أ/ جهاد عمر الخطيب

الصين في عالم “ما بعد كورونا”: انطلاقة للأمام

 الأحد, 22 نوفمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

الصين في عالم “ما بعد كورونا”: انطلاقة للأمام

مثَّلت جائحة كورونا صدمةً أفقدت العالم توازنه وأربكت الكثير من حساباته؛ إذ تسبَّبت في إصابة قرابة 46 مليون شخص، وأسفرت عن أكثر من مليون حالة وفاة حول العالم حسبما أشارت أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية. وامتدت تداعيات الأزمة لتنال من الاقتصاد العالمي، الذي اعتراه الشلل خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت الإعلان عن كورونا جائحةً عالمية، وتطبيق الدول لإجراءات الإغلاق الجزئي والكامل وإغلاق الحدود.  
 
وثَمَّة توقعات بأنْ تُحْدِث جائحة كورونا تغييراتٍ جذرية في بنية النظام الدولي مثلما فعلت الحرب العالمية الثانية، التي مهَّدت لحرب باردة بين القوتيْن العظمييْن آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وانتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي وتشكيل نظام دولي أحادي القطبية تتزعمه الولايات المتحدة، وتهيمن على مجريات تفاعلاته في ظل تراجُع أدوار القوى الأوروبية التقليدية، على رأسها بريطانيا وفرنسا. 
وفي الوقت الرهان، يبدو العالم مشدوهًا بعمق التأثيرات، التي خلَّفتها جائحة كورونا مما دفع بعض المحللين إلى القول بأن الكارثة الصحية التي أربكت توازن العالم أفضت إلى أفول أسطورة الغرب المتقدم، ودفعت بالاتجاه نحو مراجعة فكرية لكثير من الأفكار الليبرالية ومبادئ الاقتصاد الحر، ودور الدولة وعلاقتها بالمجتمع.
وانطلق المحللون يرسمون ملامح عالم «ما بعد كورونا»، وطُرِحت في هذا الصدد تساؤلات متعددة بخصوص أدوار القوى الدولية، في مقدمتها الصين، في هذا العالم الجديد، خصوصًا في ظل انكفاء الولايات المتحدة على إشكاليات الداخل الصحية والاجتماعية والاقتصادية، ونجاح بكين في ملء الفراغ، الذي خلَّفه فك الارتباط الأمريكي بالكثير من القضايا الدولية. 
وفي هذا المقال، تسليطٌ للضوء على أبرز ملامح عالم «ما بعد كورونا»، فضلًا عن تبيان تحركات الصين التي دفعت بتحويل الأزمة إلى فرصة لتوطئة نفوذها على الساحة الدولية. وقد انتهى المقال بإيضاح جملة من التحديات، التي قد تعرقل مسيرة الصين كفاعل دولي رئيس بالعالم الجديد.
جائحة كورونا وإعادة تشكيل النظام العالمي
دفعت التداعيات الكارثية التي رافقت الانتشار السريع وواسع النطاق لجائحة كورونا إلى اعتبارها أكبر تهديد للنظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وانطلق المحللون السياسيون ومراقبو التطورات التي أربكت دول العالم جميعها، تتساوى في ذلك الدول المتقدمة والدول النامية، لمحاولة بلورة ملامح النظام الدولي الجديد في مرحلة «ما بعد كورونا»، وبصرف النظر عن الدقة التي صيغت من خلالها تلك الملامح ومدى صدق التنبؤات من عدمه، تبقى إعادة تشكيل خارطة العالم هي عين الحقيقة، وقد تفتَّقت مجهودات العصف الذهني على مستوى العالم عن ملامح النظام العالمي الجديد في مرحلة «ما بعد كورونا»، والتي نذكر منها ثلاثة معالم رئيسة على النحو التالي: 
أولًا: عالم متعدد الأقطاب
ألقت جائحة فيروس كورونا بظلالها على الهيمنة الأمريكية على العالم منذ عقود طويلة، وتحديدًا منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات من القرن الماضي، ولم يتوقف الأمر عند تهديد الهيمنة الأمريكية العالمية بل تجاوزه إلى إثبات هشاشة الدول الغربية وانهيار أسطورة العالم الغربي؛ فالولايات المتحدة والدول الأوروبية لم تكن أفضل حالًا من الدول الأخرى التي تصنَّف بالعالم النامي أو دول العالم الثالث، بل على العكس من ذلك، شهدت تفاقمًا لمعدلات الإصابات والوفيات. 
