دكتور فتحي شمس الدين

التعايش مع أزمة فيروس كورونا في المجتمع المصري

 السبت, 30 مايو, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

التعايش مع أزمة فيروس كورونا في المجتمع المصري

فرض فيروس كورونا نفسه على طبيعة الحياة في المجتمعات بصورة لم يكن لأحد أن يتخيل أن تكون بمثل هذه السرعة وقوة التأثير؛ حيث إنه غيّر من طبيعة الحياة في العالم أجمع، ورسخ لمفاهيم جديدة غيرت شكل الحياة التقليدية التي كان يعرفها البشر، ومع عدم ظهور أي لقاح أو علاج ناجع لفيروس كورونا ـ إلى الآن ـ ظهرت خطورة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة على المجتمعات نتيجة الغلق التام أو الجزئي لجميع الأنشطة الحياتية على مستوى العالم أجمع.
ويتضح من خلال التحليل للمشهد العالمي أن أزمة فيروس كورونا ليست أزمة مؤقتة وعابرة، وإنما هي مستمرة في أقل تقدير لسنتين، وهو ما يتطلب من الدولة والمجتمع وسوق الأعمال وحتى الأفراد تأهيل أنفسهم للتعايش مع فيروس كورونا في الفترة القادمة، وفكرة التعايش تلك بدأت كثير من الدول الغربية الحديث عنها وطرحها مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وغيرها.
لكن يظل السؤال كيف يستطيع المجتمع المصري التعايش مع فيروس كورونا؟ 
هناك عدة محاور يجب النظر لأهمية تأهيلها للتعايش مع فيروس كورونا يمكن تحديد أبرزها على النحو التالي:
1- على مستوى القطاع الصحي: يعتبر القطاع الصحي هو حجر الزاوية في التعامل مع أزمة فيروس كورونا، وعليه فإنه يجب أن تكون هناك استراتيجية واضحة من الدولة تركز على مفهوم ال capacity building أو بناء طاقات إضافية وتحسين البيئة الموجودة، وهو الأمر الذي يبدأ بزيادة عدد أَسِرَّة المستشفيات و أَسِرَّة العناية المركزة، وزيادة الأجهزة العاملة، والعمل على حل مشكلات مقدمي الخدمات الطبية في مصر لمنع تسربهم خارج مصر، خاصة مع زيادة الطلب على مقدمي الخدمة الطبية عالميا نظرا للأزمة الحالية، ويجب التأكيد هنا على التكامل مع القطاع الطبي الخاص في الدولة المصرية والاستفادة من إمكاناته أو على الأقل توظيفها بصورة نوعية.
2- على مستوى قطاع الأعمال: يؤثر مستوى قطاع الأعمال والبنوك على طبيعة الوضع الاقتصادي في المجتمع، الأمر الذي يجب العمل على ضمان استمراريته بصورة تحافظ على صحة الفرد من جهة وتضمن استمرارية المنظومة من جهة أخرى، وهنا يجب وضع خطط نوعية ومبتكرة تضمن زيادة القدرة على العمل من خلال النظم التكنولوجية الحديثة،  بحيث تكون هناك بنية أساسية تضمن إنجاز أكبر قدر من العمل دون الاحتكاك المادي،  مع ضرورة تطوير الخدمات الإلكترونية خاصة في قطاع البنوك لعمل غالبية الخدمات بصورة رقمية، الأمر الذي يسهم مستقبلا في دعم التحول الرقمي في المجتمع المصري بصورة كبيرة.
3- على مستوى قطاع التعليم: كثير من الجامعات والمؤسسات التعليمية في العالم قررت ألا يكون هناك تعليم بتواجد الطلبة حتى عام 2021، وهو الأمر الذي يتطلب تحقيق قفزة كبيرة في التعليم الإلكتروني بصورة حقيقية وليست شكلية في المجتمع المصري خاصة في الجامعات، مع ضرورة وجود خطة واضحة محددة المحاور وآليات التنفيذ في هذا الإطار بحيث تكون بصورة شاملة لا تخضع لطبيعة وقوة كل مؤسسة تعليمية منفردة.
4- على مستوى منظمات المجتمع المدني: دور المجتمع المدني في الفترة القادمة يجب ألا يقتصر فقط على تقديم الدعم السلعي لبعض الفئات الأكثر فقرا، لكن يجب أن يتم بلورة دوره في إطار منظومة متكاملة تحددها الدولة في الفترة القادمة من أجل ضمان تكامل كل الجهود في المجتمع،  فمثلا يتم طرح  مبادرات لدعم التعلم عن بُعد، ودعم الشركات الصغيرة في اتجاه بناء طاقات إضافية، ودعم الشمول المالي، وغيره  مع التركيز على أن يكون هناك تعاون ثلاثي بين الدولة ورجال الأعمال والمجتمع المدني مثل كثير من النماذج الدولية.
5- على مستوى الدعم النفسي: يجب النظر بعين الاعتبار للتأثيرات النفسية على المواطنين جراء فيروس كورونا خاصة على الأطفال والمراهقين، الأمر الذي يتطلب معه إجراء برنامج لدعم الصحة النفسية في المجتمع المصري من خلال الاعتماد على الآليات الرقمية الحديثة في التواصل مع المواطنين اعتمادا على شبكة الإنترنت في التواصل خاصة لدى الأطفال والمراهقين من خلال برامج خفيفة تطرح على شبكة اليوتيوب والتي تلقى رواجا كبيرا لدى تلك الفئات. 
6- على المستوى الإعلامي: أثبت الإعلام في مصر فشله في التعامل مع أزمة كورونا بصورة كبيرة؛ حيث لم نرَ أي برامج توعوية حقيقية بكيفية التعامل مع فيروس كورونا وكيفية الحماية من الإصابة به، ولم يتم توظيف الإعلام الشبكي أو حتى الإعلام التقليدي لتقديم برامج مرئية ذات طابع معلوماتي شائق يخاطب الجماهير بصورة محددة ،  بل تم الاعتماد على مجموعة من الملصقات والتصميمات التي لا تصل لكل الفئات المستهدفة،  وعليه يجب أن يتم بلورة برامج حقيقية وحملات توعوية تخاطب المواطنين ليس بصورة جماعية ولكن بصورة انتقائية لكل فئة على حدة، على أن يتم توظيف المؤثرين في الإعلام الرقمي بصورة منظمة في إطار استراتيجية إعلامية وليس بصورة فردية غير منظمة.
7- على مستوى الوعي الجمعي: يجب على الدولة إطلاق خطة عامة للتعايش مع فيروس كورونا تتضمن إرشادات عامة يلتزم بها الأفراد والمنشآت بجانب عدد من المعايير الإلزامية التي يجب توافرها في مختلف القطاعات والمؤسسات والشركات،  كما يجب أن تكون هناك حملات توعية بالقواعد العامة التي سيكون على المواطنين الالتزام بها، ومنها قواعد تتعلق بالالتزام بمتطلبات السلامة العامة، وقواعد للتعامل مع الجهات المختلفة.
وتظل النقطة الأهم هي وضع الدولة مجموعة من البرامج والتطبيقات الحديثة التي تعمل على تتبُّع مرضى كورونا لرسم صورة عامة لهم في المجتمع المصري،  وتوجد الكثير من البرامج الناجحة التي يمكن تطبيقها في المجتمع المصري مثل تطبيق" TraceTogether" الذي نجحت من خلاله سنغافورة في تتبُّع المصابين بفيروس كورونا بصورة ناجحة، والبدء في السيطرة على انتشار المرض من خلاله،  وهو ما سنتحدث عنه تفصيليا في المقال القادم، إن كان في العمر بقية.