IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

الانقسام الأوروبي تجاه التعامل مع الأزمة الأوكرانية

 الخميس. 08 سبتمبر., 2022

الانقسام الأوروبي تجاه التعامل مع الأزمة الأوكرانية

مقدمة

منذ تفجُّر الأزمة الأوكرانية عام 2014، على خلفية ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، بات واضحًا انقسام دول الاتحاد الأوروبي حيال التعامل مع الأزمة، ما بين مجموعة دول أوروبا الوسطى والشرقية وبصفة خاصة بولندا وجمهوريات البلطيق الثلاث، مدعومة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من ناحية، والقوى الرئيسة في الغرب الأوروبي ممثلة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا من ناحية أخرى. وقد استمر هذا الانقسام، مع حشد القوات الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية، وهو ما تجلّى في انقسام تلك الدول حول مدى التهديد القادم من موسكو، وماهية العقوبات الإضافية التي يمكن فرضها على روسيا نتيجة لذلك، وحجم المساعدات العسكرية التي يجب تقديمها لأوكرانيا لمواجهة العدوان المحتمل. وفي هذا السياق، يذهب تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، صدر في 7 أبريل 2022، إلى القول بأنه لو كانت الحكومات الأوروبية قد وافقت مجتمعة على حجم ردها على الغزو الروسي وتمكنت من الإعلان عنه مسبقًا، لكان ذلك قد لعب على الأقل دورًا في حسابات الكرملين.

غير أن رد الفعل الأوروبي فور اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية الراهنة اتسم بالقوة والتماسك، ومثَّل حدثًا نادرًا غير مسبوق من حيث النطاق والسرعة، وذلك على خلاف ما كان عليه الحال قبل ذلك. 

ومع ذلك، وبالرغم من هذه الاستجابة الفورية المتماسكة للأزمة، وتقديرات بعض الخبراء الأوروبيين بأنها يمكن أن تخلق زخمًا نحو سياسة خارجية أكثر جرأة وتماسكًا لدول الاتحاد الأوروبي، رأى البعض الآخر أنه لكي يحدث ذلك بطريقة إيجابية، كان على دول الاتحاد الإجابة عن الأسئلة المعقدة، والتي تم تجاهلها إلى حد كبير مع استمرار الأزمة، وتشمل حجم وهدف الخطط الدفاعية، والاستخدام الاستراتيجي للعقوبات واسعة النطاق، والضمانات اللازمة لتوفير المعدات العسكرية لأوكرانيا، وإيجابيات وسلبيات المزيد من توسيع عضوية الاتحاد الأوروبي، وذلك ضمن أمور أخرى. وبما أن الاتحاد الأوروبي لم يُعالِج هذه القضايا بشكل مباشر، وفي ضوء التداعيات السلبية واسعة النطاق للعقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي فرضت على روسيا، والتي امتدت آثارها لتتجاوز أوروبا إلى الاقتصاد العالمي بأسره، بدأت بوادر الانقسام الأوروبي تلوح في الأفق بعد أسابيع على بدء الأزمة، وهو ما اتضح في تبايُن مواقف هذه الدول من العقوبات وسبل تسوية الأزمة الراهنة، الأمر الذي يثير التساؤل بشأن تداعيات هذا الانقسام على مسار الحرب وفرض تسوية الأزمة، وبالتالي، 

يتناول هذا المقال أصول الانقسام الأوروبي ومظاهره، ومدى تأثير الانقسام على مسار الحرب وفرص التسوية.

أولًا: أصول الانقسام الأوروبي ومظاهره 

يُعد الانقسام الأوروبي حول كيفية التعامل مع روسيا وعلاقاتها بأوروبا، سمة واضحة من سمات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تجاه موسكو، منذ انتهاء الحرب الباردة؛ حيث يمكن التمييز بين فريقين: فريق يضم ألمانيا وفرنسا بصفة أساسية، ويرى أنه لا مجال للتشكيك في وجود روسيا كدولة أوروبية وشريك أساسي في قضايا أمن القارة والمورد الأكبر للطاقة فيها وأحد الشركاء التجاريين الرئيسين للاتحاد الأوروبي. ويسعى هذا الفريق إلى ما يسمى بالاستقلال الذاتي الاستراتيجي، وأن يكون أمن أوروبا في يد دولها في المقام الأول ودون استبعاد الولايات المتحدة الأمريكية. أما الفريق الآخر، فيضم بلدان أوروبا الوسطى والشرقية الشيوعية السابقة خاصة دول الجوار الروسي (بولندا وجمهوريات البلطيق وأوكرانيا)، ويصطف خلف واشنطن استنادًا إلى الاقتناع بأن الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" هو مفتاح الاستقلال والديمقراطية والازدهار والحصن المنيع ضد محاولات روسيا استعادة الهيمنة عليها. 

