فرنسا.

تقييم الموقع