الدكتور علي الدين هلال

ماذا يتبقى من عام الأزمات؟

 الخميس, 21 يناير, 2021 

المقالات المنشورة لا تُعبر عن رأي المركز وتعبر عن رأي أصحابها فقط

  • انشرها على:

ماذا يتبقى من عام الأزمات؟

مع نهاية كُل عام، تكثُر الكتابات والتحليلات حول: ماذا حدث فيه؟ وما الدروس التي نستخلصها من أحداثه؛ حتى نستفيد منها في مواجهة تحديات العام الجديد؟ وفي هذا المقام، أعتقد أن هُناك اتفاقًا عامًّا على أن عام 2020 كان عامًا ثقيلًا وكبيسًا بكل المعايير وعلى كُل المُستويات، وكانت بعض جوانبه فريدة واستثنائية، ومن أبرز مظاهر ذلك انتشار وباء فيروس كورونا الذي اجتاح المعمورة بأسرها دون تمييز بين دولة وأخرى، وأصاب البشرية بهلع أوسع نطاقًا مما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية. 
ويهدف هذا التحليل إلى تحديد أهم الدروس المُستفادة مما حدث في العام المُنصرم، وذلك من منظورين: أولهما تحليل المخاطر Risk analysis، وثانيهما تحليل الفرص Opportunity analysis، مع التركيز على الأمور المرتبطة بوباء فيروس كورونا، باعتباره الحدث الأهم في عام 2020، فمن كان يتصور أن فيروسًا لا يمكن رؤيته إلا بالعدسات المكبرة المتخصصة يقلب الدنيا رأسًا على عقب في غضون شهور معدودة؟! هذا وسوف أعرض هذه الدروس في نقاط مُحددة: 
1. البُعد الصحي للأمن القومي 
شغل مفهوم الأمن القومي مكانة متزايدة في الدراسات الاستراتيجية والسياسات العامة، وتجاوز المفهوم العسكري الأمني له ليشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومع ذلك لم يركز الباحثون لفترة طويلة بالقدر الكافي على البعد الصحي للمفهوم، ولا على النظام الصحي في الدولة باعتباره أحد الأنظمة الرئيسة المؤثرة على الأمن القومي.
وربما نتج هذا القصور أنه منذ وباء الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، والذي أصاب عدد 500 مليون نسمة، وأودى بحياة 50 مليونًا في أقل التقديرات، لم يشهد العالم من الأوبئة والأمراض المعدية ما يماثل هذا القدر من الاتساع وحجم الخسائر، وأن الأوبئة التي ظهرت، مثل: «سارس» 2002، و «ميرس» 2012، و «إيبولا» 2014، انتشرت بشكل رئيس في مناطق جغرافية خارج الدول الغربية المتقدمة، أو أنها أوبئة لم تصب الإنسان، مثل: جنون البقر، وإنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير. 
وقد شكَّلت أزمة وباء كورونا تهديدًا للأمن القومي؛ مما استدعى التعامل معها على أعلى مستويات الدولة، بالإضافة إلى تضافر جهود مختلف الوزارات والهيئات الحكومية وهيئات المجتمع المدني لمواجهتها، وقد كان لهذه الأزمة دلالاتها الاجتماعية؛ حيث أشارت بعض الدراسات إلى أن المرض كان أكثر انتشارًا بين الفئات الأشد فقرًا، 
"مواجهــــــة مرحلــــــة ما بعـــــــد الأزمة؛ ستتطلَّب الاستمرار في السياسات الاقتصادية المُحفِّزة للنمو، وعلى رأسها المُضي قُدُمًا في سياسة الرقمنة والاستمرار في عملية التحول الرقمي."
 
