أ/ بثينة فـــرج

العلاقـات الاقتصـادية بين مصـر والسـودان

 الأحد, 22 نوفمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

العلاقـات الاقتصـادية بين مصـر والسـودان

تتسم العلاقات بين مصر والسودان بأنها تاريخية، ويُعد السودان بوابة مصر للانطلاق إلى إفريقيا، فهو بلد المعبر سواء من البحر أو البر أو الجو، وهو ما يفرض ضرورة الاستفادة من الروابط الممتدة بين مصر والسودان؛ حيث يربط البلدين الجوار الجغرافي، واللغة المشتركة، والمعابر البرية، ودائما ما يصرح المسؤولون في الجانبين أن البلدين مكملان لبعضهما، ويشيرون باستمرار إلى قوة العلاقة بين البلدين، ومع ذلك فقد ظلت العلاقة بين البلدين تتدهور ثم تتحسن على مر التاريخ، فقد كان هناك تعاون ووفاق في بعض الأوقات، وخلاف في أوقات أخرى؛ لذلك أُطلق عليها علاقة المد والجزر.
وتتحدد العلاقة بين مصر والسودان وفقًا لبعض المحددات التي تتحكم فيها سواء أكانت داخلية أم خارجية، لذا فإن هناك روابط سياسية واقتصادية بينهما، وفيما يلي تحليل للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين المصري والسوداني:
التبـادل التجـــاري بين مصـــــر والســـودان
شهد حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان ارتفاعًا ليصل إلى 674.5 مليون دولار عام 2019 مقارنة بنحو 610.9 ملايين دولار عام 2018 بنسبة ارتفاع بلغت 10.4 ٪، الأمر الذي يمثل تطورًا إيجابيًّا وملموسًا على صعيد المبادلات التجارية بين البلدين، ورغم ذلك يُعد حجم التبادل التجاري بين البلدين منخفضًا مقارنة بعام 2017 بمقدار 113.9 مليون دولار.
وتشير الإحصاءات إلى أن الميزان التجاري بين البلدين قد حقق فائضًا لصالح مصر بلغ 260.7 مليون دولار خلال عام 2019، حيث بلغ حجم الصادرات المصرية إلى السودان نحو 467.6 مليون دولار خلال عام 2019 مقابل 206.9 ملايين دولار حجم الواردات المصرية من السودان خلال عام 2019. 
وتمثِّل الصادرات المصـــرية إلى الســــــــودان نحو ١.٥ ٪ من إجمالي الصادرات المصرية على مستوى العالم عام 2019، فيما تمثِّل الواردات المصرية من السودان نحو ٥.١ ٪ من إجمالي الصادرات السودانية على مستوى العالم.
وتُعد المنتجات البلاستيكية من أهم بنود الصادرات المصرية للسودان خلال عام 2019؛ حيث بلغت قرابة 81.4 مليون دولار، مقارنة بنحو 76.7 مليون دولار خلال عام 2018 بنسبة زيادة بلغت 6.1 ٪، وتمثل صادرات مصر إلى السودان نحو 4 ٪ من إجمالي صادرات مصر من هذا البند على مستوى العالم. 
واستحوذ الحديد والفولاذ على الترتيب الثاني في قائمة مصر والسودان بقيمة بلغت 50.8 مليون دولار خلال عام 2019، ولكنها منخفضة بنسبة 30.1 ٪ مقارنة بعام 2018، ويأتي بند الأسمدة في الترتيب الثالث ضمن أهم بنود صادرات مصر للسوق السودانية بقيمة بلغت 41.8 مليون دولار خلال عام 2019، مرتفعًا بنسبة كبيرة بلغت نحو 568.8 ٪ مقارنة بعام 2018، وجاء الزجاج والأواني الزجاجية في الترتيب الرابع في قائمة الصادرات المصرية للسودان بقيمة 29.4 مليون دولار، تليهما المنتجات الصيدلانية في الترتيب الخامس بقيمة 26.1 مليون دولار، والأصناف الأخرى من المواد النسيجية في الترتيب السادس بقيمة 24.3 مليون دولار، ثم منتجات الورق والورق المقوى بقيمة 17.2 مليون دولار في الترتيب السابع.
هذا وقد تركزت الواردات المصرية من السودان في أربع مجموعات رئيسة، هي: مجموعة البذور والفواكه الزيتية، ومجموعة الحيوانات الحية، ومجموعة القطن، ومجموعة اللحوم والأحشاء والأطراف الصالحة للأكل خلال عام 2019، والتي تشكل حوالي 97.7 ٪ من إجمالي قيمة واردات مصر من السودان من البنود كافة. 
