د. سمر الباجوري

كيـف يخـرج الســـــودان من المأزق الاقتصادي الراهن؟

 الأحد, 22 نوفمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

كيـف يخـرج الســـــودان من المأزق الاقتصادي الراهن؟

يواجه السودان في الآونة الأخيرة أزمة اقتصادية طاحنة، عصفت بمؤشراته الاقتصادية الكلية وجعلته في مواجهة مشكلات اقتصادية متداخلة ومتشابكة، انعكست على الأوضاع السياسية والاجتماعية في الدولة، وتحاول هذه الورقة تحديد السياسات التي يمكن من خلالها مواجهة هذه الأزمة من خلال توضيح أبعاد الأزمة الاقتصادية في السودان، وتداعياتها، وأهم سبل الخروج منها.
 
أولاً: ملامح الأزمة الاقتصادية في السودان وأبعادها
عانى الاقتصاد السوداني مؤخرا من العديد من الاختلالات الاقتصادية التي ظهرت بشكل أكثر وضوحا منذ بداية 2018 مع التراجع الكبير والحاد في قيمة الجنيه السوداني، والذي تسبب في أزمة أو عجز في توافر السلع الأساسية، وتراجع في الخدمات العامة، وانعكس بصورة كبيرة على الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، خصوصًا الأنشطة الزراعية، وبالتالي مستويات المعيشة والدخول لنسبة كبيرة من السكان، خصوصًا مع ارتفاع معدلات التضخم بصورة سريعة؛ لتتجاوز معدلات الزيادة في أسعار السلع الغذائية الرئيسة، مثل: القمح والسرجوم من 150 ٪ إلى 200 ٪ في نهاية عام 2018.
وبالنظر إلى المؤشرات الاقتصادية الكلية للاقتصاد السوداني تظهر بشكل جلي الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوداني سواء أكانت على المستوى الداخلي أم الخارجي، فقد بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسودان لعام 2019 حوالي ٪2.5- ومن المتوقع أن ينخفض هذا المعدل نتيجة للتداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد - 19 إلى - ٪8.4 مع نهاية 2020. والحقيقة أن هذا الاتجاه التنازلي لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لم يقتصر على السنوات الأخيرة، بل امتد منذ عام 2005 وازدادت حدته بعد انفصال الشمال عن الجنوب، وما ترتب عليه من تراجع حجم العائدات البترولية للدولة ثم المشكلات والاختلالات الاقتصادية المزمنة في الاقتصاد السوداني، وفشل برامج الإصلاح الاقتصادي في الأعوام الأخيرة، وذلك كما يتبين من الشكل رقم (1)، وقد شهد الاقتصاد السوداني تراجعًا متواصلًا في أداء القطاعات الاقتصادية الحقيقية والمتمثلة في الزراعة والصناعة، حيث تراجع معدل النمو السنوي الحقيقي للإنتاج الزراعي إلى أكثر من - ٢٪ ، نتيجة تدهور سياسات التمويل والتسويق الزراعي، وكذلك انخفاض إنتاجية القطاع الزراعي، وكذلك قطاع الصناعة تراجع إنتاجه وإنتاجيته؛ نتيجة تدهور الظروف الاقتصادية وظروف عدم التأكد، ومشكلات النقد الأجنبي وتوافر السلع الرأسمالية، ومشكلات التمويل، حيث انخفض إسهام القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من ٧٪ مقارنة بـ ١٣٪ قبل عشر سنوات، كما أغلق حوالي ٤٠٪ من المنشآت الصناعية في السودان في السنتين الأخيرتين.
أما معدلات التضخم فقد تسارعت بصورة كبيرة في السودان عاكسة الاختلالات الاقتصادية الداخلية في الدولة، حيث تجاوز معدل التضخم السنوي للسودان ٦٣٪ عام 2018، ومن المتوقع أن يتجاوز ١٤٠٪ عام 2020، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي؛ لتسجل واحدا من أعلى معدلات التضخم في العالم، وذلك كما يتبين من الشكل رقم (2). ويرجع الارتفاع الكبير في معدلات التضخم على هذا النحو في السودان إلى الإفراط في طباعة الجنيه السوداني  دون وجود أرصدة احتياطي نقدي لدى البنك المركزي، وذلك بهدف توفير السيولة المطلوبة للإنفاق الحكومي المتزايد، والذي يتسم بقدر كبير من عدم الكفاءة سواء أكان الإنفاق على الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة أم الاستثمارات العامة في أوجه إنفاق غير تنموية، مع انخفاض الإيرادات العامة، خصوصًا الإيرادات الضريبية مع انتشار معدلات التهرب الضريبي وزيادتها، حيث مثلت الإيرادات الضريبية عام 2019 حوالي ٦٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي ، أي بعبارة أخرى ارتفاع العجز المتزايد في الموازنة العامة، حيث بلغ العجز الحكومي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 8.5 ٪ عام 2018، بعد أن كان حوالي 3.8 ٪ عام 2015، وذلك كما يتبين من الشكل رقم (2)، وهو ما صاحبه في الوقت نفسه عدم توافر بدائل تمويل لدى الدولة سواء أكانت فيما يتعلق بالاقتراض الخارجي مع إدراج السودان في قوائم الإرهاب العالمية، وما ارتبط بذلك من تبعات اقتصادية، أم الاقتراض المحلي لتراجع كفاءة الجهاز المصرفي ومدى موثوقيته لدى المودعين وانخفاض معدلات سيولته ، حيث ارتفعت نسبة السيولة إلى إجمالي الودائع البنكية من 45 ٪ قبل 2018 إلى حوالي 79 ٪ في نوفمبر 2020 .
وبالنظر لمؤشرات الأداء  الخارجي، فقد شهد الجنيه السوداني تدهورًا كبيرًا في قيمته مقابل الدولار من 7.01 جنيهات سودانية في يناير 2018 إلى 55.311 جنيهًا سودانيًّا في سبتمبر 2020 ، وذلك كما يتبين  من الشكل رقم (3)، وفي ظل العجز في توفير النقد الأجنبي في الجهاز المصرفي السوداني والقنوات الرسمية لتبادل العملة وصل سعر صرف الجنيه السوداني في السوق الموازية (السوق السوداء) إلى حوالي 230 جنيهًا في سبتمبر 2020 مقارنة بحوالي 120 جنيهًا في الفترة نفسها عام 2019، وقد أرجع العديد من الاقتصاديين هذا الارتفاع الكبير في سعر الصرف في السوق الموازية إلى زيادة عمليات المضاربات في هذه السوق، خصوصًا من خلال شركات الاتصالات العاملة في السودان، حيث أصبحت هي أكبر مشترٍ للعملات الأجنبية في السوق الموازية.
أما فيما يتعلق بالعجز التجاري فقد تنامى العجز التجاري بصورة كبيرة في السودان خصوصًا بعد الانفصال وخسارة الصادرات البترولية، والتي لم يحل محلها صادرات السودان التقليدية، ومنها: الذهب الذي لم تتجاوز نسبة صادراته إلى الصادرات البترولية قبل الانفصال ١٨٪، وفي الوقت نفسه، فإن تراجع القطاعات الإنتاجية في الدولة خلق مزيدا من الطلب على الواردات؛ مما أدى إلى تفاقم العجز التجاري، وشكل ضغطا إضافيا على سعر صرف الجنيه السوداني وأسهم في تدهور قيمته، وقد بلغت قيمة العجز التجاري في السودان كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 10.79 ٪ عام 2018 .
وقد كانت لهذه الأزمة الاقتصادية انعكاسات كبيرة سواء أكانت اجتماعيا أم سياسيا، فقد ترتب عليها زيادة معدلات انعدام الأمن الغذائي في السودان، حيث وصل عدد الأفراد الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي في نهاية 2018 إلى حوالي 5.76 ملايين نسمة. وارتفعت نسبة السكان تحت خط الفقر إلى أكثر من 46 ٪ من سكان السودان في العام نفسه، أما على الصعيد السياسي فقد ترتب على الأزمات الاقتصادية المتلاحقة تنامي وتيرة الاحتجاجات والاضطرابات الشعبية في السودان اعتراضا على تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار في نهاية 2018، والتي انتهت في أبريل 2019 إلى إنهاء حكم البشير، والإعلان عن إقامة انتخابات، وتنظيم نقل السلطة.
ثانيًا: سبل الخروج من الأزمة
من خلال العرض السابق لملامح الاقتصاد السوداني في الآونة الأخيرة يمكن تلخيص ملامح الأزمة الاقتصادية في السودان في بعدين رئيسين؛ يتمثل البعد الأول في الاختلالات الداخلية الناجمة عن وجود فجوة بين العرض الكلي والطلب الكلي، والتي ترتب عليها ارتفاع معدلات التضخم بصورة كبيرة في الدولة، بينما يتمثل البعد الثاني في الاختلالات الخارجية المتمثلة في العجز التجاري وتشوهات سوق سعر الصرف، وبالتالي فإن رسم سيناريوهات أو خطط للخروج من هذه الأزمة الاقتصادية يعتمد على نوعين من السياسات: سياسات قصيرة ومتوسطة الأجل تهدف إلى علاج الأعراض المرتبطة بالأزمة، مثل: ارتفاع معدل التضخم أو تشوهات سعر الصرف. وسياسات طويلة الأجل تهدف إلى علاج المشكلات أو الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوداني نفسه من خلال: ضبط الإنفاق الجاري، وحل مشكلات اختناقات العرض، ودفع عجلة الإنتاج في القطاعات الاقتصادية الحقيقية.
 
