د. محمد كمال

الترامبية ما بعد ترامب

 الأحد, 22 نوفمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

الترامبية ما بعد ترامب

رغم استمرار المعركة القانونية حول نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإن فرز الأصوات - كما تم الإعلان عنه - يشير إلى أن البيت الأبيض سيكون به ساكن جديد بدءًا من 20 يناير 2021، هو جو بايدن، مرشح الحزب الديمقراطى.
ويتبقى السؤال: ما مصير دونالد ترامب، الرئيس الحالي في حالة ما إذا تم تثبيت النتيجة لمصلحة بايدن؟ الإجابة المباشرة على هذا السؤال هي أنه حتى لو غادر ترامب البيت الأبيض فإنه لن يختفي من المشهد السياسى الأمريكي سواء بشخصه أو أفكاره، خاصة بعد حصوله على أصوات أكثر من 70 مليون ناخب أمريكي.  
وقد بدأت تظهر مرة أخرى الأنباء التي ترددت منذ فترة سابقة، وهي أنه ينوي أن ينشئ محطة تليفزيونية يطل منها على الرأي العام، ويسهم في تشكيله، ويحافظ على استمرارية الأفكار والسياسات التي روج لها فى حملته الانتخابية وأثناء وجوده بالبيت الأبيض.
والبعض لا يستبعد أيضا قيام ترامب بترشيح نفسه للرئاسة مرة أخرى عام 2024، وهذا حق دستورى له؛ لأنه سيكون قد أمضى فترة حكم واحدة في البيت الأبيض ومن حقه الترشح لفترة ثانية، كما لا يستبعد بعض المراقبين قيام أحد أفراد عائلته بالترشح أيضا، ويشار هنا على وجه التحديد إلى ابنته ومستشارته إيفانكا ترامب، ويرجح البعض هذا السيناريو، خاصة فى ظل ما أعلنه بايدن من أنه سيقضي فترة واحدة فقط في البيت الأبيض، وبالتالي سيكون مرشح الحزب الديمقراطى فى الانتخابات الرئاسية القادمة هو كامالا هاريس، وستصبح المنافسة بين امرأة في مواجهة امرأة، إيفانكا ترامب في مواجهة كامالا هارس. ولكن كل التكهنات المتعلقة بهذا الأمر تعد سابقة لأوانها، وقد يحدث الكثير خلال السنوات الأربع القادمة؛ مما يغير هذه الحسابات المتعلقة بالأشخاص.
الأمر المهم هنا هو السؤال المتعلق بمدى استمرارية الأفكار التي عبر عنها ترامب، والتي أطلق عليها البعض «الترامبية»، وهل سيكون هناك تيار فكرى داخل الحزب الجمهورى يرتبط باسم ترامب، كما حدث من قبل مع الرئيس رونالد ريجان، في التيار المعروف بـ «الريجانية».
«الترامبية» أصبح لها العديد من الملامح الفكرية، ارتبط أبرزها بشعار «أمريكا أولا» الذي رفعه ترامب، في حملتيه الانتخابيتين 2016، و2020، ويعد مكملا له شعار «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، وقد تمت ترجمة الشعارين إلى سياسات في ظل إدارة ترامب، تمثلت في إعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية، ومطالبة حلفاء الولايات المتحدة بتحمُّل قدر أكبر من الأعباء في القضايا ذات المصالح المشتركة، ودفع فاتورة ما تقوم به الولايات المتحدة ويصب في مصالحهم.
كما تضمنت «الترامبية» أيضًا التركيز على التصرفات الفردية النابعة من المصلحة الأمريكية، وازدراء دور المؤسسات والمنظمات الدولية متعددة الأطراف والانسحاب من بعضها مثل منظمة الصحة العالمية، والتهديد بالانسحاب من الآخر مثل منظمة التجارة العالمية.