ومن المنظور الروسي، فإنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها نظامًا للأمن الأوروبي يقوم على الدور المُهَيمن لأمريكا والموقع المركزي لحلف الناتو كأداة للتنظيم العسكري والسياسي، وضمان الأمن الغربي والنظام الليبرالي الدولي الذي أنشأته واشنطن ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولقد نظرت روسيا لحلف الناتو دائمًا على أنه منصة للحضور العسكري الأمريكي في أوروبا، وأن دول القارة الأعضاء في الحلف ليسوا سوى وكلاء لواشنطن. ومن هذا المنظور فإن البنية التحتية البيروقراطية الدولية للحلف - بما في ذلك دور الأمين العام، الذي يشغله شخصية أوروبية - هي مجرد واجهة للهيمنة الأمريكية الكاملة على الحلف. وبالتالي تقدر موسكو أن الأهداف الاستراتيجية لسياستها في أوروبا يجب تسويتها مع واشنطن فقط باعتبارها صاحبة القرار.

وقد ثبت صحة المنظور الروسي؛ ففور اندلاع الأزمة الأوكرانية تخلت دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو عن انقساماتها وسياستها طويلة الأمد، متخذة خطوات وتدابير كانت ستُواجَه بمعارضة قوية من مختلف الاتجاهات في الظروف العادية. وقد شملت قرارات الاتحاد في هذا الشأن، قيامه بتمويل تسليم الأسلحة الفتاكة إلى أوكرانيا، وتعزيز تعاونه العسكري في مواجهة التهديد الجديد، كما أرسل الاتحاد إشارات واضحة لتوسيع عضوية الاتحاد الأوروبي ليشمل جيرانه الشرقيين (السويد وفنلندا) بعد سنوات من عدم الحماس لذلك، كما أطلق "توجيه الحماية المؤقتة" لعام 2001، الذي يمنح الإقامة المؤقتة للاجئين الأوكرانيين، رغم السياسة المتحفظة التي اتبعتها أغلبية دول الاتحاد في هذا الشأن قبل الأزمة، بما في ذلك رفض دول الجوار المباشر لأوكرانيا استقبال أي لاجئ وفقًا لنظام المُحاصَصَة الذي اقترحته ألمانيا عام 2016، ارتباطًا بأزمة اللاجئين السوريين. كما انضم الحلفاء الأوروبيون إلى حزم العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي فُرِضت على روسيا.

ويؤكد العديد من الخبراء أن الحرب الاقتصادية غير المسبوقة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الحليفة ضد روسيا، كأداة من أدوات السياسة الخارجية، أو بالأحرى "الاحتواء الاقتصادي الغربي لروسيا"، كما سمّاها "نيكولاس مولدر" الأستاذ بجامعة "كورنيل" ومؤلف كتاب "السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة" ليس مجرد حدث جيوسياسي كبير، ولكنه أيضًا نقطة تحول جيواقتصادية؛ حيث توقع "مولدر" أن تفشل العقوبات المفروضة على روسيا، ليس بسبب ضعفها، ولكن بسبب قوتها الكبيرة التي لا يُمكن التنبؤ بها، ولأنها فُرِضت على اقتصاد قوي مندمج عالميًّا، ويمتلك قطاع هيدروكربون ضخمًا، ومجمعًا صناعيًّا عسكريًّا متطورًا، وسلة متنوعة من صادرات السلع الأساسية. 

ويُقدر الخبراء أن مشكلة إدارة تداعيات الحرب الاقتصادية لا تزال أكبر وأكثر تعقيدًا في أوروبا بصفة خاصة؛ نظرًا للروابط التجارية بين دول الاتحاد وروسيا؛ حيث تُعد روسيا خامس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بصادراته، وثالث أكبر شريك تجاري لوارداته. وتعتمد دول الاتحاد بشكل رئيس على الطاقة الروسية لتدوير عجلة اقتصاداتها، وخاصة ألمانيا، وهي القوة الاقتصادية ذات التأثير الكبير في منطقة اليورو، وذات النفوذ الحيوي في شرق القارة الأوروبية. 

