IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

أزمة الإرهـاب في إفريقيـا.. خطر متزايد

 الخميس. 12 مايو., 2022

أزمة الإرهـاب في إفريقيـا.. خطر متزايد

إن مشكلة الإرهاب وتزايده من أكثر التحديات خطورة وتأثيرا، وتداعياتها تؤثر على مختلف المجالات البشرية والاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية وغيرها، وقد أصاب خطر الإرهاب مختلف مناطق ودول العالم، ويتسع خطره وانتشار بؤره من قارة إلى أخرى، ففي الوقت الذي كانت الأنظار ترنو صوب دول بعينها تنشط فيها التنظيمات الإرهابية، مثل أفغانستان ثم العراق وسوريا في آسيا، فضلا عن حدوث عمليات إرهابية في عدد من الدول الأوروبية وغيرها، توجهت الأنظار أيضا إلى القارة الإفريقية عندما برزت تنظيمات إرهابية عديدة، ومارست نشاطاتها بشكل كبير في العديد من دول القارة التي كانت تتصف بعدم انتشار الإرهاب فيها نوعا ما، إلا أنها لم تكن بعيدة عن أنظار هذه التنظيمات الإرهابية المختلفة التي وضعتها ضمن سلم استراتيجياتها وأولوياتها؛ نظرًا لما تمر به القارة ودولها من ظروف وأوضاع تجعل تمركز وانتشار هذه الجماعات أكثر سهولة في هذه المناطق والدول.

إن مشكلة الإرهاب وتزايده من أكثر التحديات خطورة وتأثيرا، وتداعياتها تؤثر على مختلف المجالات البشرية والاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية وغيرها، وقد أصاب خطر الإرهاب مختلف مناطق ودول العالم، ويتسع خطره وانتشار بؤره من قارة إلى أخرى، ففي الوقت الذي كانت الأنظار ترنو صوب دول بعينها تنشط فيها التنظيمات الإرهابية، مثل أفغانستان ثم العراق وسوريا في آسيا، فضلا عن حدوث عمليات إرهابية في عدد من الدول الأوروبية وغيرها، توجهت الأنظار أيضا إلى القارة الإفريقية عندما برزت تنظيمات إرهابية عديدة، ومارست نشاطاتها بشكل كبير في العديد من دول القارة التي كانت تتصف بعدم انتشار الإرهاب فيها نوعا ما، إلا أنها لم تكن بعيدة عن أنظار هذه التنظيمات الإرهابية المختلفة التي وضعتها ضمن سلم استراتيجياتها وأولوياتها؛ نظرًا لما تمر به القارة ودولها من ظروف وأوضاع تجعل تمركز وانتشار هذه الجماعات أكثر سهولة في هذه المناطق والدول.

والأمر المختلف في الإرهاب والتنظيمات الإرهابية في إفريقيا أنها لم تقتصر على ديانة أو طائفة معينة، وإنما كانت هنالك تنظيمات وحركات وجماعات إرهابية من المسلمين والمسيحيين وباقي الديانات والمعتقدات الأخرى، والأمر الآخر المختلف في الحالة الإفريقية أن مكافحة الإرهاب ومعالجة محفزاته لم تحظَ بالتركيز والاهتمام الدولي أسوة بباقي المناطق في العالم، على الرغم من أن سبعة من الدول العشر الأكثر تعرضا للإرهاب توجد في إفريقيا بحسب تشخيص التقارير العالمية الخاصة بمؤشرات الإرهاب، مما يعني أن إفريقيا هي الأكثر تعرضا للإرهاب وتداعياته المختلفة.

