دكتور سعيد المصري

اللغة في الحياة اليومية للمصريين

 الأربعاء, 20 يناير, 2021 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

اللغة في الحياة اليومية للمصريين

كثيرًا ما يلجأ بعض الناس في مواقف محددة إلى استخدام ألفاظ توصف بالبذاءة والقبح، رغم أنها غير مقبولة اجتماعيًّا، ولا تخلو مواقف الغضب واللهو في الحياة اليومية من استخدام تلك المفردات حتى في ظل رفضهم لها ومجرد استخدام لفظ "بذاءة" على مفردات لغوية بعينها لا يخلو من حكم مسبق بالتقليل من شأن تلك المفردات، واعتبارها من مظاهر التدني الاجتماعي والأخلاقي، ومجرد الحديث بألفاظ بذيئة أو الحديث عنها يتسبب في إزعاج وامتعاض كل من بيدهم السلطة الأخلاقية في الحكم على سلوك البشر وأقوالهم، وبعيدًا عن أي حكم مسبق أو موقف أخلاقي مسبق يتعين أن نتساءل: ما اللغة البذيئة؟ ومَن يستخدمها؟ وفي أي وقف اجتماعي تنتشر أكثر؟ ولماذا يلجأ بعض الناس إلى استخدامها رغم إنكارهم لوجودها أو امتعاضهم ممن يستخدمها؟ وهل البذاءة مرتبطة بالفقر والتدني الأخلاقي وتدني نوعية الحياة؟ أم هي قاسم مشترك بيننا في لغتنا وثقافتنا وتراثنا الشعبي؟ وهل البذاءة ظاهرة حديثة أم قديمة؟ وما الحدود الفاصلة بين البذاءة والرقي الاجتماعي والحضاري في اللغة؟ هذه الأسئلة مهمة ويجب الحديث حولها قبل أن نفكر في اتخاذ موقف أخلاقي أو ديني أو سياسي من أي محتوى لغوي.
وتعرف البذاءة في اللغة العربية بأنها التعبير عن الأمور المستقبحة اجتماعيًّا بالعبارات الصريحة، ويحدث ذلك من خلال التعبير بكلمات محظور استخدامها Taboo Wordsفي التواصل اللغوي المعتاد، وهناك بلا شك اعتراف علمي بوجود ما يسمى باللغة الكريهة أو الوقحة  Offensive Language في التواصل اللغوي.
وبصفة عامة فإن البذاءة والرقي عمومًا ثنائية شائعة في الحكم على السلوك الإنساني في المجتمعات والثقافات كافة وعلى مر التاريخ، ولا تخلو أي لغة من وجود مفردات تنم عن البذاءة والفحش، وهذا يعني أن اللغة البذيئة موجودة دائمًا في الحياة الإنسانية قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وتمارس في ظل سياقات وضوابط محددة قد تضيق أو تتسع بحسب مقدار القيود الاجتماعية التي تفرضها الجماعة ومواضع السلطة داخلها على اللغة. 
ولا توجد حدود مطلقة أو قاطعة بين ما هو لائق وما هو غير لائق في اللغة، بل إن الحدود بينهما نسبية تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات الإنسانية والفئات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد، كما أن معايير الرقي والقبح في اللغة ليست ثابتة، وإنما تتغير دائمًا عبر الزمن، فكلمة " الشاطر" مثلًا، والتي كانت تعني قديمًا الخبيث الفاجر، تغيرت لتصبح تعبيرًا عن الذكاء والفطنة والنباهة والدهاء.   
ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن نغفل كون البذاءة في اللغة تمثل جزءًا لا يتجزأ من التراث الشعبي الشفهي الذي يذخر بمفردات هائلة من تراث الشتائم والتجريح والإهانة والسخرية، وكذلك الغزل بمفرداته وصوره البلاغية المعبرة عن دلالات ومعاني السلوك الفاحش، ومن أشهر النصوص الشعبية المليئة بلغة إباحية "ألف ليلة وليلة "، والتي سبق أن رفعت بشأنها قضايا حسبة في مصر عامي 1986 و2010 لمنع وزارة الثقافة من طباعتها بحجة الحفاظ على القيم والأخلاق والحياء العام.
وإذا انتقلنا إلى الوسائط الحديثة فسوف نلاحظ أن البذاءة في اللغة ليست قاصرة على الحوارات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هي قائمة أيضًا في بعض ألوان الغناء مثل أغاني الراب المنتشرة في عدة دول عربية، والتي توصف في نظر السلطات السياسية والدينية والأخلاقية والفنية بأنها أغانٍ رديئة تفتقر إلى الرقي في الكلمات والألحان وطريقة الأداء، وينطبق ذلك أيضًا على ما يسمى إعلاميًّا في مصر على نحو خاطئ بالغناء الشعبي ممثلا في أغاني المهرجانات، وإذا تأملنا جيدًا ما يوصف بالمحتوى السوقي أو المبتذل في تلك الأغاني فسوف نلاحظ أنها تتحدى موانع ومحرمات ومُثلًا عُليا وأذواقًا ومعايير فنية سائدة، وأداؤها يعطي متسعًا حرًّا للبهجة في إطار التحرر من القيود المجتمعية، وهي أغانٍ تخاطب مشاعر كتل سكانية تعاني من التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي مثل الفقراء وأنصاف المتعلمين والشباب، وكل ذلك يلعب دورًا بالغًا في قبول تلك الأغاني وانتشارها الكبير.
