د. إســـراء أحمـد إسـماعيل

العلاقات المدنية العسكرية والتحول الديمقراطي في السودان

 الأحد, 22 نوفمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

العلاقات المدنية العسكرية والتحول الديمقراطي في السودان

في الثالث من أكتوبر 2020، وقَّع السودان اتفاق سلام مع عدة جماعات سودانية متمردة؛ بهدف إنهاء سنوات من الصراع المسلح في إقليم دارفور، وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، وتم توقيع الاتفاق بشكل نهائي، وذلك عقب اتفاق مبدئي تم التوصل إليه في أغسطس 2020، بعد محادثات بين ممثلي الحكومة الانتقالية في الخرطوم والجبهة الثورية التي تضم مجموعة من الفصائل المسلحة في إقليم دارفور، ورغم تأخُّر الاتفاق الذي كان من المقرَّر التوصُّل إليه بعد 6 أشهر من تشكيل الحكومة السودانية في أغسطس 2019، فإنه يُسهم في نجاح المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وجدير بالذكر أنه في أغسطس 2019، تم توقيع الوثيقة الدستورية للمرحلة الانتقالية بين ممثلي قوى إعلان الحرية والتغيير، ومـمـثـلـي الـمـجـلـس الـعـسـكـري الانتقالي، والتي كانت بمثابة اتفاقية لتقاسُم السلطة بين المدنيين والعسكريين، والتي مثَّلت إشكالية تاريخية لدى السودان الذي شهد عددًا كبيرًا من الانقلابات والمحاولات الانقلابية على الحكم منذ الاستقلال.
العلاقات المدنية العسكرية من منظور حداثي
إن واقع ما يعيشه الوطن العربي من تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية، إنما يعكس تطلُّعات الشعوب تجاه نظم حكم ديمقراطية، تقوم على احترام القانون، ومبادئ المواطنة، وحقوق الإنسان وكرامته، وفي ظل محاولة تحقيق هذه الأهداف، تنامى الاهتمام بقضية دور المؤسسة العسكرية في النظم السياسية الديمقراطية المأمولة، خصوصًا مع وجود اختلافات حول حدود هذا الدور، ما بين المطالبة باستمراره أو مراجعته، وفي هذا الصدد يوجد اتجاهان رئيسان يتواصل الشد والجذب بينهما، الاتجاه الأول: تقليدي ساد العلوم السياسية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ آمن بمبدأ حياد المؤسسة العسكرية في المجال السياسي، والتزام وظيفتها بالدفاع عن الوطن؛ أي الفصل بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، وبذلك تصبح المؤسسة العسكرية إحدى أدوات الدولة التي يتعيَّن عليها الالتزام بتنفيذ أوامر السلطة المدنية، وقاد هذا الاتجاه «صامويل هانتجتون».
تبعه اتجاه حديث انتقد الاتجاه التقليدي وقام بمراجعته مؤكدًا أهمية دور المؤسسة العسكرية، خصوصًا في ظل أوقات الحروب والصراعات، معترفًا بصعوبة الالتزام بالسيادة المدنية، ومن أنصار هذا الاتجاه الحداثي «جوتريدج»، و «جانويتز»، و «براون» ، فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تم وضع حد للدور التقليدي للمؤسسة العسكرية كأداة للدفاع أو للتوسع الإقليمي للدولة، وتعزَّز دورها الداخلي، وأصبح يُنظر إليها بوصفها جماعة الضغط الأكثر فعالية وقدرة على لعب دور إيجابي في سبيل إحراز التقدُّم الاجتماعي والسياسي والحفاظ على النظام والاستقرار السياسي، وأكد «جانويتز» Morris Janowitz أن مبدأ الفصل بين المجالين العسكري والمدني يحتاج إلى المراجعة، وأن نظرية التوافق أو الاتفاق الديمقراطي تقتضي ضم العسكريين ، كذلك أوضح أنه في ظل تطور مفهوم الاحتراف العسكري حدث نوع من الاندماج بين العسكريين والخبراء المدنيين؛ مما ولَّد نوعًا جديدًا من الاحتراف العسكري «New-Professionalism»، ووسَّع من نطاق الدور التقليدي للعسكريين. 