والتي تعيش في ظروف اجتماعية غير مناسبة، مثل: الأمريكيين السود، والبريطانيين من أصول آسيوية؛ مما أثار قضية المساواة وعدالة توزيع الفُرص في المجتمعات.  
وتجدر الإشارة -في هذا الصدد- إلى الدور الذي لعبته القوات المسلحة لمُكافحة الوباء في مختلف الدول من خلال أنشطة التعقيم، وإقامة المستشفيات الميدانية، وأعمال التعقيم في المباني الرئيسة، كما أنها تقوم في بعض الدول بالإشراف على تنظيم عملية توزيع اللقاح. 
ومع اكتشاف عدد من اللقاحات الصينية والروسية والأوروبية والأمريكية، ظهرت اتجاهات تسعى إلى تسييس عملية اختيار أحدها؛ لأسباب تتصل بالتنافس بين الدول الكبرى، أو لأسباب تِجارية وربحية. 
وأيًّا كان الأمر، فقد أبرزت الأزمة أهمية النظام الصحي في الدولة، وتحديدًا حالة المُستشفيات ومعامل التحليل، وكفاءة الأطقم الصحية من أطباء وممرضين وعاملين، وتوافر الاحتياطي الاستراتيجي من الأدوية والأجهزة واللقاحات، وزيادة الإنفاق على التخصصات الطبية المُرتبطة بالتعامل مع الوباء كطب الأُسرة وتخصُص الطوارئ والرعاية الحرجة، ويرتبط بذلك –أيضًا- نشر المعلومات والثقافة الصحية المُرتبطة بالوباء بين عموم الناس، وذلك من خلال أدوات الإعلام والاتصال المُتنوعة، وإنشاء منصات إلكترونية تُوفرُ الإرشادات الصحية للناس وتُجيب عن أسئلتهم، كما أنه من الضروري وضوح أهداف السياسة الصحية في الدولة، وأن تُدخل في اعتبارها احتمال انتشار الأوبئة والأمراض المُعدية، وأن نفهم أن ما وصل إليه العالم من تقدم ورفاهية مُهدَّد بتطورات العالم البيولوجي.
2. تقييم الأداء الحكومي
تطلَّبت مواجهة الوباء تضافر جهود عديد من القطاعات والمؤسسات الرسمية والاقتصادية والاجتماعية، والتعاون فيما بينها، ويتطلَّب الأمر تقييم أداء هذه المؤسسات من زاوية سرعة تحركها في وقت الأزمة، ومستوى الخدمات التي قدمتها، وقدرتها على المراجعة وتصحيح الأخطاء أو جوانب القصور التي ظهرت في الممارسة، وينطبق ذلك على المؤسسات كوحدات تنظيمية وإدارية، وعلى رؤسائها ومُديريها والقائمين على أمورها، ففي أجواء الأزمة، تُختبر معادن القيادات، وتظهر الحلول المبتكرة وغير التقليدية. 
3. السياسات الاقتصادية من أجل النمو
كان للوباء آثاره الاقتصادية السلبية سواءً على مستوى اقتصادات كل دولة على حدة أو مستوى الاقتصاد العالمي الذي تُجمع تقارير المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية أنه دخل في مرحلة ركود. 
وأكّدت البحوث الآثار الاقتصادية المُدمرة للوباء على الفئات الفقيرة والهشة اجتماعيًّا، والتي فقد كثيرون منها مصادر رزقهم وزادت نسبة البطالة بينهم. وقد كانت مصر من الدول التي نجحت في تقليل حجم خسائرها الاقتصادية وفي دعم الفئات الأكثر تضرُّرًا كالعمالة غير المنتظمة، ويتطلَّب الاستعداد لمُواجهة الموجة الجديدة من الوباء ثُم مرحلة ما بعد الأزمة الاستمرار في السياسات المحفزة للنمو، وفي مُقدمتها: استمرار حجم الإنفاق العام، وإتاحة فُرص كبرى للقطاع الخاص، ورفع درجة تنافسية الاقتصاد، وتطوير المؤسسات المالية والشمول المالي، والتحول إلى «الاقتصاد منخفض التلامس».
