محمد عزام

مستقبل المؤسسات العامة في ظل التحول الرقمي

 الإثنين, 20 إبريل, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

مستقبل المؤسسات العامة في ظل التحول الرقمي

لقد أصبحت كلمة "التحول الرقمي" متداولة كثيراً في الأعوام القليلة الماضية على لسان العديد من المسؤولين في الحكومات حول العالم، وأصبح "التحول الرقمي" مرادفاً لرغبة الدول في التقدم واللحاق بالحداثة والدخول إلى منظومة الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة.
ولكن لكل "تحول" سواء كان رقمياً أو غير رقمي متطلبات كثيرة، بل وآثار قد 
لا يراها البعض ولا يعمل لها حسابا. 
وهنا تكمن الضرورة لدراسة متطلبات المرحلة والآثار الناجمة عنها؛ لكي نكون مستعدين للتعامل مع تلك المتطلبات، وتوقع آثارها بدرجة عالية من المرونة المقرونة بأخذ قرارات فعالة تناسب طبيعة التغيير المتسارع نتيجة للتطور التكنولوجي المذهل وغير المسبوق.
فالمرحلة التي يعيشها العالم الآن نتيجة تسارع التطور التكنولوجي هي مرحلة فريدة تتسم بالتغيرات المتلاحقة التي تؤدي إلى وجود حالة من عدم التيقن أو الشك بصورة أو أخرى.
فنحن نعيش مرحلة شديدة الرمادية يتصارع فيها القديم والثابت مع المستحدث الذي يبدو غريباً على الكثير من متخذي القرار وواضعي السياسات، وبل مربكاً لهم.
فمثلاً منذ سنوات قليلة جداً، كان من غير المقبول أو المسموح أن يستخدم الموظف وسائل التواصل الاجتماعي أثناء تواجده في عمله، وهذا أصبح من الماضي بل تذكره يجلب السخرية من هذه الطريقة التي تصور بها مديرو المؤسسات أنهم قادرون على وقف هذه الممارسات الناجمة عن الاستخدامات المستحدثة للتكنولوجيا.
وهناك دراسة حديثة أشار فيها 52% من المشمولين في الاستطلاع بهذه الدراسة أن الروبوت سيحل محلّ الإنسان في الكثير من الأعمال؛ حيث إن 49% من الأعمال الحالية التي يقوم بها البشر من المتوقع أن تختفي بحلول عام 2035 لصالح الآلة، كما أن 25% من المشمولين في هذا الاستطلاع يرون أن على الحكومات تنظيم عمل الروبوت خلال الفترة القادمة حتى لا يطغى على البشر، وهذا يمثل تحديا أمام الحكومات التي تجد نفسها أمام معضلة خروج العديد من الأفراد من سوق العمل لعدم توافر مؤهلات لديهم تتناسب مع الوظائف المستحدثة؛ لذا فقد قام المنتدى الاقتصادي العالمي في دورته الأخيرة أواخر يناير 2020 في مدنية دافوس بسويسرا بإطلاق مبادرة لإعادة تأهيل مليار شخص بحلول عام 2030.
كما أن 90% ممن شملتهم تلك الدراسة يعتقدون أن القطاعات الاقتصادية المختلفة سوف تتأثر بشكل كبير ومباشر نتيجة التسارع التكنولوجي والتحول الرقمي، كما يري 56% منهم أن المؤسسات غير جاهزة لمثل هذا التحول.
وهذا كله يشير إلى أن الفجوة بين التكنولوجيا وتطبيقاتها المستحدثة وغير النمطية والطريقة التي نمارس بها الأعمال سوف تزيد؛ لأن المتغيرات أصبحت واضحة فيما يتعلق بنوعية ومتطلبات الوظائف وشاغليها، بل ومناخ العمل نفسه، بما يخلق الكثير من التحديات المرتبطة بتطور الأجور وعدالتها، وبالتالي إلى تغيير المنظومة الاقتصادية التقليدية بصورة غير مألوفة، ومن ثم تكدير منظومة السلم المجتمعي، وذلك أصبح جلياً في تظاهرات السترات الصفراء في فرنسا، أو التظاهرات الناجمة عن براكست في إنجلترا.