أ) في الأجل القصير والمتوسط:
ترشيد الإنفاق العام وإعادة توزيع أولوياته وتوجيهه إلى الخدمات العامة الاجتماعية، مثل: التعليم والصحة.
تعزيز جهود مكافحة الفساد والحوكمة وإصلاح بيئة الاستثمار والأعمال، خصوصًا بمعرفة أن جزءًا كبيرًا من المشكلة الاقتصادية في السودان يرجع بالأساس إلى ارتفاع معدلات الفساد وضعف الأداء الحكومي وغياب الشفافية والحوكمة.
تبني سياسات تهدف إلى القضاء على سوق الصرف الموازية، ومنع إتمام المعاملات الاقتصادية العامة والخاصة وتجريمها، أو أي مدفوعات أو مخصصات بالعملات الأجنبية. 
ترشيد الإعفاءات الضريبية وتعبئة الموارد العامة من خلال إصلاح السياسات الضريبية ومواجهة مشكلة التهرب الضريبي.
إصلاح القطاع المصرفي وإعادة ثقة المودعين في كفاءة هذا القطاع بهدف تعبئة المدخرات المحلية، وتوفير التمويل اللازم للأنشطة الاقتصادية، ولعل من أهم محددات هذا الإصلاح تعزيز استقلالية البنك المركزي السوداني، والتوقف عن التوسع في طباعة النقود دون غطاء نقدي.
تنفيذ سياسات تدعم تحقيق الشمول المالي، والذي يعد متدنيًّا للغاية في السودان، فإن حوالي 15.3% فقط من سكان السودان البالغين لديهم حسابات بنكية، مما يساعد بدوره على تعزيز الرقابة على حركة النقد وتحديد أولويات الدعم والتغلب على مشكلات نقص السيولة، والتي تعد من الأسباب المحورية في ارتفاع معدلات التضخم.
إصلاح سياسات الدعم الحكومي، وتوجيه قدر أكبر من الدعم إلى دعم الإنتاج بدلًا من الاستهلاك.
ب) في الأجل المتوسط والطويل:
إصلاح هيكل الاقتصاد السوداني بشكل يهدف إلى تحديث قطاع الزراعة، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات السودانية من خلال تطوير قطاع الصناعة، وتشجيع الاستثمارات في هذا القطاع.
تنويع الهيكل الاقتصادي السوداني من خلال تبني سياسات تهدف إلى تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي في قطاع الصناعة وغيره من القطاعات الاقتصادية غير التقليدية، والتي تساعد على تحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص وظيفية أكثر.
تقليص العجز التجاري المزمن من خلال زيادة تنافسية الصادرات السودانية، وترشيد الواردات الاستهلاكية وغير الأساسية، وتقديم حوافز ضريبية وغير ضريبية إلى القطاعات الإنتاجية التي تستهدف الأسواق الخارجية.
وفي النهاية، تجدر الإشارة إلى أن نجاح أي خطط أو استراتيجيات اقتصادية يجب أن تقترن بسياسات تهدف إلى حل المشكلات الأخرى غير الاقتصادية والمتعلقة بالفساد وغياب الشفافية، وإعمال القانون والمحاسبية، وغيرها من العوامل التي تؤثر على كفاءة تنفيذ أي سياسات اقتصادية، وتعوقها عن تحقيق أهدافها.