|

برز الاقتصاد الأزرق كإطار تنموي مستدام ضمن أجندة الأمم المتحدة لعام 2030، ولا سيما في الهدف الرابع عشر الذي يُعنى بـ"الحياة تحت الماء"؛ حيث يعتمد هذا النموذج الاقتصادي على تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من الموارد المائية، مثل: المحيطات والأنهار والبحيرات، وبين الحفاظ على استدامتها البيئية، ويهدف الاقتصاد الأزرق إلى تحقيق تنمية شاملة من خلال توفير فرص عمل مع الحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية البيئة البحرية والمائية، هذا، وتُعرَف إندونيسيا -أحيانًا- بأنها دولة بحرية نظرًا لشبكتها الواسعة من الجزر والبحار والسواحل؛ فلقد أسهمت تضاريسها ومواردها الطبيعية في ترسيخ هويتها كدولة ساحلية، وبفضل موقعها الجغرافي تمتلك إندونيسيا إمكانات هائلة في مجالها الإقليمي، لا سيما في القطاع الاقتصادي.
في هذا السياق، تناول المقال إمكانات إندونيسيا كدولة بحرية تعتمد على مواردها البحرية لتحقيق التنمية المستدامة، كما استعرض مفهوم الاقتصاد الأزرق ودوره كاستراتيجية وطنية تشمل قطاعات مثل: الصيد، والتنوع البيولوجي، والسياحة المستدامة، والتصنيع البحري، والشراكات بين القطاعات، وآليات التمويل، وقد ركَّز المقال على التحديات البيئية والاقتصادية كالإفراط في الصيد والتلوث، مع الإشارة إلى تحرُّك الحكومة الإندونيسية نحو هذه التحديات بوضع خطط واستراتيجيات مواجهتها.
إندونيسيا كدولة بحرية: ملامح أساسية:
إن إندونيسيا أكبر دولة أرخبيلية في العالم، وتمتلك موارد سمكية وفيرة تُعد رأس مال مهمًا لتطوير الاقتصاد الوطني، ويهدف تطوير قطاع المصايد إلى تحسين مستوى معيشة ورفاهية الصيادين ومزارعي الأسماك؛ لما للموارد السمكية من دور كبير في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، ومع ذلك، فإن استغلال هذه الموارد لا يزال غير متوازن؛ إذ تعاني بعض المناطق من الإفراط في الصيد، في حين لا تُستغل مناطق أخرى بشكل كافٍ.
مفهوم الاقتصاد الأزرق في إندونيسيا:
يُعَد الاقتصاد الأزرق محركًا رئيسًا للنمو في إندونيسيا، كما أكد إعلان قادة الآسيان لعام 2021، مع الالتزام بالاستدامة والحوكمة القائمة على القواعد، وباعتبارها أكبر دولة في الآسيان من حيث المساحة والسكان والمياه، تمتلك إندونيسيا أكثر من 18,000 جزيرة وساحلًا بطول 80,791 كيلومترًا، إضافةً إلى 3 ملايين كيلومتر مربع من المياه الاقتصادية الحصرية، بما في ذلك جزء من مثلث الشعاب المرجانية، أكبر منطقة للتنوع البيولوجي البحري في العالم، هذا، وتُقدَّر قيمة الاقتصاد الأزرق في إندونيسيا بنحو 1,334 مليار دولار (2021)، ويشمل قطاعات مثل: صيد ومعالجة الأسماك، والشحن، وبناء السفن، والسياحة الساحلية، والطاقة البحرية، كما حددت الهيئة الوطنية للتخطيط التنموي في إندونيسيا BAPPENAS ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD قطاعات ناشئة مهمة، منها: تربية الأحياء المائية، وطاقة الرياح البحرية، والطاقة المتجددة من المحيطات، والتعدين البحري، والتكنولوجيا الحيوية البحرية.
