دكتور عبد المنعم سعيد

الحديث عن العالم الثالث؟!

 السبت, 9 يناير, 2021 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

الحديث عن العالم الثالث؟!

لم يترك معلق تلفزيوني أو صحفي أو سياسي أمريكي داخل الكونجرس أو خارجه، أو معلق أو سياسي من خارج الولايات المتحدة في أوروبا الغربية أو كندا أو استراليا؛ إلا وأشار إلى أن ما حدث يوم الأربعاء ٦ يناير ٢٠٢١ خارج وداخل مبني "الكابيتول" الذي يستضيف الكونجرس للأمريكي بمجلسيه للنواب والشيوخ أو باختصار السلطة التشريعية الأمريكية ما جعل الولايات المتحدة تشبه دول "العالم الثالث". كانت الإشارة آسفة بالطبع، ولكنها كانت استنكارية أن تنزل الولايات المتحدة إلى هذا المستوي من الانحطاط الذي لا يحدث إلا في العالم الثالث أو الجنوب أو الدول النامية أيا كانت التسمية. ما جري فعليا في ذلك اليوم أولا أن جموعا كثيفة من الشعب الأمريكي تجمعت مستنكرة نتيجة الانتخابات الأمريكية متهمة إياها بأنها زورت؛ وثانيا أن رئيس الولايات المتحدة شخصيا خاطب المتظاهرين شخصيا مؤكدا علي تزوير الانتخابات وداعيا من خاطبهم من جموع منع الكونجرس من الانعقاد ومطالبا نائبة مايك بنس – الرئيس الدستوري لمجلس الشيوخ – بأن يمتلك الشجاعة ويمنع الكونجرس من التصديق علي نتيجة الانتخابات؛ وثالثا أن هذه الجماهير استخدمت قوتها العددية للهجوم علي الكونجرس واقتحامه بالقوة، والدخول إلي قاعاته واحتلال مكتب "نانسي بجلوسي" رئيسة مجلس النواب، وفي عملية الصدام والتدمير لنوافذ المبني توفي أربعة منهم رجل بوليس وامرأة؛ ورابعا جري تهريب أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وخرج الكثير منهم إلي الإعلام لاستنكار ما جري بينما طالب بعضهم بتشكيل لجنة تحقيق. 
في داخل الكونجرس ذاته وقبل الهروب الكبير تكشفت المجموعة "الترامبية" بين الأعضاء الجمهوريين الذين أرادوا إعاقة عملية التصديق على نتيجة الانتخابات من خلال ألاعيب "ديمقراطية" تفتح الباب لإفساد العملية السياسية كلها. "تيد كروز" عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس والذي طالما أهانه ترامب هو وزوجته أثناء الانتخابات التمهيدية، هو الذي اقترح تشكيل لجنة تحقيق في نتائج الانتخابات تقوم بمراجعة التصويت في الولايات المختلف عليها أي الولايات التي أدت إلى فوز بايدن، خلال فترة عشرة أيام وبعدها تعلن النتيجة. استند كروز في ذلك إلى أن هناك تساؤلات كثيرة حول نزاهة الانتخابات، كما أن هناك سابقة تاريخية لمثل هذه الحالة منذ ١٤٥ عاما وأثناء انتخابات عام ١٨٧٦ بين "روثفورد هايز" و"صمويل تايلدن" والتي كان فيها أيضا الشكوى بصدد حساب الأصوات فتم تكوين لجنة من عشرة نصفها من مجلس النواب والآخر من مجلس الشيوخ مضافا لهم خمسة من المحكمة الدستورية العليا للنظر في اتهامات الإخلال بالعملية الانتخابية.
انتهي اليوم على أية حال كما بات معروفا، فتحت ضغوط هائلة من النواب الجمهوريين، وقيام شبكة "تويتر" بوقف قدرة الرئيس ترامب على التغريد، خرج لكي يطالب مؤيديه بالانصراف مؤكدا على أن الانتخابات جري تزويرها. على أية حال انعقد في ساعة متأخرة الاجتماع المشترك للمجلسين بقيادة مايك بنس وأقر نتيجة الانتخابات بمعارضة ١٤٧ عضوا من النواب والشيوخ الجمهوريين الذين أخذوا منحي معارضا. وبعد استئناف الرئيس لتغريده فإن ما جاء به هو أنه لن يقوم كما جرت التقاليد السابقة (الحقيقة أن هناك أربع سوابق لذلك أهمها ما قام به جون آدامز الرئيس الثاني للولايات المتحدة بعد جورج واشنطن) فإنه لن يحضر حفل تنصيب الرئيس السادس والأربعين. ومع ذلك فإن كل ما جري في ذلك اليوم العصيب لم يثني أحدا عن الذكر الآسف أن ما جري هو تمثيل لما يحدث في العالم الثالث التي تتجمع فيه جموع غاضبة متعصبة عنصرية للهجوم على المؤسسات والدستور والقانون. 
