د. محمد كمال

عودة القيم

 الخميس, 17 ديسمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

عودة القيم

أحد قضايا الجدل الكبرى في العلاقات الدولية تتعلق بالأساس الذي يجب أن تقوم عليه السياسة الخارجية للدول والعلاقات بينها. فهناك أنصار ما يسمى بالنظرية الواقعية، والذين يتعاملون مع العالم كما هو وليس كما يجب أن يكون، ويرون أن العلاقات بين الأمم يجب أن تقوم على المصالح بمفهومها المادى، وأن القيم الأخلاقية لا أساس لها في هذه العلاقات، وأن العالم مثل الغابة يتصارع فيها الجميع، وأن البقاء فيها هو للأقوى والذي يملك قدرات عسكرية وليس من يملك قيم معنوية وأخلاقية.
 
وبالتالي فإن النموذج الأمثل للعلاقات بين الدول هو ذلك القائم على تبادل المصالح وليس على المشاركة في قيم معينة أو الترويج لها، وإن السلام يتحقق في إطار من توازن القوى العسكرية. 
 
والجانب الآخر من الدول يمثله أنصار ما يسمى بالنظرية الليبرالية، ويؤمن هؤلاء بأن الدول يجب أن تكون لها رسالة أخلاقية، وأن العالم يجب أن يقوم على مجموعة من القيم الإنسانية المشتركة وليس فقط على المصالح المادية.
 
ويروج هؤلاء لما يسمى بنظرية "السلام الديمقراطى"، والتي تستند لفكرة أن الدول التي تشترك في قيم الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض، إما لأن ثقافة شعوبها سلمية، وتقوم على فض المنازعات بين المواطنين بشكل سلمى ومن خلال المؤسسات الديمقراطية التي تكفل ذلك داخلياً، وأن هذه الثقافة الداخلية تنعكس أيضاً في صورة توجهات سلمية للدولة في سياستها الخارجية.
 
أو أن هذا التوجه السلمي يعود إلى وجود مؤسسات راسخة لصنع القرار وآليات للجدل والنقاش تمنع التورط في مغامرات وحروب. 
 
هذا الجدل لا يظهر فقط في صورة تراشق فكرى بين الباحثين والأكاديميين. ولكن ينعكس بشكل تطبيقى في السياسة الخارجية للدول، وتمثل الولايات المتحدة الأمريكية نموذجاً واضحاً لذلك.
 
 
فعلى سبيل المثال يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كنموذج للواقعية، ومنذ يومه الأول في البيت الأبيض، وهو يطبق سياسة قائمة على مفهوم المصلحة، وبالتأكيد مصلحة الولايات المتحدة، ومن هنا كان رفعه لشعار "أمريكا أولاً"، وقام بالتعامل مع دول العالم المختلفة بغض النظر عن القيم السياسية السائدة في هذه الدول، ورافضاً سياسة تغيير النظم، والضغط على الدول لتبنى القيم الأمريكية. 
 
النموذج المقابل لترامب سوف يمثله الرئيس القادم للبيت الأبيض جو بايدن، والذي يؤمن بان "القيم" يجب أن تكون عنصراً أساسياً لبناء العلاقات مع الدول الأخرى بجانب "المصالح". وسوف يتبنى عدد من المبادرات التي تعكس ذلك، منها إعلانه عن تنظيم ما يسمى "قمة الديمقراطية"، في الأشهر الأولى لولاياته، بهدف الاتفاق على مشاريع للتعاون المشترك بين من سيتم دعوته للمشاركة في هذه القمة.
 
الفكرة بالتأكيد محل جدل كبير في الولايات المتحدة والغرب، ليس فقط لصعوبة تعريف ما هي الديمقراطية، وبالتالي من سيتم دعوته ومن سيتم استبعاده، ولكن أيضا لأن قدرة الولايات المتحدة على القيادة وتبنى مبادرات على مستوى العالم قد أصابها ضعف كبير.
 
ولكن يمكن فهم عودة القيم في إطار السياسة الخارجية التي سوف يتبناها بايدن، في إطار عدة أسباب: الأول هو انتمائه للحزب الديمقراطي والذي يتبنى الفكر الليبرالي السابق الإشارة له في بداية المقال، أما السبب الثانى فهو رغبة الرئيس المنتخب بايدن، أن يبدو مختلفاً عن الرئيس المنقضية ولايته ترامب، فإذا كان الثانى قد ركز على مفاهيم المصالح المادية ومنطق رجال الأعمال، فإن الأول يريد أن يبدو مختلفاً من خلال الاهتمام بالقيم والمبادئ الأخلاقية.
 
أما السبب الثالث فيتعلق بالتنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين وبوادر الحرب الجديدة بينهما، وإذا كان ترامب، قد أهتم بالأبعاد التجارية لهذا التنافس، فإن بايدن، يريد أن يدخل عليه البعد السياسى والايديولوجى وأن تصبح القيم وخاصة ما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الانسان، أحد القضايا التي يتم استخدامها في الهجوم على نموذج الصين، وإضعاف مكانتها الدولية.
 
الخلاصة أن العلاقات الدولية وخاصة السياسة الخارجية الأمريكية سوف تشهد في السنوات القادمة عودة للاهتمام بقضايا القيم، ولكن هذا لا يعنى بالضرورة حدوث تغير جوهرى في أنماط العلاقات الدولية، لأنه عندما تتعارض المصالح مع القيم، عادة ما ترجح الكثير من الدول الحفاظ على مصالحها كأولوية في سياستها الخارجية تجاه الدول الأخرى.