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول بأن الانقسام بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يتمحور حول قضيتين رئيستين:

1. فرض عقوبات على النفط والغاز الروسيين:

هناك وجهة نظر تدعم طلب أوكرانيا التوقف تمامًا عن شراء الطاقة من روسيا (نفط – غاز – فحم)، باعتبار أن عائداتها تُموِّل بشكل مباشر جهدها الحربي، ويضم هذا التوجه كلًّا من بولندا وجمهوريات البلطيق بصفة خاصة. أما وجهة النظر الأخرى، فترى استحالة الاستغناء عن الطاقة الروسية التي يعتمد عليها العديد من الدول الأعضاء، وذلك في المدى القصير لا سيما في ظل عدم توفر مصادر بديلة للطاقة.

وعلى سبيل المثال، فإنه في مواجهة الضغوط الداخلية المتصاعدة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع معدلات التضخم، فإن برلين لا تزال ترفض فَرْض عقوبات على قطاع الغاز والنفط الروسي. وفي هذا السياق أكد وزير المالية الألماني "كريستيان ليندنر" مرارًا أن بلاده

لا يمكنها الاستغناء عن إمدادات الغاز الروسي، مشيرًا إلى أن قطع هذه الإمدادات سيضر ألمانيا أكثر من روسيا. كما رحب المستشار الألماني "أولاف شولتز" في بيان له يوم 10 يوليو 2022 باعتزام حكومة كندا إعادة توربين (وحدة ضخ الغاز) "نورد ستريم 1" إلى ألمانيا، التي ستسلمها بدورها إلى روسيا، بعد أن تم إصلاحه في مونتريال بواسطة شركة "سيمنز" كندا، بعد أعلنت الشركة رفض عودته إلى ألمانيا بسبب العقوبات التي فرضتها كندا على روسيا. وعلى إثر ذلك اتهم الرئيس الأوكراني برلين بخرق العقوبات المفروضة على روسيا والاستسلام لابتزازها.

ويمتد الجدل حول ملف واردات الطاقة الروسية ليشمل أيضًا المدفوعات بالعملة الروسية الروبل؛ حيث امتثلت بعض الدول والشركات المستوردة لطلب روسيا في هذا الشأن، بينما لا تزال دول أخرى ترفض، الأمر الذي دفع موسكو إلى وقف تدفق الغاز إليها، مثل: بولندا وبلغاريا وفنلندا وهولندا.

وقد خطا الاتحاد الأوروبي خطوات يشوبها الكثير من المحاذير والتعقيدات بشأن قطاع الطاقة الروسي، باعتباره القطاع الأكثر تأثيرًا في مسار العلاقة بين الطرفين وطبيعتها، وهو ما تجلّى في قيام المجلس الأوروبي في 30 مايو 2022 بتمديد العقوبات على الواردات النفطية الروسية عن طريق البحر، دون أن تشمل النفط المنقول عبر خط أنابيب "دروزبا" الذي يمثل أقل من ثلث واردات الطاقة الروسية. علمًا بأن توريد النفط إلى دول الاتحاد الأوروبي يجري، بصفة أساسية، عبر الناقلات البحرية التي تنقل ما يقرب من 80% من النفط الخام إلى دول الاتحاد. وقد وجد بعض دول الاتحاد، كالمجر والتشكيك وسلوفاكيا، التي ليس لديها منفذ إلى البحر، صعوبة في استيراد النفط؛ حيث لا تملك هذه الميزة النسبية التي تمتلكها دول أخرى. وقد نجحت هذه الدول، بقيادة المجر، وبعد مناقشات حامية، في الحصول على استثناء من حظر استيراد النفط عبر خط "دروزبا"، علمًا بأن هذه الدول تحصل على 65% من نفطها و85% من غازها من روسيا. ورفضت المجر تزويد أوكرانيا بمساعدات عسكرية، كما حظرت شحن الأسلحة المتطورة إليها عبر حدودها.

أما بالنسبة للغاز الطبيعي الروسي، فقد بلغت واردات الاتحاد الأوروبي منه نحو 43% و43.5% عامي 2020  و2021  على التوالي، بينما بلغت الحصة العالمية لجميع البلدان الأخرى المصدرة للغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي 34% في عام 2020 (النرويج 21٪ والجزائر 8٪ وقطر 5٪)  و42.8% في عام 2021 (النرويج 23.6٪، الجزائر 12.6٪ والولايات المتحدة 6.6٪) . 