وبالنظر إلى التجربة الأمريكية على وجه الخصوص نجد أن الجائحة قد أظهرت هشاشة النظام الصحي ونقص موارده، وغياب التنسيق بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات في إدارة الأزمة، فضلًا عن ذلك، ظهرت آراء تطالب بمراجعة الوجود العسكري الأمريكي على الساحة الدولية؛ فالحاجة الآن تقتضي تقليص الميزانية الضخمة للبنتاجون وإعادة هيكلة دور الدولة؛ إذ ظهرت مطالبات بضرورة توفير مظلة لحماية اجتماعية واقتصادية لفئات المجتمع الأمريكي الأكثر تضررًا من الجائحة. 
كما دفعت الأزمة الصحية التي واجهت الولايات المتحدة على مدار الأشهر الماضية إلى الانكفاء على الذات في محاولة لاحتواء الجائحة، ومن ثم، لم تستطع الولايات المتحدة أن تقدِّم الكثير من أجل دول العالم الأكثر تأثرًا بالجائحة، وباتت الدول على قناعة بأنه لا يمكن لدولة أنْ تتصرف بمفردها في مواجهة الفيروس. 
وفي المقابل، صعد نجم الصين على الساحة الدولية، واستطاعت أن تملأ الفراغ الذي خلَّفه الانكفاء الأمريكي على إدارة الأزمة الصحية داخليا، ونشطت بكين في مجال المساعدات الدولية وقدَّمت مساعدات طبية وأرسلت فرقًا صحية إلى كثير من دول العالم، واستثمرت الأزمة لصالحها في تثبيت مكانتها كفاعل دولي رئيس في «عالم ما بعد كورونا»، مما يعني تحول النظام الدولي من الأحادية القطبية (Unipolar system) إلى التعددية القطبية (Multipolar system)
كما أسفرت أزمة كورونا عن احتدام المنافسة الاقتصادية والعسكرية بين الولايات المتحدة، والصين وروسيا، وأدركت قوى أخرى مثل فرنسا، وألمانيا، واليابان، والهند ضرورة توسيع دائرة حلفائها الدوليين، وتدفع هذه المدركات للمُضي قدمًا نحو نظام دولي تحكمه التحالفات والشراكات الاقتصادية، ورأى كثير من المحللين أن أزمة كورونا تفسح المجال أمام عالم متعدد الأقطاب بحلول عام 2025 تقوده كلٌ من الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، وروسيا.
ثانيًا: الحد من التسلح بين القوى الكبرى
رغم احتدام المنافسة بين القوى الدولية (الولايات المتحدة، والصين، وروسيا)، وهو ما يقترن، منطقيا، بتصاعُد سباق التسلح في عالم «ما بعد كورونا» لكن هناك اتجاهات تحليلية ذهبت لتأكيد أن احتدام المنافسة بين القوى الكبرى سَيدفع هذه الدول إلى وضع حدود للتسلح لضبط المنافسة، ووضع حدود للتصعيد بما يدرأ المواجهات العسكرية المباشرة فضلًا عن إدراك القوى الكبرى لحجم الضغوطات الداخلية، على المستوييْن الاقتصادي والاجتماعي، التي ولَّدتها أزمة كورونا.  
وفي المقابل، هناك توقعات بأنْ تؤدي كورونا إلى تعقُّد واستطالة الصراعات الداخلية داخل الدولة؛ وذلك كنتيجة للتداعيات الاقتصادية الناجمة عن الجائحة، والتي أدت إلى تضرر قطاعات واسعة من السكان مع صعوبة تعويض أولئك المتضررين. 