كما استطاع ترامب بلورة أفكاره وتعبئة تيار سياسي معادٍ لفكرة العولمة، حيث أكد الخصوصية الثقافية الأمريكية من ناحية، ومن ناحية أخرى تبنَّى سياسات معادية لحركة البشر والسلع (وهى من أسس العولمة)، وقد انعكس ذلك في القيود التي فرضها على الهجرة، وحظر دخول مواطني بعض الدول إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى السياسات المتعلقة بالحمائية التجارية، وفرض رسوم وتعريفات جمركية على السلع القادمة إلى الأسواق الأمريكية، أو ما يعرف بالحروب التجارية، ولم تقتصر هذه الحروب التجارية الأمريكية على الصين، بل امتدت إلى حلفاء أوروبا وآسيا مثل الاتحاد الأوروبى واليابان.
يضاف إلى ذلك قيام ترامب بتجاهل منظمة التجارة العالمية كآلية لفض المنازعات بين الدول، وتفضيله التفاوض المباشر للحصول على تنازلات تجارية من الدول المختلفة بعيدا عن آليات منظمة التجار العالمية، كما أبدى ترامب ترحيبًا بالاتفاقيات التجارية الثنائية، ولكنه أخذ موقفًا عدائيًّا من الاتفاقيات التجارية الجماعية أو متعددة الأطراف، والتي تضم أكثر من دولة، وفى هذا الإطار، قام بالانسحاب من اتفاق التجارة الحرة مع دول المحيط الهادئ، والذى وقعه سلفه باراك أوباما، وهذا الموقف المعادي للاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف امتد إلى اتفاقية المناخ الدولية أو ما يعرف ببروتوكول باريس، والذى انسحب منه أيضًا.
وفى مجال السياسة الداخلية، فقد ركزت «الترامبية» على تخفيض الضرائب، وتشجيع دور القطاع الخاص من خلال إزالة أي عوائق إدارية تحد من انطلاقه، بالإضافة إلى ضخ أموال ضخمة من ميزانية الدول في مشروعات البنية التحتية لتحفيز النمو الاقتصادى ورفع معدلات التشغيل.
وفى الإطار السياسي، تبنَّى ترامب موقفًا معاديًا للمؤسسات، ورسم لنفسه صورة ذهنية بأنه قادم من خارجها لإصلاحها والقضاء على الفساد فيها أو ما أسماه «تجفيف مستنقع واشنطن»، كما انتهج أسلوبًا غير تقليدي في الحكم تم فيه تهميش المؤسسات التقليدية في عملية صنع القرار.
ويذكر أن العديد من المؤشرات الأخرى تدل على أن «الترامبية» سوف تستمر بعد خروج ترامب من البيت الأبيض، وأن الحزب الجمهوري مر بتحول عميق أثناء فترة رئاسة ترامب، وأصبحت أفكار ترامب هي أفكار الحزب؛ مما يعطى لها طابع الديمومة والاستمرارية، والدليل على ذلك أن الحزب وللمرة الأولى في تاريخه الحديث لم يعلن برنامجا انتخابيا لانتخابات 2020، سواء انتخابات الرئاسة أو الكونجرس، وهو تقليد راسخ يتم كل أربع سنوات، عوضًا عن ذلك تم تبنَّى برنامج عام 2016 نفسه، واعتبر الكثيرون ذلك دلالة على أن أفكار ترامب الآن هي أفكار الحزب، وهو المعبر عنها، وبالتالي لا داعي لبرنامج جديد، كما يضاف لذلك أن الكثير من مرشحي الحزب الجمهوري على مقاعد مجلس النواب والشيوخ، قد اعتمدوا على شعبية ترامب في دوائرهم للفوز في الانتخابات، وبالتالي يشعرون بأنهم مدينون لترامب بأي فوز في هذه الانتخابات، وسيستمرون في تبنِّي «الترامبية» وفاءً له.
والخلاصة أننا أمام شخصية وظاهرة سياسية، سوف تستمر في المشهد السياسي الأمريكي لسنوات قادمة، مهما كانت النتيجة الرسمية.