وفي ضوء ذلك، فمن غير الممكن -في المدى المنظور- التخلص الفوري من 155 مليار متر مكعب من الغاز، وهي الكمية التي تستوردها دول الاتحاد من روسيا عبر خطوط الأنابيب، واستبدال الغاز المسال المستورد بناقلات الغاز بها، وهو ما يمثل فقط ربع واردات الاتحاد الأوروبي.

وإزاء حالة عدم اليقين الكبيرة هذه بشأن إمدادات الغاز الروسي في الشتاء القادم، وبجانب البحث عن موردين آخرين، اعتمدت مفوضية الاتحاد الأوروبي، في 18 مايو 2022، الخطة المعروفة بـــ“REPowerEU”، كاستجابة لاضطرابات سوق الطاقة العالمية جراء الأزمة الروسية الأوكرانية، وهي عبارة عن حزمة معقدة من الوثائق والإجراءات القانونية والتوصيات والمبادئ التوجيهية والاستراتيجيات، تستند إلى أربع ركائز، وهي: توفير الطاقة واستبدال مصادر طاقة أخرى (بما فيها الوقود الأحفوري، مثل: الغاز الطبيعي المسال والنفط) بالغاز الروسي، وتعزيز الطاقة الخضراء، وتمويل البنية التحتية الجديدة، وتنفيذ سلسلة من مشروعات الطاقة والإصلاحات في هذا المجال في دول الاتحاد.

وما يهم هنا هو أن العديد من الخبراء يؤكدون أن إمكانية تطبيق خطة REPowerEU على نحو جماعي تبقى محل شكوك وتساؤلات عديدة في ظل تفاوت حاجات الدول الأوروبية إلى الطاقة الروسية من ناحية، وتقلبات أسعار الطاقة وقلة المعروض منها على المستوى الدولي من ناحية أخرى، إضافة إلى غياب التوافق الكامل بين دول الاتحاد الأوروبي حول الاستغناء نهائيًّا عن واردات الطاقة الروسية. 

2. الخلاف حول كيفية التعامل مع روسيا ارتباطًا بالأزمة:

في هذا الصدد، تتبنى الدول المُطالِبة بتشديد العقوبات والحظر الكامل لواردات الطاقة، والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، موقفًا متشددًا إزاء أي محاولات لفتح مسار دبلوماسي أو تفاوضي مع روسيا من أجل إنهاء الأزمة؛ إذ ترى هذه الدول، أن الضغط على أوكرانيا للتوصل إلى تسوية تفاوضية مع تنازلات إقليمية لن يؤدي إلى سلام واستقرار على المدى الطويل في أوروبا. وبدلًا من ذلك، من شأنه مكافأة العدوان العسكري الروسي في المدى القصير، وخلق مساحة جديدة من عدم الاستقرار في قلب أوروبا، وتغيير خريطة العالم. وتَخلُص هذه الدول إلى تأكيد أن دعاة التسوية الدبلوماسية غير واقعيين بشأن تداعياتها طويلة الأجل على السلام والأمن والردع الأوروبي.

وفي هذا السياق، انتقد رئيس الوزراء البولندي الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" على خلفية تواصله مع نظيره الروسي منذ بدء الأزمة، ومن جانبه كان الرئيس الألماني "فرانك فالتر شتاينماير" بصدد زيارة تضامن لأوكرانيا في أبريل 2022 –ضمن عدد من رؤساء الدول الأوروبية– إلا أن كييف أعلنت أن زيارته غير مرغوب فيها، موضحة أنها تتوقع من برلين اتخاذ قرارات ملموسة حول حظر إمدادات النفط الروسي وتقديم المزيد من المساعدات الاقتصادية والعسكرية لأوكرانيا، خاصة الأسلحة الثقيلة. كما أقال الرئيس الأوكراني سفيره لدى برلين، ضمن سفراء أوروبيين آخرين، في 17 يوليو 2022، معلنًا أن الدعم الغربي لأوكرانيا ما يزال غير كافٍ. ويُضاف إلى ذلك اعتراض ألمانيا على منح قروض لأوكرانيا لإعادة الإعمار بتسهيلات سداد تصل إلى 25 عامًا؛ إذ ترى ألمانيا ضرورة ربط أي قروض في هذا الشأن بحزمة من الإصلاحات في مجالات متعددة.

والواقع أنه مع دخول الأزمة الروسية الأوكرانية شهرها السادس، تزايدت الدعوات في أوروبا والولايات المتحدة لبذل جهود دبلوماسية للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة، واقترحت إيطاليا أواخر مايو 2022، خطة سلام من نقاط أربع من شأنها أن تتوج بتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا. كما دعا وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "هنري كيسنجر" –في كلمة ألقاها في دافوس في مايو 2022- إلى التنازل عن أراضي لروسيا وبدء المفاوضات معها على الفور. وفي بداية شهر يونيو 2022، أعاد الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" دعوته إلى عدم "إذلال" روسيا. وهناك آراء متعددة آخذة في الظهور تميل إلى إعطاء موسكو أرضًا مقابل السلام، وأن "العملية العسكرية الروسية" التي أطلقها بوتين في

24 فبراير 2022 لها ما يبررها، على الأقل جزئيًّا. وفي هذا السياق أيضًا، كان قد جرى الحديث عن صفقة مقترحة أو "خطة"، في أعقاب محادثات روسية أوكرانية بوساطة تركية في إسطنبول في مارس 2022، بموجبها تتخلى كييف عن طموحاتها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وتتبنى الحياد الدائم مقابل الحصول على ضمانات أمنية من شركائها الغربيين ومن روسيا.

ويعتقد بعض القادة الأوروبيين أنه يجب الاستمرار في الحوار مع الرئيس "بوتين"؛ حتى لا يطول أمد الحرب بما يحمله ذلك من مخاطر القضاء على أوكرانيا. أما بالنسبة لواشنطن، ومع حزمة العقوبات الأمريكية الأخيرة بفرض حظر على صادرات روسيا من الذهب، يقول مسؤولو إدارة "بايدن" أن هدفهم النهائي من فرض العقوبات ومواصلة تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، هو تقوية مركزها على طاولة المفاوضات. وفي تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" في 5 يوليو 2022، أشار إلى أن "الصراع من المرجح أن ينتهي، لكن لا يمكن التنبؤ بكيفية حدوث ذلك، وأفضل ما يمكننا تقييمه الآن أننا ما نزال نتطلع إلى شهور كثيرة من الصراع، فالصورة متحركة".

ويشير الواقع العملي في الدول التي تتحدث عن السلام والحلول الدبلوماسية في أوكرانيا إلى أن هناك تكلفة سياسية داخلية ستدفعها النُّظم الحاكمة. فعلى سبيل المثال: لم تفلح الجهود البائسة في إيطاليا في منع سقوط حكومة "ماريو دراجي" في 20 يوليو 2022. وفي فرنسا، فقد "إيمانويل ماكرون" أغلبيته البرلمانية لصالح أحزاب أكثر تعاطفًا مع الموقف الروسي. أما في إسبانيا، فقد خسر الاشتراكيون قاعدة قوتهم في الأندلس مؤخرًا؛ حيث حقق حزب الشعب رقمًا قياسيًّا جديدًا بلغ 36.3% في أحدث استطلاع للرأي. وفي إستونيا، نجت رئيسة الوزراء المُناهِضة بشدة لـ"بوتين"، "كاجا كالاس"، في يوليو 2022، بعد وقوع حكومتها الائتلافية السابقة في صراع مرتبط بمعدل التضخم في البلاد البالغ 19%، وهو الأعلى في منطقة اليورو.

ثانيًا: مدى تأثير الانقسام الأوروبي على مسار الحرب وفرص التسوية

إن حالة الإجماع الأوروبي والعمل كمجموعة ضمن مؤسسات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، تُعد عاملًا مهمًّا يُمكن أن يلعب دورًا في التأثير على مسار الأزمة، غير أنه ليس العامل الوحيد أو حتى العامل الحاسم، ناهيك عن حقيقة أن حماس دول الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات اقتصادية ضخمة على موسكو مرتبط –بصفة أساسية– بضغوط وموقف الحليف الأمريكي، ومن ثَمَّ فإن أي تغيير –ولو محدود – في الموقف الأمريكي سيؤثر بلا شك في توجهات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ويضعف من إجماع أعضائه والتصرف كمجوعة ضد روسيا. وفي هذا السياق يُشار إلى أن انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس الأمريكي في نوفمبر 2022، ثم لاحقًا الانتخابات الرئاسية 2024، ستلقيان بظلالهما على مسارات ونتائج الحرب في أوكرانيا في حال طال أمدها.

