دكتور سعيد المصري

كيف نواجه الحياة في ظل التباعد الاجتماعي

 الأربعاء, 23 ديسمبر, 2020 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

كيف نواجه الحياة في ظل التباعد الاجتماعي

ظهر مصطلح التباعد الاجتماعي، مع تفشي جائحة كورونا في كل أنحاء العالم، كي يعبر عن مجموعة من القواعد الصحية الوقائية في التواصل بين الناس لضمان الحد من انتقال العدوي. ويعتمد جوهر التباعد على تقييد عمليات التواصل بين الناس للحفاظ على مسافة مادية بين الأشخاص وتقليل عدد المرات التي يكون فيها الناس على اتصال وثيق مع بعضهم البعض. وتقاس المسافة في عملية التواصل بحسب التفسير الطبي لاحتمالات انتقال العدوي من شخص لآخر. وفي حالة كورونا او ما يعرف بكوفيد ١٩ فإن المسافة تتراوح بين متر ونصف إلى مترين، مع ضرورة الحد من التواجد في الأماكن المزدحمة والتجمعات، والبقاء لأطول فترة ممكنة في المنزل دون احتكاك بالآخرين خلال تفشي الوباء. 
 
ولهذا فإن التباعد الاجتماعي إجراء صحي في الأساس مرتبط بالوقاية من الأوبئة والأمراض المعدية ومن بينها الإنفلونزا الموسمية. وبموجب سرعة انتشار الإصابة بفيروس كورونا من مدينة ووهان بالصين ليصيب الكثير من المجتمعات الإنسانية، تحول من مجرد وباء محصور في منطقة محددة إلي جائحة عابرة للحدود بين كثير من دول العالم. ومن هنا يكتسب التباعد الاجتماعي أهميته القصوى محليا وعالميا من الناحية الصحية في الوقاية من انتشار العدوي. 
 
ولا يعني التباعد الاجتماعي عزلة اجتماعية كاملة وقطع لكل صور التواصل الاجتماعي مع آخرين ، بل يستمر التواصل وتبادل الاهتمام والمنافع والخدمات والرعاية بمسافة تسمح بعدم الاحتكاك الجسدي المباشر.  ولهذا دعت منظمة الصحة العالمية إلي ضرورة استخدام مصطلح التباعد الجسدي او الفيزيقي لتفادي سوء الفهم الشائع المرتبط بمعني العزلة الاجتماعية. ومع ذلك ظل مفهوم التباعد الاجتماعي هو الأكثر تداولا عالميا الآن للتعبير عن نمط الحياة عن بعد في ظل جائحة كورونا.
 
ومن المهم الأخذ بعين الاعتبار أن طبيعة الحياة الاجتماعية الحديثة تنطوي علي قدر كبير من التواصل الكثيف بين الناس وفيما بين المجتمعات والثقافات بصور مختلفة، يحدث ذلك على مستوي التفاعل الاجتماعي والاحتكاك المباشر، وحضور الاجتماعات والأحداث الرياضية والفنية والثقافية ورحلات السفر والسياحة والهجرة وتبادل المنافع الاقتصادية. وبالتالي كان من الصعب على كثير من الناس استيعاب فكرة البقاء في بيوتهم والتوقف المفاجئ لكل صور الحياة الاعتيادية وانتظار المجهول مع وباء غير معروف كيفية ظهوره ولا كيفية التخلص منه.  
 
ولهذا فإن استجابات الفئات الاجتماعية لهذه التدابير الاحترازية لم تكن واحدة بل أخذت صورا وأشكالا مختلفة بحسب اختلاف المستويات الطبقية ونوعية الحياة.  فالذين يحظون بمكانة أكبر ولديهم وفرة اقتصادية أعلي يتصاعد لديهم الرغبة في التميز والسعي الحثيث الي الاستمتاع بالحياة وكذلك الخوف الشديد من الموت، ومن ثم يتبنون أساليب للحياة قائمة على اتخاذ كثير من الاحتياطات الشديدة للوقاية والحماية الفائقة من الأمراض مهما كانت بساطتها، يحدث ذلك في صور من رفاه السكن والانتقال والسفر والتغذية وعادات النظافة والعناية الكبيرة بالجسد. ولهذا فإن جانبا كبيرًا من حياة هؤلاء الأغنياء تنطوي علي قدر كبير من التباعد الاجتماعي قبل ظهور الجائحة. 
 