ورغم سيطرة النزعة التفاؤلية على توقعات المحللين، في مطلع العام الجاري، والتي رجَّحت اتجاه العالم نحو خفض التصعيد خلال هذا العام، لكن ما لبث أن تغيَّر المشهد جذريا بعد استشراء جائحة كورونا، وذهبت التوقعَّات للقول بأنه قد تشهد 35 دولة حالة من عدم الاستقرار خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2022 بشكل لم يسبق له مثيل منذ ثلاثين عامًا، فضلًا عن تعقُّد أبعاد الصراع في الدول التي تشهد صراعات قبل كورونا، أبرزها: سوريا، واليمن، وليبيا، وأفغانستان، ومالي. 
ثالثًا: تعميق الهوة بين الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين
أظهرت أزمة كورونا التباين بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين للحد الذي دفع البعض لترجمة التوترات بين الجانبيْن باعتبارها نتاج الرغبة الأوروبية في تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، خصوصًا من الناحية العسكرية والأمنية، وقد بدأ هذا التوجُّه بالتزامن مع تصريحات «ترامب»، خلال السنوات الماضية، بشأن تحمُّل الدول الأوروبية، الشركاء بالناتو، لمسؤولية تأمين حدودها طالما أنها لا تلتزم بالميزانيات المخصصة للدفاع، واعتبر أن الدول الأوروبية يجب أنْ تدفع لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي بها. 
تجلَّت التوترات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية خلال أزمة كورونا في مواقف متعددة، أبرزها إعلان الإدارة الأمريكية، منتصف مارس 2020، وضع قيود على سفر الأوروبيين للولايات المتحدة على اعتبار أن الدول الأوروبية لم تتخذ الإجراءات الأمريكية نفسها في مكافحة فيروس كورونا، فضلًا عن ذلك، قيام الولايات المتحدة بالمزايدة على الأسعار التي وافق عليها المشترون الأصليون فيما يتعلق بشحنات معدات طبية كانت في طريقها لألمانيا وفرنسا، وتحويل وجهة الشحنات للولايات المتحدة.
وقد كان الموقف الأبرز الذي أظهر الشقاق بين الطرفيْن هو عدم حصول الإدارة الأمريكية على دعم وتأييد الحلفاء الأوروبيين بمجلس الأمن الدولي (ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا) لمطالبتها بتطبيق آلية «سناباك» الواردة بالاتفاق النووي الإيراني، وتعني إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران حال عدم وفائها بتعهداتها فيما يخص تقليص نشاطها النووي، بالإضافة لذلك، لم تتمكَّن الولايات المتحدة من الحصول على الدعم من قِبل الحلفاء الأوروبيين لمشروع قرارها بمد حظر الأسلحة المفروض على إيران.  
وجدير بالإشارة في هذا السياق إعلان وزير الدفاع الأمريكي «مايك إسبر»، في أواخر يوليو 2020، سحب حوالي 12 ألفًا من الجنود الأمريكيين من ألمانيا، لإعادة نشر 5400 جندي أمريكي في دول أوروبية أخرى مثل بلجيكا وإيطاليا، وإعادة حوالي 6400 جندي إلى الولايات المتحدة، وقد مثَّل القرار أولى الخطوات الرامية لتقليص الالتزامات الأمريكية تجاه الأمن الإقليمي الأوروبي.
ترسيخ المكانة الدولية للصين في عالم «ما بعد كورونا»
خلال الأشهر الأولى التي أعقبت إعلان فيروس كورونا جائحةً عالمية، نُشِرت العديد من التقارير التي سلَّطت الضوء على التداعيات الوخيمة للجائحة على الاقتصاد الصيني معتبرةً إياها بمثابة أكبر التهديدات التي تواجه الاقتصاد الصيني، والذي حافظ على مسيرة نموه قرابة أربعة عقود، واستطاع أن ينجو من العديد من الأزمات، أبرزها الأزمة المالية العالمية في عام 2008، فضلًا عن الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.  