كما ظهرت نظرية «التوافق» Concordance، لـ «ربيكا شيف» Rebecca Schiff، واتفق معها «موريس جانويتز» Morris Janowitz، والتي ترى وجود نوع من التكامل بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأخرى في المجتمع، ووفقًا لها فإنه ليس الفصل التام بين المؤسسات العسكرية والمدنية هو العامل الرئيس الذي يقلل من احتمالات تدخل العسكريين في شؤون الحكم، وإنما قدرة المواطنين والنخبة السياسية المدنية والعسكرية على التوافق بشأن عملية صنع القرار السياسي ، تلا ذلك ظهور نظرية مُكمِّلة لنظرية التوافق، حاولت تحديد العلاقات المدنية العسكرية بشكل أكثر تنظيمًا، وهي نظرية «تقاسم المسؤوليات» Sharing Responsibilities  لـ «دوجلاس بلاند» Douglace Bland الذي تناول العلاقات المدنية العسكرية على أساس المسؤولية المشتركة؛ بحيث تكون السلطة المدنية مسؤولة عن بعض جوانب سياسة الدفاع الوطني ومسيطرة على القوات المسلحة، في حين يتولَّى القادة العسكريون مسؤوليات أخرى، ويتم ذلك عبر تقاسم المسؤوليات، والتوافُق في آراء السلطة المدنية والعسكرية داخل نظام يتمتع بالمرونة والديناميكية، بما يحقق مبادئ الديمقراطية. 
التحول الديمقراطي في السودان
سعت الدول العربية إلى اللحاق بموجات التحول الديمقراطي الثلاث التي شهدها العالم، ولم تبدأ موجة التغيير فيها إلا بعد الثورات التي شهدتها دول المنطقة منذ ديسمبر 2010، والتي تسببت في تغيير عدد من الأنظمة السياسية الحاكمة؛ ولذلك أُطلق على هذه السلسلة من التغييرات «الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي». ولم يكن السودان بمنأى عن هذه المحاولات؛ حيث شهد منذ استقلاله حالة من عدم الاستقرار السياسي، ومرَّ بعددٍ من الانقلابات، حيث وقع الانقلاب الأول عام 1958 بقيادة «إبراهيم عبود»، ضد حكومة ائتلاف ديمقراطية، مكوَّنَة من حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، واستمر حكمه لمدة 6 سنوات، تخلَّلتها محاولتان فاشلتان للانقلاب، وفي مايو عام 1969 وقع انقلاب عسكري بقيادة العميد «جعفر محمد نميري»، الذي استمر حكمه لمدة 16 عامًا.
وقد تخلَّل هذه الفترة محاولات انقلابية عديدة، باءت كلها بالفشل، إلى أن شهد السودان عام 1985 انتفاضة أبريل التي أطاحت بنظام «نميري»، ولم تتمكَّن القوى السياسية المدنية من التوحُّد والاتفاق، وشهدت الأحزاب السودانية انقسامات واختلافات؛ مما تسبب في عدم الاستقرار وانتشار الفساد، ومهَّد إلى وقوع انقلاب عام 1989، بقيادة «عمر البشير»، وبدعم من الجبهة الإسلامية بزعامة «حسن الترابي»، وقد شهد حكم «البشير» أيضًا محاولات انقلابية عديدة لم تنجح في الاستيلاء على السلطة، حتى اندلعت احتجاجات ديسمبر 2018، والتي بدأت بتظاهرات محدودة تطالب بتوفير الخبز، ثم امتدَّت لتشمل جميع أنحاء البلاد، مطالبة برحيل النظام، وفي 11 أبريل عام 2019 تم اعتقال الرئيس «البشير»، وبدء الفترة الانتقالية، ليطوي السودان بذلك صفحة حكمه التي استمرت قرابة ثلاثين عامًا. 