ويقل الشعور بخطر الموت تدريجيا لدي كافة الفئات الاجتماعية بحسب اختلاف موقعها على السلم الطبقي، حتى نصل إلى ظروف حياة فئات معدمة تتساوي فيها فرص الموت مع الحياة نتيجة شدة الفقر وسوء التغذية وتفشي الأمراض والحرمان الشديد من الرعاية الصحية.  هؤلاء الفقراء يتعايشون مع الأمراض والأوبئة ويتقبلونها كأمور طبيعية لا تدعو للقلق كما لو كانت جزء لا يتجزأ من الحياة الاعتيادية. ولهذا فإن إدراك هؤلاء للمخاطر يصل إلى أدني حد ممكن، يحدث ذلك فقط حين يصبح الخطر ماديا وواضحا للعيان كاندلاع الحرائق والزلازل والكوارث الطبيعية وأي ضرر مادي مباشر وفوري يشل القدرة الجسدية. ولهذا لا نتوقع لدي هؤلاء التفاعل الإيجابي مع تحذيرات الوقاية من المرض بغسل اليدين وارتداء الأقنعة الواقية والحرص على التباعد الجسدي في أثناء التواصل الاجتماعي والتي يتم التعامل معها إما بالسخرية أو الإنكار للخطر، وذلك لأسباب تتعلق بعدم القدرة علي إدراك مخاطر غير مباشرة وغير ملموسة من ناحية، وعدم القدرة علي تحمل تكاليف الحياة في ظل الالتزام بهذه التحذيرات. كثير من الفقراء يعملون في القطاع غير الرسمي بدخول منخفضة ويومية في أغلب الحالات، وفي ظروف عمل بائسة تقتضي الاحتكاك اليومي بالناس وتفتقد مقومات الحد الأدنى من العمل اللائق، وبالتالي لا تُجدي مع هؤلاء رسائل الإجراءات الاحترازية وتحذيرات الحظر والحجر التي تشكل في ذاتها خطرا اجتماعيا واقتصاديا علي الاحتياجات اليومية لأسر كثير من الفقراء ومحدودي الدخل بما يفوق الخطر الصحي في نظرهم. 
 
ومع ذلك فإن اتساع نطاق التحذيرات الوقائية من العدوي ولجوء الدول إلي فرض سياسات ملزمة بالحظر والتباعد الجسدي  وبصورة مستمرة ومتصاعدة علي مدي فترة ما من الزمن، يمكن أن تؤدي إلي حالة من الاضطراب المجتمعي الشديد وعدم استقرار المشاعر والإدراك العام والذي يتأرجح بين ثلاثة أنواع من الاستجابات المجتمعية : (١) شدة الخوف من العدوي ،وما يصاحبها من مشاعر الوصمة نحو المصابين وتجنب التواصل معهم بصورة مفرطة  (٢) انكار وجود الوباء بالتهوين والسخرية من الإجراءات الاحترازية وعدم التقيد بها ، و(٣) التعايش مع المرض علي أنه أمر واقع علي غرار الأمراض الأخرى وبالأخص الأمراض المزمنة والمستعصية. 
 
وقد كشفت تجربة العيش في ظل التباعد الاجتماعي أن الحياة خارج الأسرة قبل الجائحة كانت تستنزف القدر الأكبر من الوقت والجهد والطاقة والإمكانيات في الانتقال والعمل والتواصل المباشر. وأن  العالم الافتراضي يمكن أن يغني كثيرا عن هذه الطاقة الهائلة المهدرة في الحياة اليومية خارج المنزل، والتي هي بالتأكيد تأخذ كل أوقاتنا علي حساب عملية بناء رأس المال الاجتماعي داخل الأسرة. ولهذا حين توقفت الدراسة والعمل أتاح التباعد الاجتماعي الفرصة الأكبر لاستعادة مذاق الحياة الأسرية. وكان من المنطقي أن يصاحب ذلك تداعيات مختلفة بحسب اختلاف نوعية وأساليب الحياة وتباين درجة الترابط الأسري، ومن بين تلك التداعيات الإيجابية تعزيز الروابط الأسرية وتعزيز العلاقة الزوجية وبذل مجهود أكبر في التنشئة الاجتماعية، وفي المقابل كانت التداعيات السلبية متمثلة في تفاقم الخلافات الأسرية والعنف الاسري، نتيجة التعرض للضغوط المصاحبة للتباعد الاجتماعي.  ومن والواضح أن التوقعات باستمرار الجائحة إلي أجل غير مسمي يفرض علي كثير من المجتمعات ضرورة إدماج تدابير التباعد الاجتماعي في ثقافتها وعاداتها وتقاليدها في الحياة اليومية. وهذا يفرض علينا تحديات اجتماعية تتمثل في أمرين: أولا ضرورة تعميق الإدراك المجتمعي لأهمية المسافة الجسدية في أثناء التواصل باعتبارها حماية للجميع وتضامن اجتماعي في مواجهة الوباء، بحيث لا يُنظر إلي التباعد هنا بأنه تعبير عن أي مشاعر من الوصم أو الاشمئزاز أو التمييز والازدراء، ومن المهم توعية الناس بأن هذا التباعد لا يؤثر علي مشاعر الود في ثقافتنا والتي تقوم علي حميمية التلامس الجسدي. وهذا يتطلب توعية صحية واجتماعية مكثفة تشرح للناس ببساطة مخاطر التلامس الجسدي في زمن الأوبئة والأمراض المعدية والجوائح دون تهوين أو تهويل. والأمر الثاني ضرورة أن نطور وسائل جديدة في التواصل الافتراضي عبر الإنترنت وتطبيقات الهاتف المحمول وغير ذلك من التقنيات الحديثة والتي يمكن أن تلعب دورا مهمًا في تمكين المجتمعات من العيش الآمن والفعال في ظل التباعد الاجتماعي. وذلك لضمان استمرار الحياة والعلاقات بين الناس وتأمين الاحتياجات ورعاية اقربائنا المرضي والمعاقين وكبار السن بما يحمي سلامتهم ويحول دون انتقال العدوي للجميع.