4. الرقمنة: الفرصة والخطر
يرتبط الارتقاء بتنفيذ مجمل السياسات الاقتصادية والاجتماعية بضرورة الاستمرار في سياسة الرقمنة، والاستمرار في عملية التحول الرقمي في مختلف القطاعات، وتقوية البنية التحتية المعلوماتية وتطويرها، والتوسع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويؤدي كُل ما تقدَّم إلى توفير قواعد البيانات الكبيرة التي تسمح لصناع السياسات العامة بتشخيص الأوضاع بدقة وبطريقة موضوعية، والتعرف على البدائل المتاحة ثُم اختيار أفضلها. 
ولكن بقدر ما تمثل الرقمنة فرصة –بل وتطورًا ضروريًّا- لا يمكن الاستغناء عنها، فإنها تُشكلُ خطرًا أمنيًّا مُحتملًا، فأي بيانات يتم بثها على شبكة الإنترنت أو أي شبكات أخرى تكون عرضة للانتهاك والقرصنة الإلكترونية، كما حدث في شهر ديسمبر 2020 من اقتحام لقواعد معلومات هيئات حكومية أمريكية مُهمة وحساسة شملت وزارات الخارجية والدفاع والخزانة والتجارة والطاقة والأمن الداخلي؛ مما يتطلَّب تطوير أمن نظم المعلومات والبيانات وحمايتها من أية قرصنة أو هجمات سيبرانية.
5. العمل من بعد
جوهر هذا المفهوم هو قيام الموظف بأداء عمله من خلال شبكة اتصالات عنكبوتية ودون الحاجة للوجود يوميًّا في مكتبه أو مقر عمله، وقد تبنَّت العديد من الشركات والمنظمات هذا النظام في العقد الثاني من هذا القرن؛ وذلك لما يوفره من مميزات، مثل: عدم اضطرارها لتأجير مساحات واسعة كمكاتب للعاملين فيها، وتقليل الحركة المرورية وما يؤدي إليه من آثار اقتصادية وبيئية إيجابية، وبالطبع، فإن هذا الاتجاه لا يُمكن تطبيقه على كُل المهام أو الأعمال، لا سيما أنه يحتاج إلى وجود شبكة اتصالات إلكترونية قوية. 
وفي ظروف الوباء، فُرِضَتْ قيودٌ على التواصل المباشر بين البشر، ولجأت الحكومات والمنظمات الاقتصادية إلى استخدام العمل من بُعد كبديل حتى لا تتوقف الحياة، وخفَّضت الحكومات عدد موظفيها الذين يجب عليهم التردد يوميًّا إلى مكاتبهم، وشجَّعت الشركات بعضًا من العاملين فيها لممارسة أعمالهم من أماكن إقامتهم، وهذا ما فعلته على سبيل المثال شركة جوجل التي تبنَّت نظام العمل من بُعد كاملًا، وحدَّدت في المملكة المُتحدة شهر سبتمبر 2021 كموعد لعودة موظفيها إلى مكاتبهم.
وينبغي أن نبحث في مصر إمكانية التوسع في العمل عن بعد في عدد من المجالات التي لا تتطلَّب بالضرورة الاتصال المباشر بين مقدِّم الخدمة والمستفيد منها؛ وهو ما سوف يقلل من التطورات الناشئة في الهيئات الحكومية عن شكوى المواطنين من سوء معاملة الموظفين لهم، وسيعمل أيضًا على وقف مسالك الفساد المالي، وسوف تساعد سياسة الرقمنة في تحقيق هذا الأمر. 
"العمل والتعلُّم من بُعد .. بدائل جديدة كشفت الجائحة أهميتها في الظــــــروف الاستثنائيــــة التي فرضها الوبـــاء، وقد قطعت مصـــر أشواطًــــا في التـعـلُّـــــــــم من بُعـــــــد، ولكن تبقى الحاجة لبحث إمكانية التوسُّع في العمل من بُعد."
 