إن الطرح التقليدي لأسباب الانقلابات ودوافعها عادة ما يُرجعها إلى طبيعة المؤسسة العسكرية، ورغبتها في حماية مصالحها وأوضاعها؛ إلا أن هذا السبب لا يتوافق مع التجربة السودانية؛ حيث مثَّل تدخل المؤسسة العسكرية في المجال السياسي امتدادًا للعملية السياسية، من خلال الاشتراك بين المدنيين والعسكريين، أو عبر دعوة من السياسيين المدنيين، ويعكس تكرار الانقلابات في ظل مرور السودان بثلاث تجارب للحكم الديمقراطي، وثـلاثٍ أخـرى للحكم العسكري - ظاهرةَ «الباب الدوار»، والتي تعني توالي الحكم الديمقراطي والعسكري تباعًا؛ حيث شهد السودان حكمًا ديمقراطيًّا في الفترة من 1956 - 1958، ومن 1965 - 1969، ومن 1985 - 1989، أعقب كل فترة منها حكمٌ عسكريٌّ في الفترة من 1958 - 1964، ومن 1969 - 1985، ومن 1989 - 2019، مع ملاحظة أن فترات الحكم الديمقراطي كانت أقصر في المدة مقارنة بالحكم العسكري.   
العلاقات المدنية العسكرية في الوثيقة الدستورية السودانية
بعد إسقاط نظام «البشير» بدأ المجلس العسكري الانتقالي في التفاوض مع ممثلي قوى الحرية والتغيير؛ من أجل الاتفاق على خطوات وإجراءات تسليم السلطة، وذلك في ظل التبايُن في وجهات النظر بين الجانبين، حتى توصَّل الطرفان إلى الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، وباستعراض مواد الوثيقة، يُمكن ملاحظة نمط العلاقات المدنية العسكرية التي حاولت رسم ملامحه، والتي سعت من خلاله إلى تحقيق التوافق والتوازن بين الجانب المدني والعسكري في مكونات السلطة بأضلاعها الثلاثة الرئاسية والتنفيذية والتشريعية.
فبالنسبة للسلطة الرئاسية، أوضحت الوثيقة في الفصل الثالث الخاص بأجهزة الحكم الانتقالي، في المادة العاشرة، أن أجهزة الحكم تتألَّف من مجلس السيادة الذي يمثِّل رأس الدولة، ومجلس وزراء يمثِّل السلطة التنفيذية العليا للدولة، ومجلس تشريعي يمتلك سلطة التشريع والرقابة على الجهاز التنفيذي، ويتكون مجلس السيادة من 11 عضوًا؛ وهم: خمسة مدنيّون تختارهم قوى إعلان الحرية والتغيير، وخمسة آخرون يختارهم المجلس العسكري الانتقالي، ويكون العضو الحادي عشر مدنيًّا، يتم اختياره بالتوافق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، ويرأس المجلس في الواحد والعشرين شهرًا الأولى للفترة الانتقالية من يختاره الأعضاء العسكريون، ويرأسه في الثمانية عشر المتبقية من الفترة الانتقالية عضو مدني.  
وفيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، أشار الفصل الخامس الخاص بمجلس الوزراء الانتقالي، في المادة الرابعة عشرة، إلى أنه يتكون من رئيس وعدد من الوزراء لا يتجاوز عددهم العشرين، يعينهم رئيس مجلس الوزراء من قائمة مرشحي قوى إعلان الحرية والتغيير، ويعتمدهم مجلس السيادة، عدا وزيري الدفاع والداخلية اللذين يرشحهما المكون العسكري بمجلس السيادة، وتختار قوى إعلان الحرية والتغيير رئيس مجلس الوزراء ويعينه مجلس السيادة. وبالنسبة للسلطة التشريعية، نص الفصل السابع الخاص بالمجلس التشريعي الانتقالي، في المادة الثالثة والعشرين، على أن يكون بنسبة ٦٧٪ ممن تختارهم قوى إعلان الحرية والتغيير، ونسبة ٣٣٪ للقوى الأخرى غير المُوقِّعة على إعلان الحرية والتغيير، والتي تتم تسميتها وتحديد نسب مشاركة كل منها بالتشاور بين قوى إعلان الحرية والتغيير والأعضاء العسكريين في مجلس السيادة. 
فيتضح مما سبق رغبة النخبة السودانية في ضمان المشاركة في تقاسم المسؤوليات بين المدنيين والعسكريين، وعدم انفراد أي طرف بالسلطة، ووجود إرادة حقيقية لاجتياز المرحلة الانتقالية بنجاح؛ بهدف تحقيق الصالح العام، وتجنُّب المصالح الشخصية والأطماع السلطوية للطرفين، وهو ما أكدته الوثيقة في الفصل السادس، في المادة التاسعة عشرة؛ حيث حظرت حق الترشُّح في الانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية لرئيس وأعضاء مجلسي السيادة والوزراء وولاة الولايات أو حكام الأقاليم. كذلك عكست بنود الوثيقة رغبة المؤسسة العسكرية السودانية في كسْب ثقة أعضاء قوى إعلان الحرية والتغيير، وهو ما تجلَّى في غلبة المكون المدني عدديًّا على المكون العسكري في مجلس الوزراء والمجلس التشريعي الانتقاليين، وكذلك في مجلس الأمن والدفاع، والذي يتكون من مجلس السيادة، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ووزير الداخلية، ووزير الخارجية، ووزير العدل، ووزير المالية، والقائد العام للقوات المسلحة، والنائب العام والمدير العام لجهاز المخابرات العامة. 
