أ/ فيـــصل عبد الله

عرض تقرير مسـتقبل التغيـر المناخـي

 الأحد, 22 نوفمبر, 2020 

الآراء الواردة تعبر عن رأى صاحبها

  • انشرها على:

عرض تقرير مسـتقبل التغيـر المناخـي

قبل تفشي جائحة فيروس كورونا عالميًّا، كان المجتمع الدولي يواجه معضلتيْن رئيستيْن، تمثَّلت الأولى في هبوط أسعار النفط، بينما تمحورت الثانية حول أزمة التغير المناخي، ورغم أن مكافحة الوباء أصبحت أولوية لدى صانعي السياسات في شتَّى دول العالم، فإنه يمكن للمجتمع الدولي تركيز اهتمامه على الأزمات العالمية الثلاث في آن واحد؛ لضمان بناء نظام عالمي خالٍ من التلوث، واتخاذ إجراءات استباقية للحيلولة دون حدوث كوارث طبيعية قد لا يتمكَّن العالم من مواجهتها، بما ينبِّئ بتأثيرات مدمرة على الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، قدَّم المؤلفان «توم ريفيت كارناك» و»كريستيانا فيجيرز» كتابًا بعنوان: «المستقبل الذي نختاره: النجاة من تغير المناخ»، طرحا خلاله سيناريوهين محتملين للبشرية في ضوء تعامل المجتمع الدولي حاليًّا مع قضية التغير المناخي، يتنبَّأ السيناريو الأول بمستقبل أكثر تفاؤلًا، وهو قدرة المجتمع الدولي على خفض انبعاثات الكربون إلى النصف خلال العقد الحالي، بينما يحذِّر السيناريو الثاني من التهديدات التي قد يواجهها كوكب الأرض في حال فشل دول العالم في إقرار السياسات اللازمة لتخفيض نسب التلوث.
عِقد الأزمات
لفت الكاتبان الانتباه إلى أن جائحة فيروس كورونا تقدم دليلًا إرشاديًّا يمكن للعالم تطبيقه لاحقًا في كيفية التعامل مع الأزمات والكوارث الكبرى التي قد تواجه المجتمع الدولي مستقبلًا، كما أن الوباء يلقي الضوء على ضرورة معالجة أزمة التغير المناخي؛ خوفًا من تفاقم الأزمات الصحية حال حدوث موجات حرارية خطيرة، أو تفشي مرض آخر في الأماكن نفسها، وفي هذا الإطار، يجادل المؤلفان بأن الأزمات الكبرى بها بعض أوجه التشابه، وبالتالي يمكن تطبيق الأفكار الواردة في الكتاب على الكوارث الأخرى التي قد تواجهها البشرية، كما أن أزمة التغير المناخي ليست بمعزل عن غيرها من الأزمات العالمية، بالإضافة إلى أن التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والازدهار الاقتصادي كلها عوامل تمثِّل حجر الزاوية في نجاح المجتمع الدولي في حل أزمة التغير المناخي.
وقد أشار الكاتبان إلى أن العقد الحالي يعد الأكثر أهمية في تاريخ البشرية؛ نظرًا لأن المجتمع الدولي يمتلك إمكانات مهولة من رأس المال والتقدم التكنولوجي والعلمي، ولذا يتعين عليه القيام بمسؤولية تقليص الانبعاثات الكربونية إلى النصف بحلول عام 2030، وفي هذا الشأن، يؤكد الكاتبان أن المجتمع الدولي يقف حاليا بمفترق الطرق لتحديد مستقبله، ففي حال استمراره في اتباع النهج نفسه الذي يسير عليه حاليا، فإنه لا محالة من تعرُّض البشرية للدمار، وفقدان التنوع البيولوجي، أما إذا اختار المجتمع الدولي مسارًا مغايرًا عبر تقليل الانبعاثات والآثار السلبية لتغير المناخ، فيمكن الوصول إلى مستويات آمنة في هذا الصدد.
عواقب التغير المناخي
يُنذر الكِتاب ببعض العواقب الوخيمة حال عدم قدرة المجتمع الدولي على خفض الانبعاثات الكربونية؛ مرجِّحًا أنه إذا فشلت دول العالم في التوافق حول سياسات محددة لتقنين الانبعاثات الكربونية، فإن أزمة الاحتباس الحراري ستتفاقم، ومن المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة بحلول عام 2050، وأن تزيد بمعدل 3 درجات مئوية في عام 2100، وفي هذا الصدد يرصد الكتاب عدة مخاطر محتملة قد تواجه البشرية حال عدم معالجة أزمة تغير المناخ، يتمثل أبرزها فيما يلي:
تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري:
انتقد المؤلفان انسحاب الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» من اتفاقية باريس للمناخ، رغم استمرار معاناة العالم من زيادة الانبعاثات الكربونية، وحرائق الغابات والعواصف التي تواجهها بعض الدول سنويًّا، فضلًا عن أزمات لاجئي المناخ، وغيرها من الكوارث الطبيعية المرتبطة بالتغيرات المناخية، مما قوَّض أي تفاؤل مستقبلي بشأن قضية التغير المناخي، وعلى هذا النحو، يتنبأ الكتاب بأن بقاء استمرار الأوضاع الحالية وعدم اتخاذ خطوات ملموسة في معالجة أزمة التغير المناخي، سيحول الكثير من مناطق العالم إلى أماكن غير صالحة للحياة الآدمية؛ بسبب التلوث الحاد للهواء، بما يُنذر بعدم قدرة الناس على الخروج للشوارع دون قناع وجه مصمَّم خصوصا لتحمُّل التلوث، والذي قد لا يتمكَّن الكثيرون من شرائه بسبب ثمنه الباهظ.
