IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

لواء د. سمير فرج

اللواء د. سمير فرج يكتُب: "حرب أكتوبر العظيمة... ماذا حققته من تغيير في الفكر العسكري العالمي"

 الثلاثاء. 05 أكتوبر., 2021

لقد كانت حرب أكتوبر 1973، بلا أدنى شك، أحد أهم، وأعظم، الأحداث التاريخية في العصر الحديث، والتي غيرت العديد من المفاهيم، والأفكار، والتحولات السياسية، والاستراتيجية، والعسكرية، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل امتدت آثارها إلى العديد من مناطق الصراع حول العالم.
 
لم تكد تنتهي حرب أكتوبر 1973، التي يُطلق عليها الغرب "حرب عيد الغفران"، أو "يوم كيبور"، نسبة للعيد الديني اليهودي، الذي شنّت فيه مصر حربها المجيدة، حتى انطلقت الأقلام، من كل صوب وحدب، تكتب عن هذه الحرب، وتحلل نتائجها، التي جاءت عكس كل التوقعات الاستراتيجية، فشهد عام 1974 العديد من المقالات الصحفية، والدراسات التحليلية، وحتى الكتب التي تناولت سيرة هذه الحرب، كونها أحدث حروب العصر الحديث، التي دارت بين جيشين من أقوى الجيوش في العالم؛ الجيش المصري والجيش الإسرائيلي، المزود كل منهما بأحدث الأسلحة والمعدات المتطورة، التي لم تستخدم في الحروب السابقة.
 
والواقع أنه بعد مرور عام، تقريبًا، من هزيمة 1967، أعطى الفريق محمد فوزي، وزير الحربية، "التمام" للرئيس جمال عبد الناصر، بجاهزية الخطة الدفاعية غرب القناة، وعليه، فقد أصدر الرئيس جمال عبد الناصر أوامره بالبدء في التخطيط للعملية الهجومية لاقتحام قناة السويس وتحرير سيناء. في هذه الأثناء، كانت حرب الاستنزاف قد بدأت على ضفاف قناة السويس بين الجيشين المصري والإسرائيلي، قام خلالها الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عدد من الضربات والهجمات في عمق الأراضي المصرية؛ إذ قام بمهاجمة مدن القناة في بورسعيد، والإسماعلية، والسويس، واتخذت القيادة السياسية آنذاك قرارًا بتهجير أبناء هذه المدن إلى الدلتا.
في هذا التوقيت، كانت القوات المصرية قد بدأت في التدريب على عمليات عبور الموانع المائية في أنهار دلتا النيل بينما كانت إسرائيل تبني خط بارليف، على الضفة الشرقية لقناة السويس. 
 
ودامت حرب الاستنزاف قرابة ست سنوات، اكتسب الجيش المصري خلالها الكثير من الخبرات، ومع انهماك القوات المصرية في التدريب برزت العديد من التحديات، منها على سبيل المثال، معضلة ارتفاع الساتر الترابي على الضفة الشرقية لقناة السويس، فجاءت فكرة المهندس العسكري المقدم/ باقي يوسف زكي، باستخدام المضخات المائية، التي كانت تستخدم في بناء السد العالي، في هدم ذلك الساتر الترابي. كذلك كان هنالك أسلوب التعامل مع أنابيب النابالم، التي وضعتها إسرائيل على ضفاف القناة، فتم التخطيط لتخطي هذا العائق، بأن تتقدم مجموعات من الصاعقة المصرية، قبيل بدء الهجوم، لسد أنابيب النابالم أو تفجير خزاناتها. كما كانت نقاط خط بارليف الحصينة إحدى المشكلات أمام المخطط المصري للهجوم، فما كان إلا أن تكونت مجموعات قتال خاصة لمهاجمة كل نقطة دفاعية من نقاط خط بارليف.
 
تلك كانت نظرة سريعة لما وقع في ميادين المعركة، لكن ما لا يقل أهمية عن كل ذلك هو ما شهدته مراكز الدراسات الاستراتيجية من دراسة وتحليل لتلك الحرب، والاستفادة من الفكر العسكري المصري المتطور، سواء في أساليب القتال، أو إعادة تنظيم القوات، أو في حساب التوازنات العسكرية.
 
لقد كان مبدأ "النوعية" من أهم الإنجازات التي تحسب لحرب أكتوبر، فقد دأب الفكر الغربي قبل حرب أكتوبر على مقارنة القوات اعتمادًا على أعداد الأسلحة والمعدات، ولعل أبرز الدراسات في هذا الصدد ما قدمه معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن IISS في تقريره السنوي "التوازن العسكري" The Military Balance، والذي كانت تعتمد مقارناته بين القوات العسكرية لكل دولة على عدد المعدات والأسلحة التي تمتلكها، وجاءت حرب أكتوبر 1973 لتقلب هذه الموازين تمامًا، خاصة وأن هذا التقرير كان قد ظهر في نسخته السنوية قبل حرب أكتوبر، مؤكدًا التفوق الكامل لإسرائيل، مما أسهم في إقناع العديد بأن مصر لن تغامر بالحرب والهجوم على إسرائيل.
 
