سليمان جودة

أما أعداء القضية فهي كفيلة بهم!

 الأحد, 3 يناير, 2021 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

أما أعداء القضية فهي كفيلة بهم!

مرت القضية بمحطات صعبة كثيرة في تاريخها الممتد، منذ صدور قرار التقسيم الشهير في التاسع والعشرين من نوفمبر ١٩٤٧، الى أن جاء هذا العقد الثاني ومن بعده العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ولكن الظرف الذي تمر به هذه الأيام بالذات ربما يكون هو الأصعب، فإن لم يكن كذلك، فهو من بين الأصعب بالتأكيد على مدى سبعة عقود من عمرها الطويل! 
القضية هي بالطبع قضية فلسطين، التي تجاهد في هذه اللحظات العصيبة من تاريخها، لعلها لتحتفظ بالحد الأدنى من الاهتمام لدى مراكز القرار الكبرى في العالم المعاصر! 
وربما يكون من المناسب أن نعيد تذكير أنفسنا هنا، بأن السادات عندما زار القدس في نوفمبر ١٩٧٧، كان حريصاً وهو يتحدث أمام الكنيست الإسرائيلي على الإشارة المتكررة بأوضح لغة، الى أنه لم يذهب الى هناك من أجل حل منفرد بين القاهرة وبين تل أبيب، وأنه ذهب في سبيل البحث عن حل للصراع العربي الإسرائيلي في مجمله، وليس للصراع الإسرائيلي الفلسطيني في حدوده الضيقة! 
كان السادات واضحاً في هذه النقطة لأبعد حد ممكن، وهذا أمر موجود بوضوح شديد في خطاب الرجل في الكنيست، والخطاب متاح بكلماته لمن شاء أن يعود إليه بنفسه، لعله يتأكد ويرى أن بطل الحرب والسلام، لم يفرط كما أشاع عنه الخصوم السياسيون، وكما أراد الذين لم يعجبهم أداءه السياسي أن يصوروه أمام قطاعات الرأي العام في البلد وفي العالم العربي! 
وقد دار الزمان دورته لنجد أنفسنا في الوقت الحاضر أمام حلول بين تل أبيب وبين بعض عواصم العرب من نوع آخر.. حلول من نوع يختلف عن الحل الذي كان بطل الحرب والسلام قد ذهب يبشر به في عقر دار اسرائيل، ويدعو إليه، ويتمسك به، ويعلنه على الملأ وهو يخطب بأعلى صوت.. كان يومها يتطلع مرة الى مناحم بيجين الجالس أمامه في قاعة الكنيست يسمع ما لم يتوقع أن يسمعه، ومرةً ثانية الى جولدا مائير، التي كانت من جانبها تستعين على احتمال ما تسمعه من السادات، بمنديل في يدها كانت تجفف به وجهها بين لحظة وأخرى! 
 
ولا بد أن القائمين على أمر القضية، سواء كانوا من جماعة الرئيس محمود عباس في رام الله، أو كانوا من جماعة اسماعيل هنية في قطاع غزة، إنما يجدون أنفسهم في حيرة بالغة مما يجري من حولهم في المنطقة على مستوى العلاقة بين بعض العواصم وبين تل أبيب! 
وربما نلاحظ الآن ونحن نتكلم عن القضية، أننا نقف أمام جماعتين تتنازعان القضية نفسها، جماعة في رام الله بالضفة، وأخرى في القطاع، وهذا بالتأكيد مما لا يسر أن متحمس للقضية، ولا أي متعاطف معها وراغب في حل عادل لها! 
والحقيقة أن ما يقال عن تعنت حكومات تل أبيب المتعاقبة في تعاملها مع الطرف الفلسطيني أمر صحيح، وما يقال عن التسويف الإسرائيلي في كل مرة يجلس خلالها الطرفان على مائدة واحدة أمر صحيح أيضاً، وما يقال عن انحياز الراعي الأمريكي الى طرف منهما دون الآخر هو الطرف الإسرائيلي طبعاً هو أمر صحيح كذلك، ولكن الأصح منهما أنه لا شيء من هذا كله يضر بالقضية ويلحق بها أبلغ الضرر، كما يحدث لها من جراء هذا الانقسام الذي يجعل القضية موزعة بين الضفة وبين غزة! 
وفي كل مرة يقال فيها أن الانقسام في طريقه الى أن تكون له نهاية، يتبين أن ذلك من قبيل التمنيات التي يريدها الناس الطيبون للقضية! 
وليس سراً أن الحكومات المتعاقبة في تل أبيب منذ وقع الانقسام بين غزة وبين الضفة في ٢٠٠٧، إنما تتحمس للانقسام من طرف خفي، وتعمل على أن يبقى بأي طريقة وكل طريقة، وتمده بأسباب الحياة كلما كان ذلك في مقدورها، وتفرك يديها من الفرح كلما بدا أن الانقسام مستمر، وتستغل بقاءه للحصول على ما لم يكن ممكناً لها في غيابه! 
هذه مسألة ليست مخفية لمن يتأمل المشهد في عمومه، ولكنها ظاهرة أمام العين لمن شاء أن يرى الى أي طريق ذهبت القضية بتأثير مباشر من هذا الانقسام المدمر! 
إنني أستطيع أن أراهن على أن القضية في فلسطين سوف تجد طريقها الى الحل العادل يوم تكون لهذا الانقسام نهاية حاسمة، لأن حل أي قضية هو بطبيعته على أيدي أهلها وأبنائها، لا على أيدي سواهم، حتى ولو كان سواهم هؤلاء هُم الأمريكيون أنفسهم باعتبار أنهم رعاه، وعلى افتراض أنهم سيكونون رعاه موضوعيون.. القضية يتولى أمرها أبناؤها وأهلها قبل سواهم في كل الأحوال! 
كان الله في عون هذه القضية التي تعيش بيننا ولسان حالها يردد ويقول: اللهم اكفني شر أبنائي، أما أعدائي فأنا كفيلة بهم!