وذكر المؤلفان أن أكثر من ملياري شخص حول العالم يعيشون في مناطق تصل درجات الحرارة بها إلى 60 درجة مئوية لمدة 45 يومًا في السنة، وهي درجة لا يستطيع جسم الإنسان خلالها البقاء في الخارج لمدة تزيد على ست ساعات تقريبًا، وفي ضوء ذلك، أوضح الكاتبان أن ارتفاع نسبة الرطوبة في الهواء، وزيادة درجات حرارة سطح البحر كلاهما يسفر عن حدوث أعاصير شديدة وعواصف استوائية وفيضانات، وقد عانت بعض المدن الساحلية في بنجلاديش والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية من تدمير بنيتها التحتية بسبب الفيضانات الشديدة التي اجتاحتها؛ مما أسفر عن مقتل عدة آلاف وتشريد الملايين، ويتوقع المؤلفان أن تستمر هذه الكوارث بوتيرة متزايدة خلال الفترات القادمة.
ذوبان الجليد:
أكَّد الكاتبان أن ظاهرة الاحتباس الحراري ستؤدي إلى انصهار الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي على المدى القصير، ومن المرجَّح أن يُسفر ارتفاع منسوب المياه عن تهجير بعض السكان من المدن الساحلية إلى أراضٍ مرتفعة بمناطق أخرى من العالم بحلول عام 2050، وفي غضون فترة تتراوح من 5 إلى 10 سنوات قد تصبح مساحات شاسعة من كوكب الأرض غير صالحة للحياة الآدمية، فبحلول عام 2100 قد تصبح أستراليا وشمال إفريقيا وغرب الولايات المتحدة الأمريكية مناطق غير قابلة للعيش بها، وفي هذا الإطار، يحذر الكتاب من ظاهرة «التربة الرطبة» وما يصاحبها من عودة الميكروبات القديمة، والتي أضحى البشر لا يتعرضون لها على الإطلاق في العصر الحالي؛ مما يثير المخاوف بشأن عودة تفشي الأمراض والأوبئة التي ينشرها البعوض والجراد.
أزمة غذاء عالمية:
حذَّر الكاتبان من أزمات الغذاء العالمية التي تصاحب ظاهرة التغير المناخي، ونظرًا لأن العديد من الكوارث الطبيعية تحدث في آنٍ واحد، فإن وصول الإغاثات الإنسانية والغذائية والمياه الصالحة للشرب إلى المناطق التي تعصف بها الكوارث قد يستغرق أسابيع أو حتى أشهر؛ مما قد يُسفر في النهاية عن تفشي أمراض، مثل: الملاريا والكوليرا، والأمراض المتعلقة بالجهاز التنفسي، وسوء التغذية، ويتوقع المؤلفان أن المياه ستصبح أكثر حمضية ومضرة بالكائنات البحرية، إلى الحد الذي قد يدفع غالبية دول العالم إلى حظر صيد الأسماك حتى في المياه الدولية، وفي هذا الإطار، أكَّد الكاتبان أن إنتاج الغذاء العالمي يتأرجح بشكل كبير من شهر لآخر، ومن موسم لآخر، وبالتالي قد تنتشر المجاعات أكثر من أي وقت مضى، كما قد يؤثر الاحتباس الحراري على الزراعة، حيث ستصبح بعض المناطق صالحة للزراعة، مثل ألاسكا والقطب الشمالي، بينما قد تجف مناطق أخرى.
التصحُّر:
يرجِّح الكِتاب تعرُّض مناطق شاسعة على مستوى العالم لخطر الجفاف الشديد الذي يصاحبه التصحُّر، محذِّرًا من أن بعض المدن مثل: مراكش وفولجوجراد، على وشك أن تصبح صحراء قاحلة، مشيرًا إلى استمرار المساعي لبعض الدول في تحلية مياه البحر، كما هو الحال في هونج كونج وبرشلونة، والتي تسعى يائسة لمواكبة موجات الهجرة المستمرة من المناطق التي تعرضت للجفاف، وفي هذا السياق، أوضح الكتاب أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست بمعزل عن الصراعات حول موارد المياه؛ حيث تشهد واشنطن معارك بين الأغنياء الذين يبدون استعدادهم لدفع ثمن المياه التي يحصلون عليها، وكل المواطنين الذين يطالبون بالمساواة في الوصول إلى موارد المياه التي تضمن استمرار الحياة.
وختامًا، قدَّم الكتاب عدة توصيات لمكافحة التغير المناخي، أبرزها تقليل الاستهلاك، وضرورة توعية سكان العالم بمخاطر التغير المناخي، منتقدًا الاتجاه السلبي بشأن الاستهلاك، خصوصًا في البلدان المتقدمة، بالإضافة إلى أهمية توجيه العمل السياسي للاستثمار في الاقتصاد النظيف؛ حيث يؤكد الكتاب أن معالجة أزمة التغير المناخي تتطلَّب تعاونًا عالميًّا، عبر إقرار مجموعة من السياسات والإجراءات من قِبل الحكومات والشركات، وفي مقدمتها تقليل الانبعاثات الكربونية، من خلال الاعتماد على الطاقة المتجددة والكهرباء في الصناعات المختلفة، كما أكد الكتاب أهمية تحقيق المساواة بين الجنسين؛ حيث يرى المؤلفان أن تعليم المرأة وتمكينها في دوائر صنع القرار هو أهم ما يمكن القيام به من أجل معالجة قضية المناخ؛ بسبب ميل النساء للتفكير على المدى الطويل، وبالتالي التوصل لقرارات أكثر حكمة، كما أن تمكين المرأة يتيح استخدام 100 ٪ من الإمكانات البشرية في هذه الحالات الطارئة.