نحن نعيش عالما مختلفا اليوم، ولأنه توجد حاجة للتواصل مع 2.3 مليار مستخدم على الفيسبوك، و1.9 مليار مستخدم على اليوتيوب، وما يقارب مليار مستخدم على الإنستجرام وتويتر، أصبح لكل مؤسسة عامة صفحات خاصة بها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك فريق عمل كامل لإدارة تلك الصفحات لنشر الأخبار والأنشطة المؤسسية، والتعامل مع الرأي العام وجمهور المستفيدين من الخدمة، بل والبحث عن المواهب لضمهم إلى فريق عمل المؤسسة.
ونتيجة للتغير الواقع لبيئة العمل ونوعية وطريقة تفكير العمالة الجديدة من الشباب وحجم المعلومات الذي يفوق التصور، أصبحت المؤسسات، وخاصة العامة منها، منصة مثلها مثل أوبر وكريم، وليس بالصورة الهرمية التقليدية،هذا لتكون قادرة على اتخاذ القرار بمرونة كافية لصالح جمهور المستهدفين من الخدمة، سواء كانوا مواطنين أو شركات محلية أو مستثمرين، بهدف تعظيم القيمة الاقتصادية والاجتماعية المقدمة لهم.
ولتحقيق هذا، يجب على متخدي القرار وصانعي السياسات بالمؤسسات العامة أن يدركوا أن الأمر يتعدّى ميكنة الأعمال بالمؤسسات، بل لا بد من وجود رؤية "رقمية" داخل المؤسسة تشمل نماذج الأعمال الخاصة بها.
وكذا لا بد من وجود العنصر البشري المؤهل للتعامل مع الوضع الجديد، وهنا يظهر دور جديد لمديري التكنولوجيا بالمؤسسات جنباً إلى جنب مع علماء تحليل البيانات Data Scientists لترتيب الحجم المهول من البيانات المنتجة من داخل المؤسسة وخارجها، والخروج منها باستقراءات لما هو مطلوب من متخذ القرار لعمله لصالح المؤسسة وجمهور المستفيدين من الخدمة.
لذا فالابتكار المؤسسي هو السبيل الأوحد الذي لا بد منه ولا حياد عنه، وعلى متخدي القرار وصانعي السياسات وقادة المؤسسات العمل على ترتيب البيت من الداخل، وتنظيم الأعمال والإجراءات طبقاً للمفاهيم الجديدة القائمة على توطين واستهلاك التكنولوجيا، وعليهم إعادة النظر في العلاقات بين المؤسسة والأطراف الخارجية بمبدأ الشراكة، سواء كانوا مواطنين أو شركات محلية أو مستثمرين، وكذا إعادة توزيع المهام والمسؤوليات على فرق العمل بالمؤسسة.
كما أن العامل البشري سيظل في بؤرة التطوير وليس كما يظن البعض، ولكن بتنظيم وفكر جديدين؛ حيث إن التوصيف الوظيفي سيصبح من الماضي؛ لأن كل فرد بالمؤسسة سيكون له دور مختلف حسب المهمة الموكلة إليه في دائرة معينة من دوائر العمل بالمؤسسة.
وهذا يتطلب وجود مهارات أساسية لدى الموظف بالمؤسسة، ومنها التفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات والابتكار والإبداع والذكاء العاطفي ومهارات القيادة وريادة الأعمال والمرونة وكذا المهارات التكنولوجية والرقمية، والأخيرة بمفهوم ليس معرفة كيفية عمل التكنولوجيا، فهذا شأن المتخصصين، بل بمفهوم القدرة علي كيفية توظيف التكنولوجيا لخدمة المؤسسة وجمهورها.
ومن هنا تأتي أهمية أن تكون المؤسسة في حد ذاتها قادرة على التعلم Learning   Organization لتسهيل التعلم لمنسوبيها، وإرشادهم للجديد باستمرار؛ لخدمة الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
لذا يجب على المؤسسات الاحتفاظ بالقادة القادرين على تفهُّم التحول الرقمي والتعامل مع معه، أو تمهيد الطريق لقادة جدد قادرين على التعامل مع التسارع التكنولوجي لخدمة مؤسساتهم ومجتمعاتهم واقتصادهم؛ لأن علينا أن نقوم بتجهيز مؤسساتنا العامة للعبور إلى المستقبل؛ لأن المستقبل يبدأ الآن.