والمراقب لأزمة روسيا مع الغرب منذ البداية، وبعد انتهاء الحرب الباردة، لا بد أن يصل إلى نتيجة مفادها أن الطرف الرئيس في هذه الأزمة هو الولايات المتحدة الأمريكية في المقام الأول وليس دول أوروبا الغربية، التي جرى استخدامها منذ البداية لتكون نواة لنظام أمني أوروبي يقوم على الدور المُهَيْمِن لواشنطن وموقعها المركزي في حلف شمال الأطلسي على النحو الذي سبقت الإشارة إليه. ولا جدال في أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف الأكثر أهمية في الحلف، وهي المَعنية في المقام الأول بوضع المادة (5) من المعاهدة المنشئة له، التي تنص على أن الهجوم على أحد أعضاء الحلف هو هجوم على الجميع، وهو ما يُمكن تفسيره في ضوء رغبة واشنطن، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، في الإبقاء على الحلف وتوسيعه شرقًا.

وتدرك روسيا هذا الواقع تمامًا؛ ولذا فهي تؤكد دائمًا أن الولايات المتحدة الأمريكية، وليست أوروبا، هي من بيدها مفتاح تسوية القضايا المتنازع عليها. وهو ما يُمكن معه تفسير سبب تقديم روسيا مطالبها الأمنية قبل بدء الأزمة للولايات المتحدة الأمريكية، والتي تمثلت في: إنهاء توسع حلف شمال الأطلنطي، ومكافحة الإرهاب (في أوكرانيا ضد السكان في الشرق)، والتوقف عن بناء المزيد من البنية التحتية لحلف لناتو خاصة الأسلحة الهجومية التي تُنْشَر في أوروبا، وسحب البنية التحتية العسكرية المنتشرة في أوروبا الشرقية بعد عام 1997.

كذلك لا يجب تجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من قام بدعوة أوكرانيا وجورجيا لحضور قمة حلف الناتو في بوخارست في أبريل 2008، الأمر الذي اعترض عليه كلٌّ من ألمانيا وفرنسا آنذاك. وبضغوط أمريكية تضمن إعلان القمة نصًّا بأن أوكرانيا وجورجيا "ستصبحان عضوين في حلف شمال الأطلسي". وقد طالَب بعض المعلقين الروس التراجع عن هذا النص خلال قمة الحلف في مدريد (التي عُقِدَت في 28 يونيو 2022) كمَخرج للأزمة.

وختامًا، يمكن القول بأن نجاح الرئيس الأمريكي "جو بايدن" في بدايات الأزمة في حشد الحلفاء الأوروبيين ضد روسيا، سواء فيما يتعلق بفرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة أو إرسال الأسلحة لأوكرانيا، يعمق حدة الانقسام في الاتحاد الأوروبي، لا سيما بعد أن امتدت آثار العقوبات الاقتصادية لتطال المواطنين الأوروبيين، بالنظر إلى ما أفضت إليه تلك الأزمة من ارتفاع في الأسعار وزيادة في معدلات التضخم؛ مما انعكس على الأوضاع المعيشية للمواطنين. هذا وعلى النحو الذي كشفت عنه دراسات استقصائية أوروبية حديثة فإن تأييد زيادة الإنفاق الدفاعي أضعف بين الجمهور الأوروبي مما قد يبدو عليه، كما أن الإجماع الأوروبي بشأن روسيا لا يُترجَم تلقائيًّا إلى موقف مشترك بشأن الأدوار التي ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يلعبها في الحرب. هذا وتؤكد الدراسات ميل المواطن الأوروبي إلى السلام، ووقف الحرب اقتناعًا منه بأن الاتحاد الأوروبي هو الخاسر الأكبر فيها. وفضلًا عن ذلك، أيقن العديد من دول التحالف أن السيناريو الخاص بإمكانية هزيمة روسيا هو سيناريو غير واقعي، بالرغم من مواصلة الدعم الغربي لأوكرانيا.

على صعيد آخر، فمن غير المرجح أن يؤثر الانقسام الأوروبي حول الملف الأوكراني على مسار الحرب، أخذًا في الاعتبار الدور الأمريكي الحاسم في الصراع، وهو دور مرحَّب به ومطلوب من منظور بلدان أوروبا الوسطى والشرقية، وفي هذا السياق ترى واشنطن أنه من السابق لأوانه إنهاء الحرب من خلال وقف إطلاق النار بشروط روسية، فكثيرًا ما أشاد القادة الأمريكيون بـــ"الأداء الرائع" للجيش الأوكراني، وما أظهره من "مثابرة وروح معنوية عالية".

تقييم الموقع