ومن هنا، تُثار مجموعة من الأسئلة حول أزمة الإرهاب وتزايد التنظيمات والحركات الإرهابية في القارة الإفريقية، لعل أهمها: ما الظروف والأوضاع التي شكّلت أهم المحفزات لنشأة وتطور الجماعات والتنظيمات الإرهابية في القارة الإفريقية؟ وما أهم الجماعات والحركات والتنظيمات الإرهابية الناشطة في الساحة الإفريقية؟ وما هي سماتها ونشاطاتها؟ وما التداعيات والآثار والمخاطر التي خلفتها نشاطات التنظيمات الإرهابية في الدول والمجتمعات الإفريقية؟

كل هذه التساؤلات ستتم الإجابة عليها من خلال هذه الورقة البحثية عبر عدد من المحاور التي تضمنتها بالبحث والتقصي.

محفزات الإرهاب في إفريقيا

يمكن القول بأن الدول والمجتمعات في القارة الإفريقية مرت وتمر بظروف وأوضاع سياسية مضطربة وأزمات أمنية واقتصادية واجتماعية ونزاعات وحروب أهلية، فضلا عن التركيبة والتنوع المجتمعي المعقد فيها، وقد شكلت كل هذه الأوضاع محفزات ساهمت في جذب الإرهابيين والجماعات الإرهابية إلى الساحة الإفريقية، حتى صارت بعض الدول الإفريقية مكانا أعلنت فيه بعض الجماعات الإرهابية، مثل "تنظيم بوكو حرام" و"حركة الشباب المجاهدين" وغيرهما، نشاطها، وفرضت سيطرتها على المناطق والمجتمعات المحلية بلا مواربة، ويمكن تحديد أبرز هذه المحفزات للإرهاب في إفريقيا بما يلي:

• عدم الاستقرار والأزمات السياسية: حيث تعاني العديد من الدول الإفريقية من أزمات سياسية وفوضى سياسية مما جعل من البيئة الإفريقية جاذبة للجماعات الإرهابية التي استسهلت التوغل وتجنيد عناصر جديدة، مع وجود الملاذات والقواعد التي تتمركز فيها للانطلاق نحو التوسع والانتشار في باقي مناطق القارة الإفريقية.

• ضعف دور الدولة وغيابها: نظرا للأزمات التي تمر بها العديد من دول القارة، فإن دورها ضعيف في العديد من المناطق التي تقع ضمن حدودها، قد استغلته الجماعات الإرهابية لتشغل مساحات غياب الدول وأجهزتها، فوصل الأمر إلى مواجهة الدول صعوبات - في حالات عديدة - في مكافحة هذه التنظيمات، أو العمل على تجفيف منابع تمويلها وإضعافها.

• الفساد والتهميش الاقتصادي والاجتماعي: تعاني العديد من الدول الإفريقية من الفساد المستشري، فضلًا عن التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي تعاني منه بعض المجتمعات المحلية، الأمر الذي تسبب في ازدياد مستويات السخط العام والإحباط، ولا سيما في أوساط الشباب الذين أصبحوا عرضة لاستغلال الجماعات الإرهابية بتجنيدهم وتدعيم صفوفها بهم.

• النزاعات والانقسامات العرقية والدينية: تتسم المجتمعات الإفريقية بالتنوع البشري والديني، حيث توجد الآلاف من الإثنيات واللغات، والكثير من الأديان والمذاهب، فقد نجد في دولة إفريقية واحدة طيفا واسعا من التعدد؛ عشرات أو مئات من القبائل واللغات والأديان والمذاهب، وهذا التنوع في ظل أوضاع مضطربة شكَّل مصدرا للانقسامات والصراعات المحلية، مع فشل الحكومات في ترسيخ التوافقات المجتمعية؛ الأمر الذي تسبب في نشوء التطرف والجماعات المتطرفة والإرهابية، التي سلكت سبيل العنف لتحقيق أهدافها، وتجنيد المتماثلين في العقيدة معها للقتال في صفوفها ضد الجماعات الأخرى.

