دكتور عبد المنعم سعيد

رسالة العمران المصري

 الجمعة, 18 ديسمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

رسالة العمران المصري

المفارقة الكبرى في الواقع المصري هي أن أكثر من ١٠٠ مليون مصري يعيشون فقط على ٧٪ من الأرض المصرية البالغة أكثر قليلا من مليون كيلومتر مربع. هناك قدر من الإنجاز نعم، فقبل خمسة عقود كانت المساحة المأهولة لا تزيد على ٣٪ معظمها يتمركز في وادي النيل الضيق. ولكن العمران لا يعني فقط العيش أو التواجد السكاني، وإنما القدرة على توليد الثروة أينما كانت على أرض مصر. ولحسن الحظ أنه خلال نفس الفترة بدأت حركة واسعة للانطلاق من "النهر إلي البحر" حيث بدأت الحركة السكانية تتلامس مع البحرين الأبيض والأحمر، وخليجي السويس والعقبة، وجوار قناة السويس الكثيف؛ وبشكل ما فإن الصحراء المصرية لم تعد على وحشتها لدي أجيال سابقة، فلا عادت واحة سيوة بعيدة، ولا مزارع العوينات قصية، ولا واحات الوادي الجديد وتوشكي ظلت بعيدة عن خيال المصريين. المؤكد أن نمو البنية الأساسية المصرية منذ مطلع القرن الحالي، وخاصة خلال السنوات الست الماضية، من طرق وأنفاق ومطارات وموانئ ومحطات للطاقة قد خلقت مجالات واسعة للتعمير، واستخلاص الثروات، من المرجح أنها قد وصلت إلى مساحات تزيد على ٧٪ الشائعة، ولكنها ليست بعد واصلة إلى حالة المستوطنات السكانية من مدن وقري حضرية وريفية. 
وللحق فإن الزيادة السكانية ومتطلبات التقدم الوطني كانت تقتضي مزيدا من استغلال الأرض المصرية الشاسعة والتي تزيد قليلا عن ثلاثة أمثال كلا من بريطانيا واليابان. ولمن لا يعلم فإنه يوجد في نيل القاهرة وحدها 15 جزيرة، أما في النيل المصري كله فيوجد 144 جزيرة منتشرة أمام 818 قرية ونجع ومركز في 16 محافظة (أسوان- قنا- سوهاج- أسيوط- المنيا- بني سويف- الجيزة- القاهرة- القليوبية- المنوفية- الغربية- كفر الشيخ- البحيرة- الدقهلية- دمياط- الأقصر". وهذه الجزر موزعة من أسوان حتى قناطر الدلتا (55 جزيرة)، وفرع رشيد (30 جزيرة)، وفرع دمياط (19 جزيرة)، وتبلغ مساحة الجزر 1550 كم مربع أي مثلين ونصف دولة سنغافورة، وأكثر من ثلاثة أمثال دولة البحرين، وأكثر من مثل ونصف مساحة مدينة هونج كونج الشهيرة، وأكثر من 25 مثلا قدر جزيرة مانهاتن الشهيرة أيضا في نيويورك، ومن المؤكد أن كلا منها يصلح لأن يكون مكانا للسكن والحضارة لا تختلف كثيرا عن حي جزيرة الزمالك، أو حي جزيرة المنيل. وكل ذلك بخلاف 81 جزيرة في البحر الأحمر، كلها لا تقل روعة عن جزر بحر الكاريبي، ولكنها لأسباب لا داعي لمناقشتها الآن غير مأهولة على الإطلاق، أو أنها تستخدم كممر لأغراض غير مشروعة، أما الجزر النيلية فإن الشائع عن أغلبها أنها تستخدم في زراعة البانجو والأفيون والمر جوانا وتصنيعها، وكذلك تنتشر في جزر أخرى تجارة السلاح.