وتشير التجربة التاريخية للسودان إلى أن المؤسسة العسكرية لم تنل وضعًا مميَّزًا داخل الدساتير السابقة ، كما لم تشترط أن يكون وزير الدفاع من العسكريين؛ مما يتيح إمكانية تولِّي مسؤول مدني لوزارة الدفاع، كذلك جدير بالإشارة إلى مراعاة الوثيقة لفكرة الاحتراف العسكري، وهو ما ظهر من خلال التأكيد «أن تُسند مهمة أعمال إصلاح الأجهزة العسكرية للمؤسسات العسكرية»، وفقًا للفصل الثاني في المادة السابعة، كما أعطت الوثيقة سلطة تعيين وزيري الدفاع والداخلية للعسكريين في مجلس السيادة، كما ذُكر سابقًا.
محددات نجاح المرحلة الانتقالية
لقد أظهرت ثورة ديسمبر 2018 رغبة الشعب السوداني في التغيير وتطبيق مبادئ الديمقراطية؛ من قيم العدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان وإرادة الشعوب، وتتطلَّب هذه المرحلة للتحول الديمقراطي عددًا من المتطلبات أو المحددات التي تعكس بدورها التحديات التي تواجهها الحكومة الانتقالية، والتي تشمل ما يلي: 
رؤيــــــــة متـــــوازنـة للعــــــلاقة بين المـــــــــدني والعســكري: 
بما يحقق المصالح القومية ويحفظ الأمن والاستقرار ويلبي المطالب الشعبية، وهذا التوازن يتطلَّب أولًا التوافق بين مكونات الجبهة المدنية، والتعامل مع اختلافات الرؤى داخل قوى الحرية والتغيير؛ حيث تضم مجموعة متنوعة من المكونات السياسية ذات التوجهات المختلفة، تشمل: منظمات المجتمع المدني، والعديد من الأحزاب، مثل: حزب الأمة، والحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي، والحزب الناصري، إضافةً إلى تجمُّع المهنيين السودانيين، والذي أعلن انسحابه في يوليو الماضي، ويُعد انقسام أو ضعف المؤسسات المدنية والحزبيـة أحـد أهـم المشكلات التـي تؤدي إلى وجود خلل في العلاقات المدنية العسكرية؛ لأن ذلـك يؤثر علـى نوعيـة الديمقراطيـة، واحتمـال تطورهـا فـي المسـتقبل، واحتمال وقوع انقلابات أخرى. 
تطبيق مبادئ المواطنة: 
والنجاح في إدارة التنوع، التي تضمن مشاركة مختلف الجهات والإثنيات في العملية السياسية، ويرتبط ذلك بالمطلب السابق الخاص بتماسك ووحدة القوى المدنية؛ حيث إن احتواء التيارات والإثنيات كافة يُعد شرطًا رئيسًا لتحقيق التوافق السياسي ونجاح المرحلة الانتقالية، وهو ما يلفت الانتباه إلى مشكلة إقدام محتجين على غلق ميناء «بورتسودان الجنوبي»، بعد يوم من توقيع اتفاق السلام؛ احتجاجًا على مسار الشرق الذي جرى التوقيع عليه ضمن الاتفاق؛ حيث وقَّع عن مسار الشرق ممثل عن «الجبهة الشعبية المتحدة»، وآخر عن مؤتمر البجا المعارض، إلا أن بعض جماعات الشرق اعترضت بحجة أن الفصيلين المشاركين في التوقيع لا يمثلان القوى السياسية على أرض الواقع، ما يوضح أهمية شمول اتفاقيات السلام لمختلف الأطراف، وعدم إقصاء أي جهة أو قبيلة أو إثنية.
