دكتور عبد الفتاح الجبالي

الصناعة المصرية والفرصة الذهبية

 الإثنين, 12 أكتوبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

الصناعة المصرية والفرصة الذهبية

هل تتحول الأزمة العالمية الحالية إلى فرصة للصناعة المصرية؟ هذا هو التساؤل المطروح حاليًّا على الساحة، خصوصًا في ظل المزيد من التوقعات بإعادة توطين بعض الصناعات الأساسية داخل بعض البلدان النامية، ومن حسن الطالع أن بعض هذه الصناعات تتمتع فيها مصر بالعديد من المزايا النسبية والتنافسية؛ مثل صناعات الملابس الجاهزة والأدوية وغيرهما.
تأتى أهمية هذا التساؤل في ضوء الدور الذي تلعبه الصناعة في العملية التنموية، ولا نقصد هنا التنمية الاقتصادية فحسب، ولكن أيضًا التنمية بوصفها عملية تغيير اجتماعي واقتصادي وثقافي شامل؛ بهدف إحداث زيادة مضطردة في الإمكانات المحلية للمجتمع من حيث قدرته على إشباع الحاجات المادية المتزايدة للسكان، وذلك انطلاقًا من أن التنمية هي إضافة طاقات إنتاجية جديدة للمجتمع عن طريق: الاستخدام الأمثل للموارد المالية، ورفع معدل الاستثمار، وحجر الزاوية هنا هو زيادة الإنتاج.
ويرجع التركيز على الصناعة لإحداث التنمية إلى ما بها من خصائص تُميزها عن القطاعات الأخرى للاقتصاد القومي؛ فالصناعة هي المجال المُفضل الذي نُطبّق فيه تقسيم العمل، ووفورات الحجم، والتقدّم الفني، كما أنها العنصر الأساسي الاقتصادي لإحداث التنمية؛ فهي تنقل للقطاعات الأخرى التقدّم الذي تحتويه السلع الرأسمالية، والمُدخلات الصناعية، ونصيب الفرد في الإنتاج غالبًا ما يكون أكثر ارتفاعًا في الصناعة منها في الزراعة، هذا بالإضافة إلى إعادة توزيع العمالة من القطاع ذي الإنتاجية المنخفضة إلى القطاع ذي الإنتاجية المرتفعة. 
ولما كان التصنيع هو جوهر عملية التنمية الاقتصادية، فإن أهداف التصنيع لا بدَّ أن تنعكس من الأهداف العامة للتنمية، وهذه الأهداف تكمن في إيجاد اقتصاد متوازن من خلال التصحيح المتتابع لاختلال هيكل الإنتاج، وإرساء القاعدة التكنولوجية للاقتصاد القومي باعتبارها قاعدة الانطلاق نحو تحقيق مرحلة النمو الذاتي، وإحداث التكامل بين فروع الصناعات المختلفة، فضلًا عن تحديث الزراعة وتطويرها أساسًا؛ من خلال إقامة المجمّعات الزراعية الصناعية، واستيعاب العمالة الجديدة، وامتصاص البطالة الظاهرة، وتحويل البطالة المقنّعة إلى عمالة مُنتجة، وعلاج العجز المُزمن في ميزان المدفوعات.
ومن الأمور المهمة أن الآثار الناجمة عن فيروس كورونا وما ترتب عليه من انغلاق اقتصادي لدى العديد من البلدان، وتقلص حركة التجارة الدولية، قد هيأ الجو لموجة جديدة من التصنيع تتميّز بسياسة الإحلال محل الواردات، خصوصًا في السلع الاستهلاكية غير المعمرة، وبصفة خاصة المنسوجات القطنية، وهو السبيل لتحقيق هدفين أساسيين هما: تنويع الاقتصاد القومي، وتخفيف حِدّة الاعتماد على النشاط الواحد، ومن ثَمَّ تخفيف عبء اختلال التوازن بين الموارد وإيجاد المزيد من الفرص لاستيعاب العمالة فضلًا عن أن التخفيف من قيمة الواردات، سوف يُحرر موارد يمكن استخدامها في دفع المزيد من التصنيع.