6. التعلم من بعد
جوهر نظام التعلم عن بعد هو نقل برنامج تعليمي من داخل أسوار الحرم الجامعي أو المعهد العلمي إلى أماكن متفرقة داخل الدولة وخارجها، بحيث يكون الأستاذ في مكان والدارسون في أماكن مختلفة، وقد وفرت تقنيات التواصل والذكاء الاصطناعي فرص الحوار بين الأستاذ والدارسين شفاهة وكتابة فيما يسمى بالمحاضرات التفاعلية، كما يتم أداء الامتحان والتقويم إلكترونيًّا، وقد شهد هذا المجال تقدُمًا كبيرًا باسخدام العديد من التطبيقات الإلكترونية، فمنها على سبيل المثال ما يُستخدم لفحص بحوث الطلاب باللغة الإنجليزية والكشف عن أي عبارات أو فقرات يكون الطالب قد اختلسها من كتب أو مجلات أخرى، وهناك تطبيقات تقوم بتصحيح الامتحانات في عدد من مجالات التخصص، وتحدد الأخطاء التي وقع فيها الطالب، وتعطيه الدرجة، وهي مطبقة في بعض جامعاتنا الآن.
وقد جاءت الأزمة لتُعطي التعلم من بُعد دفعة مُهمة، وطبقت الحكومات سياسات جمع أغلبها بين تلقي الدروس والمحاضرات من خلال الحضور، والتعلم من بُعد، مُستخدمة في ذلك المنصات الرقمية كأدوات تعليمية، وهو النظام الذي أُطلق عليه في مصر نظام التعلم الهجين.
كما أثبتت الأزمة صحة التوجهات التي تبنَّتها الحكومة المصرية قبلها، والتي تمثَّلت في التحول إلى بعض تقنيات التعليم الإلكتروني واستخدام «التابلت» كوسيلة تعليمية؛ وترتَّب على ذلك تغييرات ضرورية في مضمون المناهج التعليمية وطريقة تدريسها وأسلوب التقويم من اختبارات وأسئلة وامتحانات، لذا ينبغي ألا نَعدَّ التعلم عن بعد «شرًّا لا بد منه»، بل لا بد أن ننظر له كَمُكَمِّلٍ –وليس كبديل- للتعليم النظامي التقليدي. 
ومن الخطأ الاعتقاد أن هذا النوع من التعليم هو أدنى مرتبة، أو أن نسبة تحصيل الطلاب فيه أقل مقارنة بنظام الحضور، وإن كان –بالطبع- يفقد الطالب مزايا التواصل المباشر مع زملائه وأساتذته، ولا يوفر له فرصة التعارف وإقامة صداقات وعلاقات اجتماعية معهم؛ ولذلك فإن أغلب الجامعات والمعاهد الجادة لا تأخذ بهذا النظام كلية، بل تجمع بينه وبين نظام الحضور بنسب مختلفة.
ومن الضروري تقييم تطبيق النظام التعليمي الذي فرضه الوباء وتأثيره على عملية التحصيل العلمي للطلاب والتعرف على جوانب القصور فيه، خصوصًا في المناطق والأحياء التي يعد أغلب ساكنيها من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، وكذلك المناطق الريفية في مصر؛ نظرًا لوجود مشكلات تتعلق بضعف شبكة الاتصالات، أو عدم الالتزام بالحضور في الأوقات المُقررة. 
وفي المقابل، ينبغي التنبُّه إلى الآفاق التي يقدمها هذا النظام؛ وذلك لتحقيق هدفين: رفع مستوى التعليم الجامعي من ناحية، والتوسع في نسبة المتعلمين جامعيًّا من ناحية أخرى، لكننا لا نملك الموارد المادية والبشرية التي تمكننا من تحقيق هذين الهدفين بالأسلوب التقليدي الحالي في بناء الجامعات وإدارتها.
7. سياسات البيئة
تم تشخيص العلاقة بين الوباء والبيئة من زاويتين؛ الأولى: سلبية، وهي أن إحدى نظريات تفسير ظهور الفيروس هي أنه جاء نتيجة لسياسات الإنسان المُدمرة للبيئة والاستغلال المُفرط للموارد الطبيعية؛ مما أدى إلى التغيُّر المُناخي وزيادة خطر انتقال مُسببات الأمراض الفيروسية بين البشر، والثانية: إيجابية، حيث إنه نتيجةً لتوقف حركة الطيران العالمي، ولانخفاض حركة سيارات النقل العامة والخاصة، وإغلاق المصانع، انخفضت نسبة غاز ثاني أكسيد النيتروجين وغاز ثاني أكسيد الكربون المُسببين لتلوث الهواء وظاهرة الاحتباس الحراري؛ مما أدى إلى زيادة درجة نقاء الهواء وجودته في العالم كُله، فعلى سبيل المثال، في القاهرة تحسنت جودة الهواء بنسبة 36%، وفي الدلتا والمدن الساحلية بنسبة 40% في شهر مايو 2020، وبالطبع، فإن هذا التحسن كان أمرًا مؤقتًا انتهى مع عودة السيارات والمركبات العامة والدراجات البخارية إلى حركتها وإطلاق ملوثاتها في الجو. ومع ذلك، فإنه يُمكن البناء على ما تحقق في فترة الغلق، وذلك من خلال تبنِّي إجراءات تؤدي إلى تقليل مصادر التلوث في الجو. 
وقد ركزت في هذا التحليل على التأثيرات التي أوجدتها أزمة وباء كورونا، والتي سوف تبقى معنا في العام القادم على الأقل، ففي نهاية 2020، حدث تطوران يسيران في اتجاهين متعاكسين، الأول: الموافقة الطبية على عدد من اللقاحات وتلقِّي ملايين البشر لها؛ مما أشاع مُناخًا من التفاؤل الحذر، والثاني: «تحوُّر» الفيروس واكتشاف سُلالة جديدة في المملكة المتحدة وانتقالها إلى دول أُخرى، وانفجار موجة جديدة من تفشي الوباء، والذي وصل عدد المصابين به في العالم حتى يوم 11 يناير 2021، إلى 90.295 مليونًا، وعدد الوفيات إلى 1,935 مليون شخص.
 فأزمة الوباء لم تنتهِ بعد، وسوف تظلُ تحديًا للسياسات العامة في مصر وبقية دول العالم، وسوف تتمُ مواجهة هذا التحدي في سياق نقص المعلومات وعدم اليقين، فنحنُ نُحاربُ عدوًّا لم نتمكن بعد من السيطرة عليه تمامًا، ولا يعرف الأطباء كم من الوقت سوف يمضي، وما عدد الأفراد الذين يتم تلقيحهم قبل الجزم بأنه تمت السيطرة على المرض، وهو ما يتطلَّب ضرورة أن تُبنى السياسات العامة على نتائج البحث العلمي، وأن تتحلَّى بسمات المرونة والمُبادرة والقُدرة على التصحيح والتغيير، وأن يستمر التعاون الدولي لمُكافحة المرض.