واعتبرت تلك التقارير جائحة كورونا بمثابة الصخرة التي ستتحطم عندها طموحات الصعود الصيني في نظام دولي متعدد الأقطاب، مشيرةً إلى أن حالة الإغلاق الكامل للحدود الدولية ستؤدي إلى شلل يعتري قطاعات الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على واردات النفط والحديد بصورة أساسية، فضلًا عن انخفاض الطاقة الإنتاجية للمصانع الصينية التي عادت للعمل مجددًا بثُلث طاقتها فقط.
بيْد أن الصين كان لديها قول آخر؛ إذ إن ما حدث فعليا كان مغايرًا تمامًا للتوقعات سالفة الذكر، وانطلقت بكين ترسِّخ دورها في عالم «ما بعد كورونا» وفقًا لعدة مسارات تحركت خلالها على النحو التالي:
حملـــة إعلاميـــة دوليـــة للـــــرد على الاتهامات: 
شنَّ السفراء والدبلوماسيون الصينيون حملة إعلامية واسعة النطاق للدفاع عن دولتهم إزاء الاتهامات الموجَّهة لها بمسؤوليتها عن تفشي الجائحة، والافتقاد للشفافية بالتستُّر على معلومات حول انتشار الفيروس في أيامه الأولى. 
لجأ السفراء الصينيون لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، في مقدمتها تويتر ، للرد على الاتهامات، كالسفير الصيني في فرنسا على سبيل المثال، والذي انتقد وسائل الإعلام الفرنسية متهمًا إياها بعدم الاستقلالية والانسياق وراء الإعلام الأمريكي انسياقا أعمى،  واعتبر البعض أن الحملة الدولية التي شنَّها الدبلوماسيون الصينيون بمثابة حرب معلوماتية سعوا خلالها، وبشراسة، لدحض الاتهامات التي أضرَّت بالصورة الدولية للصين.
دبلوماسية الأقنعة:
عقب نجاح الصين في احتواء جائحة كورونا داخليا في منتصف مارس 2020، انطلقت تمد يد العون والمساعدة لدول العالم منتهجةً «دبلوماسية الأقنعة» (mask diplomacy) أو «دبلوماسية كورونا» (coronavirus diplomacy) فأخذت ترسل ملايين الأقنعة وأدوات الفحص والفرق الطبية لـ 82 دولة، على الأقل،  فضلًا عن تقديمها قروضًا بملايين الدولارات للمساعدة الدول على احتواء الفيروس؛ إذ قدَّمت قرضًا بقيمة 500 مليون دولار لدعم سيرلانكا، واستطاعت الصين من خلال هذه المساعدات الطبية كسب العقول والقلوب، وتوطيد دعائم مكانتها الدولية في عالم «ما بعد كورونا».
طريق الحرير الصحي والرقمي:
مثَّلت جائحة كورونا فرصة سانحة لتنفيذ العديد من المبادرات الدولية الصينية التي ترتبط بشكل وثيق بمبادرة الحزام والطريق؛ فانتشار الجائحة وإغلاق الحدود قادا إلى تعليق العمل بمشروعات البنية التحتية ضمن المبادرة الصينية، وإدخال تغييرات جوهرية على المبادرة؛ فالوقت الآن لا يسمح لإعطاء أولوية لقطاعي الطاقة والبنية التحتية على حساب القطاع الصحي الذي أثبتت الجائحة هشاشته في جُلّ دول العالم. 
 ولذا أدخلت بكين العديد من المبادرات حيز التنفيذ أبرزها مبادرة «طريق الحرير الصحي» (Health Silk Road) التي أُطلقت في عام 2017 وترتكز على تعزيز الاستثمارات الصينية في تطوير البنية الأساسية لقطاع الصحة في دول مبادرة «الحزام والطريق» بما يمكِّنها من مواجهة جائحة كورونا وأية أزمات صحية أخرى مستقبلًا، و «طريق الحرير الرقمي» (Digital Silk Road) الذي يستهدف تدفق الاستثمارات الصينية لدعم البنية الرقمية وقطاع الاتصالات في دول المبادرة، والتي تتسق مع تحولات الاقتصاد العالمي، عقب كورونا، نحو الاقتصاد الرقمي وتطبيق نظرية التباعد الاجتماعي الذي يجعل من تطوير قطاع الاتصالات أمرًا بالغ الأهمية لإدارة الأعمال.  