• انتقائية استراتيجيات مكافحة الإرهاب الدولية واختلاف مصالح أطرافها: مما أعطى التنظيمات الإرهابية فرصة التواجد في الداخل الإفريقي، ويرجع ذلك إلى عاملين؛ الأول: يتمثل في بعد المسافة بين المصالح المباشرة للأطراف الدولية الفاعلة وأمنها القومي، وبين التنظيمات الإرهابية في إفريقيا، إذ ترى هذه الدول أن انتقال التنظيمات الإرهابية من جوارها الجغرافي إلى إفريقيا يعد أقل خطرا على مصالحها المباشرة وأمنها القومي، فتنظيم القاعدة في أفغانستان أكثر تهديدا لمصالح قوى دولية، بينما انتقاله إلى إفريقيا يقلل من تهديده المباشر للبلدين، أما العامل الثاني: فيرتبط بمدى إرادة وقدرة القوى الدولية على توظيف التنظيمات الإرهابية في داخل القارة الإفريقية، بما يحقق مصالح حلفائها المحليين، فمثلا حينما يسعى أحد الأطراف الدولية إلى الضغط على نظام حكم في دولة إفريقية أو إضعافه أو حتى إسقاطه، يمكِنه توظيف جماعة ما أو دعمها ماديا وتسليحيا بالشكل الذي يمكِّن ذلك الطرف من توسيع دائرة حلفائه وتقويتهم في مواجهة خصومهم؛ الأمر الذي يستحضر الجماعات الإرهابية في حروب الوكالة بالساحة الإفريقية.

• تزايد مستويات الفقر: حيث تزايدت مستويات الفقر في دول القارة على الرغم من أنها غنية بالموارد الطبيعية والمعدنية ومصادر الطاقة، ومثّلت مشكلة الفقر عاملا مؤثرا استغلته التنظيمات الإرهابية بشكل كبير في نشوئها وتوسيع انتشارها في إفريقيا؛ مما مكّنها من إيجاد أرض خصبة لبذر التطرف عبر استغلال الحاجة والعوز مقابل تقديم الاحتياجات المختلفة من قِبل هذه التنظيمات والجماعات التي غالبا ما تتواجد في المناطق الفقيرة، وتلبي احتياجات عدد من سكانها؛ بغية تجنيدهم في صفوفها، بدلا من البطالة والفقر الذي يعانونه.

• توفير الإمـــدادات البـشــرية: حيث تتجه التنظيمات الإرهابية إلى إفريقيا؛ لكونها تنظر إلى مجتمعاتها كمصدر مهم لمدها بالعناصر المقاتلة في صفوفها، حتى في بؤر الصراع خارج القارة الإفريقية، وخير مثال على ذلك تنظيم داعش الذي تتزايد أعداد المقاتلين الأفارقة في صفوفه في سوريا والعراق ومناطق أخرى.

• سهولة الانتقال عبر الحدود: نظرا لضعف العديد من الدول الإفريقية في المجال الأمني والعسكري وعدم تمكنها من ضبط الحدود، الأمر الذي أسهم في تمكين التنظيمات الإرهابية وعناصرها من الحركة والانتقال بشكل سهل بين دول القارة المختلفة؛ مما جعلها تمد نفوذها ونشاطها عبر الدول لتنفيذ عملياتها، أو ممارسة أنشطة لتعزيز مواردها المالية.

الجماعات والتنظيمات الإرهابية

تتنوع وتختلف الجماعات والتنظيمات الإرهابية في الساحة الإفريقية؛ إذ تشير التقارير المعنية بشؤون الإرهاب إلى أن هنالك ما يقرب من 64 حركة وتنظيما إرهابيا في العديد من دول القارة، منها ما هو محلي ويقتصر نشاطه على دولة واحدة، ومنها من يتسع نشاطه لعدة دول إفريقية، ومنها العابر للحدود، ولا سيما تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، فضلا عن أن الإرهاب في إفريقيا لا يقتصر على ديانة بذاتها. ويمكن فيما يلي تسليط الضوء على أبرز التنظيمات الإرهابية، والتي صُنِّف بعضها ضمن الأكثر خطورة في إفريقيا:

• تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي: هو بالأساس امتداد لـ"الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، التي كانت قد انشقت سابقا عن "الجماعة الإسلامية المسلحة" عام 1997، وقد أعلنت مبايعتها وانتماءها الرسمي لتنظيم القاعدة في عام 1997، ثم أصبح اسمها المعلن "تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي" في عام 2007 لتصبح المصدر الأول لتقديم الدعم اللوجستي لغيرها من "الجهاديين" والجماعات الإرهابية الأخرى التي تنشط في غرب إفريقيا. وأعلن التنظيم أن هدفه هو نشر "الجهاد" في غرب إفريقيا، وتتمثل أنشطة التنظيم والخلايا السرية التابعة له في اختطاف السائحين الغربيين وقتلهم، وشن الهجمات على أهداف حكومية وعلى القوات الأمنية والأجانب، أما تمويل هذا التنظيم فيعتمد على خطف الرهائن ومبادلتهم بفدية مالية، بالإضافة إلى سبل الاتجار غير المشروع، ويتواجد التنظيم في الجزائر ومالي وبوركينا فاسو والنيجر.

• بوكو حرام: نشأ هذا التنظيم في مدينة ميدوجوري عام 2002 باسم "بوكو حرام"، الذي يعني في لغة "الهوسا" المحلية "التعليم الغربي حرام"، وهو ما يعني أن بداية الجماعة كانت مناهضة التعليم الغربي المفروض على البلاد، والذي تعتقد أنه ألحق الضرر بالمسلمين، الذين يعانون من البطالة والتهميش، وكانت الحركة تضم مثقفين وأكاديميين، وبدأت تأخذ طابع المواجهة مع الحكومة التي أقرت التعليم الغربي، والتي بدورها قابلتها بالطرق والوسائل الأمنية فحسب؛ مما أدى إلى تصاعد أعمال العنف من الجهة الأخرى، حتى تحولت الجماعة لتنظيم متطرف وعنيف. وتُعد جماعة بوكو حرام من أكثر التنظيمات الإرهابية تطرفا، واستطاعت أن تجد لنفسها مدى جغرافيًّا كبيرًا يساعدها على الانتشار، كما استطاعت أن توفر السلاح اللازم لتنفيذ عملياتها ونشاطها، وتعتمد على النفوذ القبلي؛ إذ تُعد قبائل الهوسا المتواجدة شمالا على الحدود مع النيجر معقلها الرئيس، وتقدر وزارة الخزانة الأمريكية إيرادات بوكو حرام السنوية بعشرة ملايين دولار، وتأتي هذه الإيرادات في معظمها من الفدية التي تجنيها الحركة جرّاء عمليات خطف الأجانب من أجل إطلاق سراحهم، ومن عمليات التهريب وسبل الاتجار غير المشروعة أيضا

• حركة الشباب الصومالية: تأسست عام 2004، وتبلور نشاطها في عام 2006، وتعد التنظيمَ الإرهابي المسلح الأكبر والأقوى في الصومال، مقارنةً بالجماعات المسلحة الأخرى، وتدين الحركة بالولاء لتنظيم القاعدة منذ عام 2012، وقد كانت الحركة تمثل الجناح العسكري لــــ"اتحاد المحاكم الإسلامية" الذي كان يسيطر على العاصمة الصومالية مقديشو إلا أنها أعلنت انشقاقها عن الاتحاد في عام 2007، وحققت الحركة تفوقا وانتشارا في السنوات الأولى لإعلانها، ولكنها تعرضت لخسائر كبيرة بعد التدخل العسكري الإثيوبي في الصومال، ثم استعادت نشاطها ونفوذها مرة أخرى بعد الانسحاب الإثيوبي عام 2009، وعلى الرغم من تراجع نشاطها خلال الفترة بين عامي 2011 و2016، فإن وتيرة هجماتها قد تصاعدت بدءا من عام 2017، وتوسعت دائرة انتشارها ونفوذها، وتقدر أعداد عناصرها ما بين ٣٠٠٠ و٧٠٠٠ عنصر، يتمركزون في وسط وجنوب الصومال، وصار نشاطها يمتد إلى الدول المجاورة مثل كينيا. أما مصادر تمويلها فتتنوع ما بين التبرعات، والدعم المباشر من المتعاطفين معها، وعمليات القرصنة التي تقوم بها الحركة على السفن التي تمر عبر مضيق باب المندب، يضاف إليها مصادرها المرتبطة بالجريمة المنظمة التي تعد مصدرا جديدا لتمويلها.