أما بخصوص التغيير في المفاهيم القتالية في العقيدة الغربية، فقد ظهرت فكرة إمكانية قتال عناصر المشاة المترجلة، دون قوة الصدم (الدبابات)، فقد كان المفهوم قبل حرب أكتوبر 1973 أن قوات المشاة لا يمكنها التمسك بالأرض، منفردة، دون قوات مدرعة لأكثر من 3-4 ساعات، وهو ما كان ينطبق غالبًا على قوات المظلات، أو على القوات المبرة جوًا، والتي تسقط بعيدًا عن القوة الرئيسة، ولذلك كان من الضروري أن تلحق بها القوات الرئيسة، وخاصة المدرعات، في مدة لا تزيد على 3-4 ساعات، ولكن جاءت حرب أكتوبر، وبتخطيط رائع وضعه المصريون في التوجيه رقم 41، الذي تم إعداده بمعرفة لجنة رأسها الفريق/ سعد الشاذلي-رئيس الأركان، الذي أتاح لقوات المشاة العبور، بدون دعم، لمدة 12 ساعة، هي مدة إتمام إنشاء الكباري، وعبور الدبابات، وهو ما تم التخطيط له باستخدام الأسلحة المضادة للدبابات، وبحسابات دقيقة للموجات الأولى من المشاة المترجلة، فتمكّنت من صد وتدمير الاحتياطيات المدرعة الإسرائيلية شرق القناة في "خط بارليف". وهذا أمر، لم يكن لأي مخطط عسكري أن يقبل به، قبل حرب أكتوبر 1973. 
 
كذلك ظهرت فكرة "الحصار البحري عن بُعد" Distant Naval Blockade، حيث أشارت المراجع العسكرية الغربية إلى أن المصريين نجحوا في غلق مضيق باب المندب ضد الملاحة الإسرائيلية، فيما يعد أكبر مفاجأة من مفاجآت حرب أكتوبر؛ حيث استخدم المصريون قواتهم البحرية في باب المندب بعيدًا عن القوات الجوية لجيش الدفاع الإسرائيلي، فقد كانت كل تقديرات جيش الدفاع الإسرائيلي تعتمد على أن أي تفكير مصري لإغلاق الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، سيتم من خلال مضايق تيران وصنافير، واثقة بأنها ستكون، حينئذ، في مدى القوات الجوية الإسرائيلية، وبذلك أظهر المصريون براعتهم في إغلاق الملاحة، بإعلان وجود قواتهم البحرية في مضيق باب المندب، ليقف الإسرائيليون عاجزون، طيلة أيام القتال، عن أي رد فعل ضد هذا العمل، وظل ميناء إيلات مغلقًا تمامًا. 
 
وأفرزت حرب أكتوبر عاملًا جديدًا لم يظهر من قبل في حسابات القوى، وهو الجندي المصري، ذلك الجندي الذي دفع الجنرال شارون في مناظرة، معي شخصيًا، عن حرب أكتوبر 1973، أذاعها التليفزيون البريطاني، عند سؤاله عما يراه مفاجأة حرب أكتوبر؟ وإذا ما كان يعتبرها توقيت الهجوم في الثانية ظهرًا؟ أم اختيار موعد الهجوم في يوم عيد الغفران في إسرائيل؟ أم أنه كانت المفاجأة في الهجوم على الجبهتين المصرية والسورية في وقت واحد؟ دفع هذا الجندي المصري، الجنرال شارون، للإجابة بأن المفاجأة الحقيقية في حرب أكتوبر 1973، كانت "الجندي المصري الذي وجدته يحارب أمامي في عام 1973، لم يكن نفس الجندي المصري الذي حاربته في عام 1967، أو حتى عام 1956". وازددت فخرًا بانتمائي للمؤسسة العسكرية وأنا أسمع هذا الرد، فالجندي المصري عام 1973 اختلف بالفعل وأصبح من حاملي الشهادات العليا، وروحه المعنوية في السماء، وإيمانه بالنصر كان أقوى من كل الحسابات والتوقعات، واستطرد الجنرال شارون، ضاربًا مثالًا لما شهده بنفسه أثناء قيادته لسرية مكونة من 10 دبابات في اتجاه الإسماعيلية؛ بهدف الهجوم على منطقة الدفرسوار، وظهر أمامه فجأة سبعة "كوماندوز" مصريون (يقصد من قوات الصاعقة)، وهو ما يعني هلاكهم بكل المقاييس العسكرية، إلا أن هؤلاء الأبطال تأكدوا من تحطيم سرية الدبابات الإسرائيلية قبل أن ينالوا شهادتهم.
 
ويرجع الفضل للمقاتل المصري وما حققه في حرب 1973 في أن قامت معاهد الدراسات الاستراتيجية، والمعاهد العسكرية، بالفعل، بإضافة بند جديد لحسابات القوى ومقارنة القوات، وهو حساب "النوعية القتالية"، ويُقصد بها الفرد المقاتل، وهو العامل الذي كان غائبًا من قبل عن كل الحسابات والتقديرات، بما أدى إلى نتائج مغلوطة عن تفوق جيش الدفاع الإسرائيلي.
 
وختامًا، لا يسعنا إلا أن نقر أن الانتصار المصري في حرب أكتوبر 1973 قد غير العديد من المفاهيم في مجال الفكر العسكري العالمي، وأنا على يقين بأن الوثائق التي يحتفظ بها كل جانب، ما زالت تحمل في طياتها العديد والعديد من العِبر والدروس المستفادة، التي من شأنها إضافة مبادئ جديدة إلى العلوم العسكرية. وتظل هذه الحرب عملًا عسكريًا عظيمًا، حققته القوات المسلحة المصرية، بالتعاون مع شعب مصر العظيم، وبمساندة من كل الشعوب والجيوش العربية، لترتفع هامات العرب جميعًا، بعد أعظم انتصارات العصر الحديث.
 
وهذا يدعونا جميعًا كمصريين وعسكريين أن نفخر بأبنائنا ورجالنا العظماء الذين خططوا ونفذوا هذه الحرب التي هي فخر كل العرب والمصريين في العصر الحديث.

تقييم الموقع