دكتور عبد المنعم سعيد

التغير في النظام الدولي

 الأحد, 22 نوفمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

التغير في النظام الدولي

في ظل أزمة كوفيد - 19، أصبح العالم في عصر جديد من تفكيك العولمة السياسية والاقتصادية التي كان لها أصولها قبل الأزمة. وفي النهاية، قد يظهر نظام عالمي جديد، يعالج مشكلات القرن الحادي والعشرين.
في معنى النظام الدولي
الشائع في علوم العلاقات الدولية هو أنها ترتكز على القوى العظمى وعلاقاتها، وما بعد ذلك إما مجرد تفاصيل، أو أقل شأنا من المنظومة الرئيسة القادرة على الهيمنة ومد النفوذ، والمنافسة بالسلم أو بالحرب أو بالردع مع القوى العظمى الأخرى، والشائع أيضا أن توصف المنظومة الرئيسة بعدد الأقطاب فيها، فيقال النظام متعدد الأقطاب، كما كان الحال ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، أو نظام القطبين، كما كان في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ حينما انفردت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بالنظام الدولي، أو نظام القطب الواحد، كما كانت بريطانيا ما بين 1815 بعد هزيمة نابليون و1914 ونشوب الحرب العالمية الأولى، والولايات المتحدة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وحتى عام 2008، عندما جرت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، وهو العصر الذي سُمِّي عصر العولمة شكلا، أما في الحقيقة فقد كانت الولايات المتحدة هي القائدة العظمى الوحيدة في العالم، فيا ترى: ما الحال الآن، وكيف يوصف النظام الدولي؟ الإجابة المباشرة هنا، والتي سوف يجري التفصيل فيها، هي أن العالم لم يعد أسيرا لقوة عظمى وحيدة؛ لأن التحدي بالنسبة للولايات المتحدة بات كبيرا؛ كما أن العالم لم يعد متعدد الأقطاب، على عكس ما كان شائعا من أن اليابان والهند وأوروبا الموحدة سوف تدخل في منظومة التنافس على قيادة العالم وتوجيهه، ولكن العالم يدخل إلى منظومة ثلاثية من القوى العظمى: 
 