• جماعة نصرة الإسلام والمسلمين: تعد واحدة من أخطر التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، وتشمل أكبر تحالف لتنظيمات مسلحة تدين بالولاء لتنظيم القاعدة، وقد تأسست الجماعة عام 2017 من خلال تحالف أربع جماعات مصنفة في قوائم الإرهاب، وهي: "كتيبة المرابطون" و"إمارة منطقة الصحراء الكبرى"، و"جماعة أنصار الدين"، و"كتائب تحرير ماسينا"، والعدو الأساسي للجماعة بحسب إعلانها هو فرنسا، وتتمركز الجماعة وعناصرها في مالي، فيما يمتد نشاطها إلى دول الجوار "تشاد والنيجر وبوركينا فاسو"، وتقدر أعداد عناصرها بين 1500 و2200، وينتمون لجنسيات مختلفة، ويمتاز قادتها بالخبرة العسكرية بحسب تقارير دولية، مثلما يتسم هيكلها التنظيمي بدرجة كبيرة من التعددية القيادية، والقرارات لديها مرتبطة بالتوافق مع القيادات الأخرى التي تمثل التنظيمات الأربع التي تكونت منها الجماعة، وتعتمد على شبكة متنوعة من مصادر التمويل، مثل: الجريمة المنظمة، واختطاف الأجانب، وسبل الاتجار غير المشروع.

• "أنتي بالاكا": ميليشيا مسيحية مسلحة في جمهورية إفريقيا الوسطى، تأسست عام 2009، وبرز نشاطها بشكل أكبر عام 2013، عندما شنّت هجماتها على المسلمين بعمليات وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها "تطهير عرقي"، و"أنتي بالاكا" أو "مناهضو السواطير" بلغة السانغا، قد دعمها الرئيس "فرانسوا بوزيزيه" خلال مدة حكمه (2003 - 2013)، والتي ناصرته، وارتكبت هذه الميليشيا مجازر بحق المسلمين بعد تولي "ميشال جوتوديا" الحكم (2013 - 2014) خلفا لبوزيزيه، لتُدخِل هذه الميليشيا البلاد في أسوأ أزمة منذ استقلالها عام 1960، ويقدر عدد ضحاياها بعشرات الآلاف بين قتيل ومشرد ومهجر.

• "جيش الرب للمقاومة": تأسس في أوغندا عام 1987 بين مجتمعات الأشولي العرقية، ويتكون التنظيم بالأساس من مجموعة مسيحيين أصوليين يدعون إلى إرساء قواعد حكم أصولية مسيحية في البلاد، وارتكب "جيش الرب" آلاف الانتهاكات بين القتل والاختطاف والترهيب وتهديد الآمنين، وفي واحدة من أعماله الإرهابية التي تُعد من أقسى المذابح التي ارتكبها دخلت مجموعة من عناصره في مقاطعة "أوت أويلي" في شمال الكونغو، وقتلت ما لا يقل عن 345 مدنيا، وخطفت 250 آخرين في 4 أيام من القتال المستمر. هذا، وقد بلغت الخسائر البشرية في شمال أوغندا بين عامي 1987 و2006 ما يقرب من 20 ألف طفل مختطف، بالإضافة إلى مقتل عشرات الآلاف، ونزوح ما يقرب من 2 مليون شخص، وتشريد العديد من القرى بشكل كامل، ولم يقتصر النشاط الإرهابي لجيش الرب على أوغندا، والكونغو الديمقراطية، بل وامتد إلى جنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى.