أسهمت أدوات التواصل الاجتماعي الجديدة عبر الإنترنت خلال السنوات الأخيرة في توسيع آفاق التواصل وحرية التعبير بين الشباب في عالمنا العربي بصورة غير مسبوقة، ومن بين مصاحبات هذه الحرية وجود محتوى لغوي مليء باستخدام كثيف لمفردات لغوية في الحوار، توصف بالتدني والسوقية والابتذال والإهانة إلى غير ذلك من الأحكام الأخلاقية الممتعضة، وللأسف لا توجد دراسات عربية أو محاولات لرصد بيانات دقيقة عن هذه الظاهرة بين المستخدمين العرب لمواقع التواصل الاجتماعي، وما تزال الدراسات والبيانات في هذا المجال محدودة على المستوى العالمي أيضًا. على أن هناك بعض الإحصاءات النادرة تشير إلى أن 47% من المستخدمين لديهم محتوى من البذاءة على حساباتهم؛ ولهذا السبب هناك محاولات تبذل عالميًّا لتطوير آليات وقوانين وتطبيقات برامج لرصد وحجب المحتوى البذيء على الإنترنت، والذي يشكل ضررًا بالغًا على المراهقين ويلحق الضرر عن طريق الإساءة أوالترهيب فيما سُمي بالتحرش أو التنمر أو البلطجة الرقمية أو السيبرية أم (السيبرانية)؟ Cyberbullying.
على ضوء كل ذلك يتعين الأخذ بعين الاعتبار أن الحوارات التي توصف بالبذاءة في الحياة اليومية بصفة عامة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بصفة خاصة، هي ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية ونفسية وسياسية، ومرتبطة بالشباب إلى حد كبير، وشائعة لدى الذكور والإناث على حد سواء، وتشير الملاحظات الميدانية الأولية لواقع الاستخدام العربي للغة المحظورة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن ثمة علاقة ارتباط بين العمر والمكانة الاجتماعية من ناحية واستخدام تلك اللغة البذيئة من ناحية أخرى، فالحوارات على فيس بوك وتويتر التي تتم بين الشباب من أعمار ومستويات اجتماعية اقتصادية متقاربة تشهد استخدامًا للكلمات المحظورة بصورة كبيرة، وفى مقابل ذلك يحجم الشباب عن استخدام أي عبارات بذيئة إذا كان أحد المشاركين في الحوار من الوالدين أو مِمَن هم أكبر سنًا. ينطبق ذلك أيضًا على الذكور من الشباب الذين يحجمون عن استخدام هذه اللغة في الحوارات الجادة وحوارات التسلية والتهكم التي قد تتم مع الإناث والعكس صحيح أيضًا، وفى حالة استخدام الحوارات بهدف البلطجة الإلكترونية فإن الوقاحة في اللغة الكريهة قد تصل إلى أقصى مداها بين الذكور والإناث من الشباب، وكلما كانت العلاقة حميمة بين الشباب فإن استخدام اللغة البذيئة في الحوار يمكن أن يعكس قدرًا كبيرًا من مشاعر الصداقة الحميمة، بينما يعبر الازدراء والشتائم والإهانات الصريحة في حوارات الشباب والمصحوبة دائمًا بانفعالات حادة عن عمق الخلاف بينهم، ويعد ذلك مؤشرًا على مدى هشاشة العلاقات فيما بينهم، وقد مثلت الحوارات السياسية خلال الفترة بين 2011 و2013 مجالا خصبًا للاستقطاب في الحوارات التي استخدمت فيها أعنف مفردات اللغة الكريهة بين الشباب، كما كشفت هذه الفترة عن مدى عمق التعصب والتطرف والإقصاء في التفكير ومدى التسلط الشديد في الرأي وتغلغل الصور النمطية السلبية عن الآخر. 
ومن الواضح أن حيز اللغة البذيئة يتسع فيما بين الشباب من دوائر التواصل الافتراضية إلى دوائر أوسع للتواصل المباشر في الواقع، بحيث أسهم ذلك في عمق الارتباط بالقاموس اللغوي للكلمات المحظورة، ويظهر ذلك حين تنفلت هذه الكلمات أحيانًا من حيز التفاعل فيما بين الشباب إلى مواقف التفاعل والخلاف مع الآخرين، وحين يتعرض بعض الشباب إلى اللوم بسبب عدم قدرته على تجنب استخدام لفظ فاحش مثلًا فإن كثيرًا منهم يبرر ذلك بأنها ألفاظ أصبحت عادية ولا تدعو للخجل أو الاعتذار. 
وبطبيعة الحال فإن شيوع استخدام الكلمات البذيئة بين الشباب في الحياة اليومية  داخل مواقع التواصل الاجتماعي وخارجها وثيق الصلة بالرغبة في التعبير عن الانفعالات بحرية تامة، والتباهي أحيانًا بالجرأة على كسر حواجز الصمت اللغوي التي تفرضها كل السلطات الدينية والأخلاقية والأبوية والسياسية على حرية التعبير في الحياة اليومية، باسم الحفاظ على القيم والتقاليد والمقدسات والرقي الإنساني والاحترام والحفاظ على معايير المكانة والهيبة، كما أن اللجوء إلى اللغة التي توصف بالتدني والبذاءة لا ينفصل عن صور التعبير الشائعة باستخدام الاختصارات والحروف والأرقام الإنجليزية في التعبير عن كلمات باللغة العربية، وهذه ظاهرة تشكل إزعاجًا كبيرًا لدى كل من يَعدُّون أنفسهم حماة للغة العربية الفصيحة، غير أن هذه الظاهرة تنمُّ عن ميل الشباب لتأكيد الهوية التي تقاوم المعايير الاجتماعية المفروضة من أعلى.