ويأتي بند البذور والفواكه الزيتية في الترتيب الأول كأهم مجموعة سلع تستوردها مصر من السودان، وذلك بقيمة 83.9 مليون دولار عام 2019، بما يمثل 40.6 ٪ من إجمالي واردات مصر من السودان.
يليه بند الحيوانات الحية في الترتيب الثاني كأهم سلعة تستوردها مصر من السودان، وذلك بقيمة 45.9 مليون دولار خلال عام 2019، والذي يشكل نسبة 22.2 ٪ من إجمالي الواردات المصرية من السودان خلال العام نفسه.
وقد جاء القطن في الترتيب الثالث في قائمة أهم بنود الواردات المصرية من السودان بقيمة بلغت 45.5 مليون دولار خلال عام 2019، ما يمثل 22 ٪ من إجمالي الواردات المصرية من السودان، يليه بند اللحوم والأحشاء والأطراف الصالحة للأكل بقيمة 26.8 مليون دولار، أي ما يعادل 12.9 ٪ من إجمالي الواردات المصرية من السودان خلال عام 2019.
أبرز الاتفاقـــات التجاريـة بين البلدين
وتتمثل أبرز الاتفاقات التجارية بين مصر والسودان في الآتي:
اتفاقية «الكوميسا»، والتي تتم حاليًّا في إطارها المعاملات التجارية بين البلدين، فقد وقعت مصر على الانضمام إلى اتفاقية السوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقي (الكوميسا) في 29 يونيو عام 1998، وتم البَدء في تطبيق الإعفاءات الجمركية على الواردات من باقي الدول الأعضاء اعتبارًا من 17 فبراير عام 1999 على أساس مبدأ المعاملة بالمثل للسلع التي يصاحبها شهادة المنشأ معتمدة من الجهات المعنية بكل دولة، وقد وقعت 9 دول من الدول الأعضاء في «الكوميسا» بتاريخ 31 أكتوبر عام 2000 على اتفاقية إنشاء منطقة التجارة الحرة بينها، وهي: مصر، وكينيا، والسودان، وموريشيوس، وزامبيا، وزيمبابوي، وجيبوتي، وملاوي، ومدغشقر، وانضمت إليها رواندا وبوروندي فى 1 يناير عام 2004، حيث تقوم تلك الدول بمنح إعفاء تام من الرسوم الجمركية المقررة على الواردات المتبادلة بينها شريطة أن تكون تلك المنتجات مصحوبة بشهادة منشأ «الكوميسا»، وفيما يتعلق بالموقف الحالي للتخفيضات الجمركية المطبقة في «الكوميسا»، تقوم كل من: مصر، وكينيا، والسودان، وموريشيوس، وزامبيا، وزيمبابوي، وجيبوتي، وملاوي، ومدغشقر، ورواندا، وبوروندي فيما بينها، بمنح السلع والمنتجات ذات منشأ «الكوميسا» إعفاء تامًّا من الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل. 
اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى: أقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي في 19فبراير 1997 البرنامج التنفيذي وجدوله الزمني لإقامة منطقة تجارة حرة عربية وفقًا لأحكام اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية، وتتماشى هذه المنطقة مع أحكام منظمة التجارة العالمية وقواعدها العامة المنظمة للتجارة العالمية. وقد بلغ عدد الدول العربية التي انضمت إلى الاتفاقية حتى الآن 17 دولة عربية، وهي: الأردن، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وتونس، والمملكة العربية السعودية، وسوريا، والعراق، وسلطة عمان، وقطر، والكويت، ولبنان، وليبيا، ومصر، والمغرب، والسودان، وفلسطين، واليمن. 
حجم الاســـتثمارات بين مصـــر والسودان
وفقًا لإحصاءات البنك المركزي المصري، شهد حجم الاستثمارات السودانية في مصر ارتفاعًا يصل إلى 1.9 مليون دولار عام 2018/2019، مقارنة بنحو 300 ألف دولار عام 2017/2018، بنسبة ارتفاع بلغت 53.3 ٪، ولكنه شهد انخفاضًا مقارنة بالعام المالي 2014 / 2015 بنسبة 13.6 ٪. 
وخلال العام المالي 2019/2020 بلغ حجم الاستثمارات السودانية ذروته خلال الربع الثاني ليسجل نحو 9.1 ملايين دولار، إلا أنه شهد انخفاضًا كبيرًا خلال الربع الثالث ليسجل 300 ألف دولار بنسبة انخفاض بلغت 96.7 ٪ مقارنة بالربع الثاني من العام نفسه، ويمكن تفسير ذلك بتداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد، والتي أثرت سلبًا على الأداء الاقتصادي بشكل عام، وعلى إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة داخل مصر على وجه الخصوص خلال الربع الثالث من عام 2019/2020، والتي بلغت 3.6 مليارات دولار مقابل 4.9 مليارات دولار خلال الربع الثاني من العام نفسه.
وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن الاستثمارات السودانية في مصر تستحوذ على نسبة ضئيلة من إجمالي تدفقات الاستثمارات العربية داخل مصر، فقد بلغ نصيب الاستثمارات السودانية في مصر نحو 0.06 ٪ فقط من إجمالي الاستثمارات العربية المتدفقة داخل مصر خلال عام 2018/2019، مقارنة بنحو 33.9 ٪ نصيب الإمارات العربية المتحدة من إجمالي الاستثمارات العربية خلال العام نفسه، ويمكن إرجاع ضآلة حجم الاستثمارات السودانية في مصر إلى التهديدات الأمنية الحدودية، واللاجئين، وهو ما يراه الجانب السوداني عرقلة لحركة المستثمرين السودانيين، فضلًا عن صعوبة حرية التنقل والتملك.
وبالنسبة لعدد المشروعات المصرية في السودان، فقد بلغت حوالي 229 مشروعًا خلال الفترة (2000 - 2013) برأس مال بلغ حوالي 10.8 مليارات دولار، وقد تركزت في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، وقد بلغ إجمالي حجم الاستثمارات السودانية في مصر خلال الفترة نفسها نحو 97 مليون دولار أمريكي ممثلة في 315 شركة سودانية مستثمرة تتركز في القطاعات الصناعية والتمويلية والخدمية والزراعية والإنشائية والسياحة والاتصالات.
فرص التعاون الاقتصادي بين مصر والسودان
بالإشارة إلى «اتفاقية الحريات الأربع» بين البلدين التي تنص على حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك، والتي تم توقيعها عام 2004، فقد كانت هناك بالفعل تسهيلات من الجانب المصري في منح التأشيرات والإقامة، كما سهل فتح المعابر البرية زيادة عدد السودانيين المسافرين إلى مصر. إلا أن التسهيلات لم تكن على قدر التحفظات؛ نتيجة التهديدات الأمنية الحدودية، واللاجئين، وبالتالي واجهت الاتفاقية بطئًا في تنفيذها، وهو ما يراه الجانب السوداني عرقلة لحركة المستثمرين السودانيين، فضلًا عن صعوبة حرية التنقل والتملك.
والجدير بالذكر أن نتائج زيارة رئيس مجلس الوزراء المصري أسفرت عن اتفاق لوضع خطة عمل لتذليل العقبات التي تعترض انسياب الحركة التجارية لا سيما ما يتعلق بطرق النقل المؤدية للمنافذ البرية، ويُعد تفعيل هذه الاتفاقية خطوة مهمة لتحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدين. 
ويعزز من فرص التعاون أيضًا بين البلدين اتجاه مصر نحو تعزيز التعاون مع القارة الإفريقية في مجالات التعاون الاقتصادي والبنية التحتية والربط الكهربائي، بالإضافة إلى مجالات الزراعة والصناعة والري، هذا فضلًا عن أن السودان يُعد بوابة مصر الخلفية على القارة الإفريقية، وهو ما يفرض ضرورة التقارب بين الجانبين المصري والسوداني بما يعزز دورهما في المجال الأفريقي.
ورغم المزايا التي تحققها اتفاقية الحريات الأربع، فإن حرية التنقل التي تنص عليها هذه الاتفاقية، تسمح بتنقل الأفراد من الدول التي تشهد صراعات داخلية وتهديدات أمنية؛ لذا تبرز الحاجة إلى ضرورة تعزيز النظم الأمنية الإقليمية، وبناء قدرات الدول في المجال الأمني، وهو ما يستدعي ضرورة تقديم الدعم المصري للسودان على المستوى الأمني والعسكري، والمشاركة في تقديم الدعم وتبادل الخبرات الفنية، في المجالات الأمنية والعسكرية في الفترة الراهنة، بما يضمن دعم التعاون والتكامل بين البلدين. 
إن مصر والسودان يمتلكان العديد من المقومات الاقتصادية التي تسمح بتحقيق أضعاف حجم التجارة البينية لهما؛ لذا فمن الضروري العمل على تعزيز العلاقات التجارية بين الجانبين المصري والسوداني، من خلال تعظيم الاستفادة من الاتفاقات التجارية التي ينضم إليها الجانبان كاتفاقية «الكوميسا» واتفاقية «منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى».