دكتور عبد المنعم سعيد

المعالجة الإعلامية لقضية العشوائيات

 الأحد, 27 سبتمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

المعالجة الإعلامية لقضية العشوائيات

 
المشروع المصري للتقدم والتنمية المستدامة والتحديث يقوم على قدمين: أولهما تنمية الثروات المصرية بالانتشار الجغرافي من نهر النيل إلى شواطئ البحار والخلجان المصرية، وغزو أعماق الصحراوات المصرية بالزراعة والصناعة والسياحة والتعدين. وثانيهما التعامل مع القضايا المصرية المستعصية والتي عزفت قيادات مصر السابقة عن معالجتها، أو استقرار معارضة قوية للتعامل معها من أصحاب المصالح في استمرارها على ما عليه؛ أو لسيادة الظن بين المسئولين أن هناك ما هو أكثر أهمية بين القضايا أو أن القضية خاسرة على أية حال. وكان ذلك حتى وقت قريب هو الموقف من قضية التعليم ولكن أمكن تجاوزها بالحزم والعزم؛ والآن فإن المواجهة تجري مع قضية العشوائيات التي تقع في صميم المشروع المصري للتنمية المستدامة. فلا يجوز تحقيق احترام القانون والتحديث للبناء المعماري والحضاري المصري دون التعامل الجدي مع القضية التي تحتوي على عشرات الملايين من المصريين، وتقع في قلب المراكز الحضرية المصرية. 
ولعل ذلك يمثل الدرس الإعلامي الأول في التعامل مع القضية فقد كان واجبا توقيعها ضمن إطار المشروع المصري الشامل؛ فالبدء في إصلاحها ليس لجباية الأموال، أو اصطياد المواطنين بالمخالفات القانونية، أو بسط السيطرة السياسية على المواطنين، وإنما هي في قلب عملية التقدم المصري والتي ترتب العشوائيات فيها الكثير من البؤس في الحاضر، والتكاليف المستحيلة لمعالجة آثارها في المستقبل. نقطة البداية الإعلامية للتعامل مع المشروع تبدأ من نهايتها فيما نريده لمناطق العشوائيات والتي نريدها مكانا حضاريا لكرامة العيش التي تجعل الأجيال القادمة أفضل حالا 
 
بكثير من الأجيال الحالية، وبالتأكيد السابقة. وكما هو الحال في بناء الأحياء الجديدة والمدن الجديدة فإن هناك دائما "ماكيت" يظهر ما سوف يكون عليه الحال من تنمية وتقدم. 
الدرس الإعلامي الثاني هو أن هناك بالفعل دلائل كثيرة على أن الاقتراب من قضية العشوائيات هو من صميم المشروع المصري للتقدم، وتتمثل في تجربة التعامل مع العشوائيات من قبل. فالدولة المصرية تعاملت مع العشوائيات عندما أقامت عشرات الآلاف من كيلومترات الطرق والمحاور والتي كان على بعض منها أن يصطدم بالعشوائيات وغير العشوائيات، وتم التعامل معها من خلال التعويض للسكان أو الاستبدال مع مساكن أخري أفضل حالا. الدليل الآخر أن الدولة قامت بالفعل بالتعامل مع العشوائيات في أسوأ حالاتها ممثلة في العشوائيات الأكثر خطرا والمهددة لحياة البشر والعامرة بالفقر المدقع. تم ذلك في مناطق الدويقة وتل العقارب في القاهرة، وأمثالها في الإسكندرية، وكان ذلك بالنقل إلى أماكن حضارية في الأسمرات وأمثالها من الأحياء الجديدة العامرة بالعناية الصحية والتعليمية والخدمات المختلفة. الدليل الثالث أن الدولة واجهت العشوائيات التي تقع في طريق تحديث القاهرة التراثية، وكل المناطق التراثية الأخرى في الدولة، حينما كان عليها أن تقدم مشروع "مثلث ماسبيرو"، ومنطقة المتحف المصري الكبير، ومنطقة باب العزب وعين الصيرة وسور العيون؛ وجري التعامل معها بالتعويض أو بالانتقال إلى مناطق أخري، أو الانتظار حتى يكتمل المشروع والعودة إلى مناطق العيش. والدليل الرابع أن الدولة أقامت خلال السنوات الخمس السابقة مليون وحدة سكنية كان معظمها لمحدودي الدخل، وهي الآن بسبيلها أبناء مليون وحدة أخري لذات الغرض. الشعار المطبق هو أنه لن يكون هناك مصري بدون مسكن بالتمليك أو بالإيجار. 
الدرس الإعلامي الثالث هو أن العشوائيات ليست أمرا مصريا خالصا وإنما هو ظاهرة مصاحبة للانتقال من المراحل الزراعية والرعوية والريفية في التاريخ إلى المراحل الحضرية والصناعية. نشأت العشوائيات في إنجلترا بعد الثورة الصناعية، ولمن يريد التعرف عليها يقرأ روايات تشارلز ديكنز "أوليفر تويست" و"دافيد كوبرفيلد". وفي العالم حاليا فإن الظاهرة منتشرة في الهند وبنجلاديش وإندونيسيا والبرازيل، وحتى وقت قريب في الصين. هذه الدول مثلنا كثيفة السكان، وكان عليها هي الأخرى في مسيرة التقدم والتنمية المستدامة أن تجابه العشوائيات بحزم من السياسات ذات الطبيعة الإنتاجية بمعني تحويل العشوائيات إلى مناطق إنتاج منزلي في صناعة المنسوجات، وأشكال مختلفة من الصناعات اليدوية، وأحيانا تقديم قطع للإنتاج في المصانع والأسواق الكبيرة. هذا الأمر ليس جديدا تماما على مصر، فمدينة دمياط كثيرا ما قام سكانها كل في منزله بإنتاج جزء من قطع الأساس، وكانت مدن وأحياء مثل أخميم وكرداسة بإنتاج منسوجات وملابس وسجاد. تحويل العشوائيات إلى مناطق إنتاجية يرفع أولا مستوي المعيشة؛ وثانيا مع ارتفاع المستوي تصبح هناك حاجات للتعليم والصحة والعيشة الحضارية والتقدم الثقافي بوجه عام. 
الدرس الإعلامي الرابع أن تنمية العشوائيات تحتاج أنواعا من الشراكات أولها تلك النابعة من الجمعيات الأهلية التي لعبت دورا خلال المرحلة الأخيرة في التعامل مع القري الأكثر فقرا في مصر. هذه الجمعيات مثل مصر الخير وبنك الطعام والأورمان ورسالة وغيرها اكتسبت الكثير من الثقة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يمكن الاستفادة منه إما بممارسة نفوذ تنموي داخل العشوائيات ومن ثم مقاومة امتداد العشوائيات والعمل علي تقدمها من خلال الأعمال ذات الطبيعة التعليمية والصحة التي سوف توفر ممثلين للتحديث داخل العشوائية. وثانيها أن التناول التنموي لقضية العشوائيات تحتاج ممثلين سياسيين للدولة داخلها. وفي السابق كان الحزب الوطني الديمقراطي يلعب دورا في تمثيل الدولة داخل العشوائيات بقدر ما تمثيل العشوائيات لدي الدولة. وللأسف أن هناك الآن فقرا سياسيا شديدا داخل مناطق العشوائيات المختلفة نجحت جماعة الإخوان المسلمين في استغلاله؛ وإذا كانت الجماعة سقطت في مصر كلها، فإن نفوذها لا يزال واضحا في عشوائيات وقري محافظة الجيزة وغيرها. 
الدرس الإعلامي الخامس أن الدولة مع الاستخدام الذكي والمهني والمحترف إعلاميا مع الدروس الأربع السابقة عليها التعرف علي درس خامس قوامه أن التعامل مع كافة القضايا المستعصية التي تواجه التنمية المستدامة لابد لها أن يكون لها مقوما آخر يقوم على استراتيجية إعلامية تتكامل مع بداياتها وتنفيذها، والسياسات التي تطلقها وتلك التي تتعامل مع الصعوبات التي تواجهها والعقبات التي تقف في طريقها. وفي المرحلة الراهنة من التعامل مع القضية فلا بأس من التقاط الأنفاس مع قرار مد فترة التصالحات والنظر في هذه الاستراتيجية التي تساهم مع الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية والتنموية في تحقيق التنمية المصرية.