تحديات على الطريق 
رغم مساعي بكين الحثيثة لتحسين صورتها الدولية عقب وقوعها في مرمى الاتهامات بمسؤوليتها عن انتشار جائحة كورونا، وتحركاتها الدولية بغية توطيد نفوذها، واعتبارها واحدةً من الدول التي تمكَّنت من الخروج منتصرةً من المحنة التي ألمَّت بها، لكن تظل هناك عدة تحديات تواجه الدور الصيني المتزايد في عالم «ما بعد كورونا»، لعل أبرزها: أن كورونا لا تزال تلقي بتبعاتها على الاقتصاد الصيني؛ مما قد يعوق انخراطها المتزايد في الشؤون الدولية، وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى انكماش الاقتصاد الصيني بمعدل 6.8 % خلال الربع الأول لعام 2020 فضلًا عن إغلاق 460 ألف شركة صينية، لكن وجهة النظر المتفائلة في هذا الشأن ترى أنه رغم الانكماش الكبير في الاقتصاد الصيني خلال الربع الأول، والتقارير التي تشير إلى تحقيقه أدنى معدلات النمو منذ عام 1990، لكن الاقتصاد تمكَّن من التعافي خلال الربع الثاني، حيث بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 2.5 %، وهناك توقعات باستمرار التعافي خلال الربع الثالث من عام 2020 ليصل معدل نمو الناتج المحلي إلى 5.2 %.
أما التحدي الثاني، فينصرف إلى توجُّهات السياسة الخارجية الأمريكية والتحرر من مبدأ «أمريكا أولًا» للانخراط مجددًا في الشؤون الدولية والتقارب مع الحلفاء الدوليين مرةً أخرى؛ فبعض المحللين قد جادلوا حول فكرة مفادها أن تزايد الدور الصيني في عالم «ما بعد كورونا» إنما يرتبط أساسًا بالإحلال محل النفوذ الأمريكي، لكن لو عاودت الولايات المتحدة انخراطها على الساحة الدولية، فسيشكِّل ذلك حجر عثرة أمام النفوذ الصيني المتزايد على الساحة الدولية.
ويتمثَّل التحدي الثالث في علاقاتها العدائية والتوترات المتزايدة مع دول الجوار، أبرزها: الهند، والفلبين، وفيتنام، وكوريا الجنوبية، واليابان، فضلًا عن حصول الصين على 80 % من حاجاتها من المصادر الطبيعية عن طريق المحيط الهندي، والذي يشهد حضورًا عسكريًا أمريكيًا قويًا، وهذا قد يسهم ربما في تطويق الصعود الصيني.
فضلًا عن ذلك، لا تزال الكثير من دول العالم النامي، الدول الإفريقية بصفة خاصة، تساورها المخاوف والشكوك بشأن شراكاتها مع بكين، خصوصًا أن الديون الصينية قد أثقلت كاهل هذه الدول، بالإضافة إلى أن البعض يعتبر أن الصين أمامها وقت طويل لمحاولة تبييض صورتها أمام المجتمع الدولي بعد اتهامها بمسؤوليتها عن نشر فيروس كورونا، وهذه الاتهامات لم تصدر عن الولايات المتحدة فحسب، بل صدرت عن فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وأستراليا، والسويد. 
وأخيرًا، فإن قدرة الصين على توطيد دعائم نفوذها في عالم «ما بعد كورونا» تقترن بشكل أساسي بقدرتها على بلورة استراتيجيات، وإيجاد بدائل للتعاطي بشكل فعَّال مع تلك التحديات، ولعل انتهاجها لـ «دبلوماسية كورونا» هو خطوة أولى على الطريق.