كيف يتغير النظام الدولي؟
إن أقاليم العالم وظروفها التاريخية والجيوسياسية ليست متطابقة أو حتى متشابهة، ولكن تظل القاعدة الأساسية لها هي تحقيق توازن القوى، بكل ما يكفله ذلك من أبعاد القوة الخشنة والناعمة والذكية، فالعالم الآن وفق وجهة نظر شائعة بات ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والصين، استنادا إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للبلدين يتقارب يوما بعد يوم، وفي الوقت الراهن فإنه بالحساب استنادا إلى القوة الشرائية للدولار، فإن الناتج الصيني يتفوق على الأمريكي، وأخذا بمعدلات النمو الراهنة، فإن الصين في طريقها إلى مزيد من التفوق؛ خصوصا بعد الريادة في مجالات الثورة الصناعية التكنولوجية الرابعة، فالنمط الذي يدور في تفاعلات القطبين يشير إلى تنافسهما، والولوج من المنافسة إلى الحرب التجارية والاستراتيجية في بحر الصين الجنوبي، والسياسية بالعقوبات الأمريكية على حلفاء للصين، مثل كوريا الشمالية وإيران، والتي تضغط فيها واشنطن على دول العالم للاختيار ما بينها وبين الصين، كما أن وباء كورونا مؤخرا أضاف إلى دوائر التنافس والتناقض بعدا آخر لا يزال يتفاعل فترة استمرار الجائحة.
ولكن دورية الشؤون الخارجية الأمريكية رأت الثنائية القطبية تدور في الإطار التاريخي المعاصر للعلاقات والتفاعلات الأمريكية الروسية؛ وجاء ذلك في العدد المجمع لمقالاتها الصادر في أبريل (نيسان) 2018، بعنوان «الحرب الباردة الجديدة: روسيا وأمريكا من قبل والآن»، فمجموعة الدراسات المنشورة تبدأ من بداية الحرب الباردة القديمة، والتي جرى إشهارها فكريا من خلال مقال السفير الأمريكي «جورج كينان»، في عدد يوليو 1947 بعنوان «مصادر السلوك السوفيتي»، والذي أعلن فيه انتهاء التحالف الأمريكي السوفيتي أثناء الحرب العالمية الثانية، ودعا - كبديل - إلى اتباع استراتيجية تقوم على احتواء الاتحاد السوفيتي، أما المقالات المختلفة المنشورة فتعكس التطورات وفترات الصعود واحتدام الحرب الباردة، أو تخفيف التوتر، عندما نشر «هنري كيسنجر» مقاله في يوليو 1959 بعنوان «البحث عن الاستقرار»، و «نيكيتا خروتشوف» الذي نشر في عدد أكتوبر (تشرين الأول) من الدورية نفسها مقالاً بعنوان: «عن التعايش السلمي»، ولكن لحظات التعايش والوفاق كانت الاستثناء في مسيرة طويلة من الحرب الباردة، استمرت حتى انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وعلى مدى عقد ونصف تقريبا، وفي ظل انفراد الولايات المتحدة بالنفوذ في العالم، فإن المقالات المنشورة ركزت على إنقاذ روسيا، والتعاون معها في إطار مجموعة الثمانية، وفي عام 2002 ظهر العنوان «تجديد روسيا»، ولكن شهر العسل هذا لم يستمر طويلا؛ حيث تواصلت المقالات والدراسات التي تكشف ازدياد التوتر بين واشنطن وموسكو، ففي عام 2006 كان العنوان هو «روسيا تترك الغرب»، وفي 2007 «خسارة روسيا وتكاليف استئناف المواجهة»، وفي 2008 «لماذا يعد استقرار السلطوية (فلاديمير بوتين) خرافة؟»، 
وفي 2010 «مأزق التحديث في روسيا»، وفي 2011 «الدب المحتضر»، و«كارثة روسيا السكانية»، وفي 2014 «إدارة الحرب الباردة الجديدة»، وفي 2016 «الجغرافية السياسية الدائمة لروسيا»، و«البحث عن مكانة روسيا المشروعة»، و«إحياء القوة العسكرية الروسية» (هذا بعد ضم روسيا للقرم، واحتكاكها بأوكرانيا، وفرض العقوبات الأمريكية عليها)، وفي العام 2018، نشرت مجلة «الشؤون الخارجية» في عدد يناير (كانون الثاني): «احتواء روسيا مرة أخرى»، وفي عدد مارس (آذار) «هل بدأت حرب باردة جديدة؟».
وقد دار الزمان دورته، وعادت الحرب الباردة من جديد بين موسكو وواشنطن، بينما كانت حرب باردة أخرى تجري بين واشنطن وبكين، الأولى في جوهرها استراتيجية، مسرحها أوروبا والشرق الأوسط؛ والثانية تبدو اقتصادية تدور حول التجارة، ولكنها هي الأخرى استراتيجية تدور حول السيطرة والنفوذ في العالم، فالحربان تدوران بين ثلاث قوى: الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا تزال نظريا القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم، وروسيا التي وإن كانت حالتها الاقتصادية متواضعة، فإن لديها أكثر من 9000 رأس نووية، تكفي لتدمير الكرة الأرضية عدة مرات، كما أن لديها مجالات متميزة للتفوق التكنولوجي في السلاح والفضاء، والصين التي ليست لديها قوة اقتصادية جبارة فقط، ولكنها أيضا القوة الواعدة من حيث معدلات النمو والتكنولوجيات الحديثة، فلأول مرة في التاريخ البشري، أصبح بمقدور الصين منافسة أمريكا في بعض مجالات التطور التكنولوجي.
الجديد في النظام الدولي
هذه حالة جديدة على العلاقات الدولية في التاريخ المعاصر، ليس فقط بسبب العدد الثلاثي، ولكن لأنها تأتي في ظروف مختلفة تاريخيا عما كان عليه الحال طوال القرن العشرين والبدايات الأولى للقرن الحالي، كما أن التطورات التكنولوجية أعطت للأطراف الثلاثة ما لم تعطه لدول وقوى أخرى، مثل الهند أو الاتحاد الأوروبي، والذي أضعفه الخروج البريطاني من الاتحاد، وضعف اقتصادات أساسية في الاتحاد، مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، فضلا عن تراجع النزعة الأوروبية بين دول الاتحاد، وهو ما خلق ضغوطا كبرى على ألمانيا وفرنسا، ولكن ربما كانت أهم الظروف التي تميز هذه المرحلة، الظرف الخاص بتولي «دونالد ترامب» الإدارة الأمريكية وما أسفر عنه من موجة يمينية سرعان ما انتشرت في العديد من دول العالم في أوروبا (بريطانيا) وأمريكا الجنوبية (البرازيل) وآسيا (الهند). 
وقد جرت المراجعات لطبيعة النظام العالمي، والنظم السياسية المختلفة، بعد ظهور جائحة كورونا، وجوهر الأمر هو سرعة انتشار الفيروس داخل الدول وبينها، بل وحتى انتقاله بين القارات، وفيه درجة من التركيز داخل العالم المتقدم: الصين، وأوروبا، والولايات المتحدة، وفيما عدا ذلك هناك نقاط متوسطة مثل كوريا الجنوبية وإيران واليابان، ولكن الثابت أن العجلة في البحث عن العالم الجديد تحاول تجاوز ما الذي يعنيه «كوفيد - ١٩» وتأثيراته على العالم إلى القفز فورا إلى إعادة تركيب الدنيا كلها وتوزيع القوة فيها، رغم أن كثيرا من متغيرات ذلك كانت حادثة قبل ١٢ يناير 2020 عندما تم الإعلان عن أول مريض في ووهان الصينية، حينها كان معروفا أن الصين قوة صاعدة في النظام الدولي، وكان معروفا أن الولايات المتحدة آخذة في الانسحاب من العالم، وكان «البريكسيت» أول الإشارات إلى أن الاتحاد الأوروبي ليس كما يبدو، وكان التغيير كما يقال مكتوبا فوق الحائط الزمني، ويبدو أن العالم يتغير في اتجاهات جديدة، وقد سبق أن تحدثنا عن عالم ثلاثي الأقطاب، وعالم ما بعد الثورة العلمية الرابعة التي قبل أن نعلم ما هي كنا في الحقيقة نتحدث عما غيرته، ومن الممكن أن يكون «كوفيد - ١٩» كاشفا عن أمور قد تغيرت بالفعل وظهرت خلال الأزمة، مثل ذلك ما حدث عند سقوط جدار برلين عام ١٩٨٩ ووضع نهاية للحرب الباردة أو انهيار بنك ليمان براذرز في ٢٠٠٨ واشتعال نار أزمة مالية واقتصادية عالمية، فجائحة فيروس كورونا حدث مدمر على مستوى العالم والنظام العالمي بكامله، ولا يمكننا أن نتخيل عواقبه بعيدة المدى، وهذا أمر مؤكد؛ حيث أدى هذا المرض إلى تحطيم الحياة، وتعطيل الأسواق، وكشف كفاءة الحكومات (أو انعدامها)، كما أنه سيؤدي إلى تحولات دائمة في القوة السياسية والاقتصادية بطرق ربما لن تظهر إلا لاحقا.
 