وهنا تشير الإحصاءات إلى أن الواردات المصرية قد تراجعت بنسبة 20% خلال عام 2019/2020 مقارنة بالعام السابق، وذلك بعد التراجع في الواردات من السلع الغذائية سواء الأولية أو المصنعة للاستهلاك، وكذلك مستلزمات الإنتاج والسلع الاستهلاكية المعمرة، وهنا نلاحظ أن الصادرات المصرية من معظم هذه المجموعات قد تراجعت أيضًا؛ ويمكننا تفسير ذلك بـأنها اتجهت إلى السوق المحلية للإحلال محل الواردات أو لانخفاض الإنتاج أصلًا نتيجة لتوقف بعض المصانع عن الإنتاج.
وجدير بالذكر أن الصناعة المصرية عانت كثيرًا خلال الفترة الماضية؛ حيث شهدت تراجعًا ملحوظًا في النمو الذي دار حول 1% في المتوسط قبل أن يصل إلى 2.8% عام 2018/2019، وهو معدل ضئيل للغاية، كما أن إسهامها في الناتج لم يزد عن 17%، ويعمل بها 13% من إجمالي المشتغلين، هذا، فضلًا عما تتصف به الصناعة التحويلية من قاعدة صناعية ضعيفة، مصحوبة بانخفاض في الإنتاجية، بل والمشكلة الكبرى تكمن في كون القيمة المضافة منها ما زال مَبنيًّا على الموارد الطبيعية، وهو ما لا يشجع على النمو الاقتصادي المرتفع، لذلك لم يكن مستغربًا أن تظل نسبة السلع الصناعية في الصادرات المصرية منخفضة للغاية، يضاف إلى ذلك تحيز هيكل الصادرات تجاه عدد محدود من السلع الأولية، كما تتميز الصناعة المصرية بدرجة عالية من الاعتماد على الخارج لتوفير حاجاتها من المدخلات الرئيسة، ويعود ذلك بالأساس إلى النمط التكنولوجي المستخدم، والذي يؤدي إلى تحيزها نحو استيراد السلع الوسيطة، وارتفاع نفقة ما يتم استيراده من عناصر الإنتاج لمعظم الصناعات الرئيسة بالنسبة للقيمة النهائية، وهو ما يؤدى إلى التقليل من كفاءة استخدام الموارد المحلية وتزايد الاعتماد على الواردات، ولا يخفى ما لذلك من آثار سواء على سعر الصرف أو على هيكل الواردات المصرية.
 وبالتالي، فإن الأوضاع الحالية للصناعة المصرية، لن تمكنها من مواجهة التحديات المفروضة عليها إلا عن طريق إعادة صياغة السياسة الصناعية الحالية، فعلى الرغم من القول بإن ما يتمتع به الاقتصاد من عمالة وموارد طبيعية ورأس المال، يحدد ميزته النسبية، فإنها مقولة فضفاضة تحتاج إلى المزيد من الإيضاح؛ فالعبرة هنا بأي صناعات تعتمد عليها الدولة؟ وما أساليب الإنتاج المتوقع استخدامها؟ وهل نحن في حاجة لما أطلق عليه شومبيتر "التدمير الخلاق" أي اقتحام مجالات صناعية جديدة والتخلي عن صناعات تقليدية ثبت فشلها حتى في ظل الحماية الجمركية والدعم السعري؟ 
إذ تدلنا القراءة المتأنية للواقع المصري على أن الصناعة لم تأخذ المكانة المستحقة في الاهتمام والتركيز، في ظل الأوضاع المؤسسية القائمة حاليًّا، وتشتُت الهيكل الإنتاجي المصري بين العديد من الوزارات، من هنا، يجب العمل على إعطاء أهمية كبرى لتعديل الهيكل الحالي والتركيز عليه، وإزالة المعوقات التي تعيق قدرة المؤسسات على الاضطلاع بمهامها، وتسهيل بناء القواعد الإنتاجية، وتعبئة الموارد المحلية واستخدامها الاستخدام الأمثل؛ من خلال التوسع المنظم والفعّال في بناء القواعد الإنتاجية، وتطبيق سياسات عاجلة لتحفيز الاستثمار الصناعي (الخاص والعام)، وبعبارة أخرى وضع استراتيجية تنموية للصناعة تضمن التنسيق التام والكامل بين القطاعات المختلفة للاقتصاد القومي.