هذا التشبيه هو ما يهمنا في مقامنا هذا لأن العادة جرت في الولايات وفيما يخص مصر تحديدا أنه بدلا من إدانة هذه التصرفات ذاتها، فإنها على العكس من ذلك تقوم بإدانة الحكومة والدولة المصرية متهمة إياها بأنها تمنع حقوق التعبير، والتظاهر، والتجمع "السلمي"، والمطالبة بالحقوق السياسية في المشاركة الاجتماعية والاقتصادية. وفي الحقيقة فإن أحدا في واشنطن، في الحكم أو في مراكز البحوث، في الجامعات أو لدي الجمعيات الحقوقية المختلفة، لم يكن مستعدا لسماع أن التجمعات الإخوانية التي اجتمعت منذ ٢٥ يناير ٢٠١١ لإسقاط السلطة المصرية والأمن المصري والدولة المصرية لم تكن سلمية، وكانت بالتأكيد مخالفة للدستور والقانون والأعراف. ما حدث خلال هذه الفترة من التاريخ المصري كان استخداما لقوة الجمع، واستغلالا للحرص الأمني على عدم إيذاء المدنيين، وفرض أوضاع لم يجري طرح مشروع لها أو التشاور بشأنها في تنظيمات شرعية. ما حدث باختصار لم يكن مختلفا كثيرا عما جري خلال تلك الساعات العصيبة من التاريخ الأمريكي. 
مذكرات الرئيس باراك أوباما التي نشرها مؤخرا "أرض موعودة" عكست هذا الموقف المتسم بالمعايير الأمريكية المزدوجة التي تحكم بمعايير "الرعاع أو Mobs" عندما يكون الهجوم على الكونجرس الأمريكي، و"الجماهير المتعطشة للحرية" عندما يكون الهجوم على المجالس التشريعية والمنشآت العامة المصرية.  ورغم أن أوباما نشر في كتابه صورة له داخل أحد المنشآت الفرعونية، وعلق عليها أن "التجول في أهرامات الجيزة قدم تذكرة بالتواضع أن هذا العالم يخلد طويلا بعد أن نذهب". مثل ذلك لم يصمد في مراقبته لمصر أثناء الأحداث، حتى لا نجد فارقا ما بين أيام التظاهر الثلاث الأولي (٢٥-٢٧ يناير) وما حدث اعتبارا من ٢٨ يناير عندما أمسك الإخوان المسلمون بزمام الأمر بين المتظاهرين، وما قاموا به من إطلاق للمسجونين من الإخوان والتنظيمات الإرهابية الأخرى بما فيها حماس وحزب الله؛ وما ارتكبوه جميعا من جرائم إزاء أقسام الشرطة والكنائس والمنشآت العامة. لم تكن هناك صعوبة عند مراقبة ميدان التحرير في القاهرة، أو أيا من ميادين التظاهر الأخرى، أنه فيما عدا كلمة "الحرية" التي وردت في الشعارات فإنه لم يكن هناك تصور تطبيق لها، ولا برامج عمل. لم تكن المطالبة بالتغيير يتلوها السؤال المنطقي ثم ماذا بعد؛ والحقيقة أنه لم تكن هناك قيادة أو برنامج لتدمير مصر سوي لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية وتوابعها.
لو أن هناك من درس ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين أن يتعلموه من اقتحام مبني الكونجرس فهو أن تغيير النظم بالقوة وعن طريق التدخل في الشئون الداخلية للدول ما هو إلا مخالفة كبيرة لمبدأ غربي هام جري اتباعه منذ معاهدة ويستفاليا عام ١٦٤٦. لم يكن هذا المبدأ الذي بات متصدرا لكل المعاهدات الدولية التي تلت ذلك إلا انعكاسا للحكمة التي رأت أن الدول والأمم تختلف عن بعضها البعض بحكم ما آلت إليه ثقافتها السياسية والاقتصادية وموقعها الجغرافي وتاريخها، وباختصار كل ما عبرت عنه هويتها. فكرة السيادة لم تكن فقط دلالة السيطرة على إقليم بعينه من قبل شعب وحكومة، وإنما أكثر من ذلك الهيمنة والمسئولية عن عمليات التغيير التي تخصها، تدريجيا أو بالطفرة. ما تفعله السلطات المصرية لإنقاذ مصر من الإرهاب والتحريض على العنف لا يختلف كثيرا عما فعلته السلطات الأمريكية مع ٦٨ شخصا تم احتجازهم بعد الأحداث؛ ولا مع الدعوة الحالية لمحاكمة ترامب، فقد كان ذلك هو ما فعلته مصر مع الرئيس محمد مرسي. لا كانت أمريكا جزءا من العالم المتقدم، ولا كانت مصر جزءا من العالم الثالث، في كلا الدولتين كان الحفاظ على القانون والدستور والمؤسسات هو جوهر الشرعية السياسية.