احتواء حركات التمرُّد المسلّح:  
وضمّها إلى الجيش النظامي، فعلى الرغم من توقيع اتفاق السلام بين الحكومة السودانية وعدد من الحركات المسلحة في الثالث من أكتوبر 2020، والذي تضمَّن حركة جيش تحرير السودان (جناح أركو مناوي)، وحركة العدل والمساواة، والحركة الشعبية (جناح مالك عقار)، إلى جانب فصائل أخرى، فإنه ما زال هناك عدد من الحركات المسلحة التي تخلَّفت عن المشاركة، على رأسها حركة تحرير السودان، بقيادة «عبد الواحد محمد نور» في دارفور، والحركة الشعبية شمال، بقيادة «عبد العزيز الحلو».
مواجهة فلول النظام السابق: 
من أنصار «عمر البشير» - أو ما يُطلق عليه «الدولة العميقة» - وبالتالي تواجه الثورة مشكلة دفاع النخبة المنتفعة (الإخوان المسلمين) من هذا النظام على مدار ثلاثين عامًا عن مصالحها، ومقاومتها لأي تغيير من شأنه أن ينتقص من سلطاتهـــــا، أو يعرِّضها للحساب والمساءلة، وهو ما يتم ترجمته إلى التحريض على القيام بإضرابات وأعمال تخريب، وتتجلَّى هذه العقبة خصوصًا في الأجهزة الأمنية؛ وليس أدل على ذلك من محاولة الانقلاب التي نفَّذتها عناصر من هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات السودانية، في يناير 2020، والتي اتُّهم بتنفيذها الرئيس السابق للمخابرات «صلاح قوش»، وكذلك محاولة اغتيال رئيس الوزراء «عبد الله حمدوك» في 9 مارس 2020. 
تخطِّي الأزمة الاقتصادية: 
التي تعد التحدي الأكبر الذي يواجه المرحلة الانتقالية، إذ تسببت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة  - بخلاف جائحة كورونا وتداعياتها - في اســتـمرار عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي؛ وهو ما انعكس في خروج تظاهرات متكررة تنادي بتلبية المطالب الشعبية واستكمال مسار الثورة؛ ففي فبراير الماضي خرجت تظاهرات متفرقة في السودان احتجاجًا على نقص الخبز ووقود السيارات، وفي نهاية شهر يونيو تظاهر آلاف السودانيين؛ للمطالبة بتصحيح مسار الثورة والقصاص العادل، وهو ما دفع الحكومة الانتقالية إلى القيام بتعديلات وزارية أطاحت بـ 7 وزراء من أصل 17 وزيرًا بالحكومة، تبع ذلك بدء محاكمة «البشير».
في ضوء ما سبق، يتضح أن تاريخ السودان شهد عددًا من التغييرات والانقلابات، أسفر بعضها عن تغيير الأشخاص القائمين على الحكم، وليس إحداث تغيير في النظام الهيكلي للحكم، مع الإبقاء على شكل الحكومة والنظام السياسي دون تغيير، مثل انقلاب الرئيس «عمر البشير» عام 1989، وهو ما يختلف جذريًّا عن تطلعات السودان لما بعد ثورة ديسمبر 2018، والذي لا يقتصر فقط على مجرد تغيير القادة، وإنما يمتد ليشمل تغيير النظام، وإقامة انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة، وبذلك يمكن القول بوجود مجموعة من المحددات التي تسهم في تحديد طبيعة العلاقات المدنية العسكرية في السودان، تتمثَّل في الأداء الاقتصادي للحكومة الانتقالية، ومدى استجابتها للمطالب الاجتماعية، وتمكُّن المؤسسات المدنية من تحقيق تنمية اقتصادية، وإنجازات يشعر بها المواطنون، وإلى جانب العامل الاقتصادي، يتطلَّب تحقيق التوازن بين المكون المدني والعسكري في السودان، وجود نوع من التوازن داخل إطار المؤسسات المدنية، يعتمد على مُجمل توازنات القوى بين التيارات السياسية المختلفة، بحيث تستند عملية صُنع القرارات على احترام وتطبيق الوثيقة الدستورية، والاستجابة لمتطلبات المواطنين الذين يتسمون بالتنوع، بما يضمن توحُّد المجتمع والتفافه حول رؤية موحدة وهدف محدد.