كل ذلك كان يمكن استغلاله ويشكل إضافة عظمى لما حدث بالفعل، وكان ممكنا لرأس المال الميت أن يكون حيا بالعمران والحضارة، ولكن ما حدث بالفعل هو أنه كانت هناك ثلاثة مقتربات معوقة تجاه استغلال الأرض المصرية. أولها كان هناك من يفضلها بائرة جدباء، فإذا ما اقترب استثمار من جزيرة أو أرض دوت الصرخات في البراري حول الاستغلال والغنى الفاحش والصفقات والمال الحرام وبيع مصر. وكانت نتيجة الصرخة في كثير من الأحوال أن تعود الصحراء إلى أهلها على حالها عفيفة نقية لم يمسسها لا بشر ولا مسكن ولا مصنع، وبقيت الجزر على ما كانت عليه تنتج الشعير وأسماك البلطي أحيانا، والمخدرات في أحيان أخرى. وثانيها جاء من الفلاحين الذين وجدوا مع السياسات الاشتراكية في تسعير السلع الزراعية -من أجل الفقراء أيضا- أن ثمن التراب أعلى بكثير من ثمن الطعام، فجرى تجريف الأرض وبيعها طينا، وبعد بوارها جرى البناء عليها بعد لم يبق من خيرها وعذريتها ما لم ينتهك. وعلى الرغم من الإجراءات الصارمة والعقوبات المقررة على مخالفات التعديات بالبناء على الأراضي الزراعية، إلا أنها لازالت قائمة، سواء في الحضر أو الريف، ولكنها تتزايد في الريف. وثالثها جاء من الفقراء الذين قرروا أن يحصلوا على الأرض بطريقتهم الخاصة، ومعها مصادر المياه والكهرباء والصرف الصحي، ووضعوا كل ذلك في حالة نقية من الفوضى سميناها بعد ذلك بالمناطق العشوائية. والحقيقة أنه لا يوجد إحصاء دقيق لعدد المناطق العشوائية في مصر، حيث اختلفت التقديرات حول عددها ما بين 1221 و1171 منطقة، يسكنها حوالي 15 مليون نسمة، منهم 6.1 مليون في القاهرة الكبرى. 
في مقابل هذه المقتربات الثلاث كان هناك مقتربان في الاتجاه المضاد أولهما قام على تعاون الدولة مع القطاع الخاص في مجال استغلال الأرض وبناء المدن الجديدة بهدف تخفيف الضغط السكاني على المدن القائمة. وضمن هذا الإطار برز دور القطاع الخاص في عدد كبير من المشروعات الإسكانية حيث برزت طموحات جديدة لفئة من المصريين لامتلاك نمط جديد من السكن، بأسعار معقولة وبنظام الأقساط المريحة، بحيث ظهرت بعض المشروعات الإسكانية مثل "مدينتي" و"الرحاب" و"دريم"، وتشمل مناطق سكنية مختلفة من فيلات وعمارات، يتوسطها مساحات خضراء، فضلا عن نوادي رياضية وخدمات اجتماعية ومباني إدارية ومراكز تجارية. مع الأخذ في الاعتبار أن تركيبة الطلب المتعارف عليه في سوق العقارات في مصر 5% للإسكان الفاخر و35% للإسكان المتوسط و60% للإسكان الاقتصادي والشعبي. وضمن هذا الإطار ظهر نظام المطور العقاري الذي يقوم بعملية تنظيم البناء بين المستهلكين والبنوك والمقاولين، وهو النظام المعمول به في معظم الدول المتقدمة حيث يقوم على قدر من المخاطرة عندما تبدأ عملية تطوير مناطق بأكملها تكون موحشة مهجورة في أولها، ولكنها تنتهي مأهولة ونموذجا للعمارة المتقدمة في آخرها. وفى الحقيقة فإنه لم يكن متصورا ما جرى لمدينة السادس من أكتوبر دون مشروع "دريم" الإسكاني والخدمي، ولا كان متوقعا أن تصل القاهرة الجديدة إلى ما وصلت إليه دون مشروع "الرحاب"، ولا أظن أن المساحة من الصحراء الجدباء بين القاهرة الجديدة والإسماعيلية بقيت على حالها بعد مشروع "مدينتي". المقترب الثاني جاء من الدولة خلال السنوات الست الماضية واستند إلى مركزية التخطيط لأربعة عشر مدينة جديدة كانت "العاصمة الإدارية" في طليعتها، ويكون للقوات المسلحة فيها دور قيادي؛ ولا مركزية التنفيذ التي أعطت للقطاع الخاص دورا ملموسا في هذا "الجيل الرابع" من المدن. التزاوج ما بين المقتربين الأخيرين خلق حالة من الاختراق في الحالة العمرانية في مصر، يمكنها أن تقضي على تلك المفارقة الهائلة بين الشعب المصري وجغرافيا الدولة المصرية، وهو الأمر الذي سوف يكون له آثارا جيوسياسية وجيواستراتيجية بالغة الأهمية.