خاتمة: النظام الدولي إلى أين؟
الأمر الذي اتفق عليه المحللون والمراقبون هو أن العالم يتغير نتيجة «كوفيد -١٩»، ولكن ما اختلفوا عليه كان مدى هذا التغيير، وفي أي اتجاه، وفي ذلك انقسموا إلى اتجاهين: أولهما أن العالم ينقلب رأسا على عقب، فباختصار سيكون هناك عالم آخر، وثانيهما أن الأزمة في حقيقتها «كاشفة» عن عالم كان يتغير بالفعل، وما علينا إلا مراقبة ما كان من تغيرات تكنولوجية وتغيرات في توازنات القوى الدولية حتى نرى ما نراه وما هو قادم أيضا، ولكن ما بين الاتجاهين مسافات كثيرة وظلال بين وجهة نظر وأخرى، وفي هذه الحال، فإن «جائحة فيروس كورونا» أدت إلى تحطيم الحياة حينما تم تعطيل الأسواق، فالمتصور بعدها أن تحدث تحولات دائمة في القوة السياسية والاقتصادية، كما أن صعود الصين، والتطور التكنولوجي الذي دمج ثورة المعلومات مع ثورة التكنولوجيا الحيوية، والتي خلقت ثورة تكنولوجية عالمية رابعة حتى قبل أن تترسخ نتائج الثورة الثالثة، والظهور الكبير لما سمي «سياسات الهوية» التي تجابه «سياسات العولمة»، والدعوة إلى إعادة تأسيس المؤسسات الدولية؛ كل هذه الأمور كانت موجودة، وما بقي هو معرفة ما جرى عليها من تغيرات بعد حدوث الجائحة. 
وقد أصبح العالم في عصر جديد من تفكيك العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية التي كان لها أصولها قبل أزمة وباء فيروس كورونا؛ ليس فقط لأن العالم عرف ذلك من زاوية الجغرافيا السياسية من خلال «البريكسيت»، ولكن لأن الشركات تجد أن استمرار العولمة كمحرك للاقتصاد العالمي أمر صار أكثر صعوبة، وتجد نفسها مضطرة لأن تعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بتوطينها محليا، فالمتصور بعد الأزمة أن تحدث تحولات دائمة في القوة السياسية والاقتصادية تشكل ملامح النظام العالمي الجديد بعد الوباء، ومن الناحية الاقتصادية، يواجه العالم أكبر أزمة اقتصادية، ومن الواضح أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو الركود، وتتصاعد الأعباء الاقتصادية على الدول، وتتزايد معدلات الفقر، كما أن الأمن الغذائي يواجه العديد من التهديدات، بالإضافة إلى اختلالات حادة في المؤشرات الكلية للاقتصاد.
وفي النهاية، قد يظهر نظام عالمي جديد، يعالج بالفعل مشكلات القرن الحادي والعشرين، بما فيه من تحديات التفكيك للعولمة، والنظم الإقليمية، والمواجهة مع أنماط تكنولوجية جديدة جعلت التواصل الإنساني أكبر من أي وقت مضى، بينما العزلة وسياسات الهوية تتأصل مع كل لحظة، وقد يبدو الأمر كله متناقضا، ولكن كان هذا دائما هو مفتاح التطور الإنساني.