التداعيات والخسائر

لا يخفى ما للإرهاب من خطر وتداعيات وخسائر باهظة تتكبدها الدول والمجتمعات في مختلف المجالات البشرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، ويمكن توضيح أبرز مظاهر معاناة الدول الإفريقية من تداعيات وخسائر جرّاء تعرضها للإرهاب، فيما يلي:

• زيادة الخسائر البشرية: إذ تعرضت الدول الإفريقية لتزايد الأعمال الإرهابية بشكل كبير، ففي عام 2019 وحده تعرض عدد من الدول الإفريقية إلى ما يقرب من 3471 عملية إرهابية، تسببت في حوالي 10400 حالة وفاة، بينما شهد شهر ديسمبر وحده من العام 2020 وقوع 52 عملية إرهابية في إفريقيا، أسفرت عن مقتل 153 آخرين، وإصابة 173 فردا واختطاف 143 فردا ما بين مدنيين وعسكريين، وازدادت عملياتها في شهر يناير 2021 لتبلغ 64 عملية إرهابية تسببت في مقتل 391 شخصا وإصابة أكثر من 190 آخرين. وقد بلغ العدد الإجمالي للوفيات في إفريقيا جراء العمليات الإرهابية بحسب مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020، ما بين عامي 2007 و2019، نحو 50456 ضحية.

• تهديد السلم المجتمعي: ينعكس خطر الإرهاب وأفكاره المتطرفة سلبا على المجتمعات الإفريقية وعلى السلم المجتمعي، مثلما يهدد الاستقرار والأمن الوطني والوحدة الوطنية، ويتسبب في دخول المجتمعات في أتون حروب ونزاعات أهلية لا رابح فيها.

• خسائر اقتصادية: تكبدت دول القارة الإفريقية ما يقرب من 13 مليار دولار خلال عام 2019 جراء العمليات الإرهابية بحسب المؤشر العالمي للإرهاب، وينعكس خطر الإرهاب على المجال الاقتصادي بشكل واضح من خلال آثاره السلبية المباشرة على حركة الأفراد والأموال والاستثمار والسياحة، فضلا عن اضطرار الدول لتوجيه جزء أكبر من مخصّصاتها المالية لقطاعي الأمن والدفاع، ليكون لها دور أكبر في سياسات مكافحة الإرهاب.

• انعكاسات أمنية: تسبب العمليات الإرهابية حالة من انعدام الأمن، وإظهار عجز السلطات الأمنية في الدول المستهدفة عن التصدي للعمليات الإرهابية، وهو ما يتسبب في إحراج حكومات تلك الدول وإظهار ضعفها.

وختاما، يمكن القول بأن مشكلة الإرهاب من أخطر المشاكل التي تواجه دول القارة الإفريقية ومجتمعاتها، وتكلف هذه الدول ثمنا باهظا في مختلف المجالات، وعلى الرغم من أهمية مواجهة خطر وتداعيات هذه المشكلة التي يجب أن تقع على عاتق مختلف الدول والمنظمات الدولية، فإنها لم تحظَ بما يناسبها من اهتمام.

ولا يخفى أن الإرهاب هو في الأساس ظاهرة عابر للحدود، وأن إفريقيا تتجه إليها الجماعات والتنظيمات لجعلها بؤرا تتمركز فيها في ظل أوضاع وظروف مواتية لها؛ نظرا لكونها وجدت فيها بيئة مناسبة لنشأتها وتطورها وممارسة أنشطتها، وتشير العديد من التقارير والدراسات إلى أنه إذا لم تتم مواجهة انتشار الإرهاب في إفريقيا من قِبل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المعنية بالأمر بشكل سريع وجذري، فإن هذا سيهدد الأمن والسلم الدوليين مستقبلا.

تقييم الموقع