بدأ دمج الاقتصاد الأزرق في السياسات الوطنية بإندونيسيا مع خطة التنمية متوسطة المدى (2005 - 2025)، التي ركزت على الاستخدام المستدام للموارد البحرية، ومع ذلك أعاقت ممارسات الصيد غير المستدام والسياحة الضارة تحقيق استدامة المحيطات، ويعكس إنشاء وزارة التنسيق للشؤون البحرية والاستثمار الأهمية السياسية المتزايدة لأجندة المحيطات، والحاجة إلى نهج تآزري لمعالجة التحديات المتعددة للاقتصاد الأزرق، وقد أطلقت الحكومة الإندونيسية عددًا من المبادرات الاستراتيجية لتعزيز الاقتصاد الأزرق ضمن رؤية وطنية طويلة المدى، شملت ست استراتيجيات رئيسة، أبرزها: تطوير الاقتصاد الأزرق لرفع الإنتاجية الاقتصادية ودعم التكامل المحلي، من خلال مراكز بحرية قوية على المستويات كافة، وتُصمم الحكومة مؤشر الاقتصاد الأزرق (IBEI) بالتعاون مع شركاء دوليين لدعم هذه الجهود، وتتناول الأقسام التالية تطبيق هذه الاستراتيجيات في القطاعات البحرية الرئيسة، وذلك كما يلي:
(1) الأسماك المائية وتربية الأحياء:
في عام 2020، بلغ إنتاج الأسماك في إندونيسيا 7.7 ملايين طن، شكَّلت تربية الأحياء المائية منها 42%، وقد شهد هذا القطاع نموًّا يفوق 100% خلال العقد الماضي، ليصبح بديلًا حيويًّا في ظل تزايد الطلب ومخاطر الصيد الجائر، وقد تبنَّت الحكومة الإندونيسية، ضمن خطة التنمية (RPJMN 2015–2019)، سياسة بحرية صارمة لمكافحة الصيد غير القانوني، وأسست سلطة لإدارة الموارد السمكية، كما أُطلقت في 2014 مناطق إدارة الأسماك (WPP) لتعزيز التنسيق بين الجهات الإقليمية والصناعية والمحلية؛ مما أسهم في تنفيذ سياسات مستدامة، كتحديد التراخيص وتحسين التخطيط البحري.
(2) التنوع البيولوجي البحري والحفاظ عليه:
تمتلك إندونيسيا أكبر مساحة من المانجروف في العالم (22.6% من الإجمالي العالمي)، وشعابها المرجانية تشكل 18% من شعاب العالم؛ إذ يُعد هذا التنوع البيولوجي أساسيًّا للمجتمعات الساحلية، وقد توسعت مناطقها البحرية المحمية (MPAs) إلى أكثر من 23 مليون هكتار، مع هدف الوصول إلى 30 مليون هكتار بحلول 2030، كما تم تنفيذ نظام تقييم فعالية إدارة المناطق البحرية (E-KKP3K) لمتابعة صحة البيئة، وساعدت العمليات التشاركية المجتمعية عبر RZ-WP3K في دمج الاستخدام المستدام للنظم البيئية وحل النزاعات المتعلقة بالأراضي والمحيطات، وقد أسهمت هذه المبادرات، بالإضافة إلى خطة العمل الوطنية 2017 بشأن الحطام البحري، في الحد من التلوث البحري.
(3) السياحة:
تمثل السياحة مصدرًا رئيسًا للإيرادات في المناطق الساحلية والبحرية في إندونيسيا، مع إمكانية دعم استدامة وحماية الموارد البحرية، رغم ذلك، تحتل إندونيسيا المرتبة 135 من أصل 140 دولة في استدامة السياحة البيئية بسبب قلة تغطية الغابات، وضعف معالجة مياه الصرف الصحي، وارتفاع أعداد الأنواع المهددة بالانقراض، استجابةً لذلك، أطلقت إندونيسيا برنامج التنمية السياحية المستدامة في 2018، الذي يركز على التخطيط، ودعم الأعمال، وتمكين المجتمع، وحماية الأصول البيئية والثقافية، فضلًا عن الاستثمار في البنية التحتية وتنمية المهارات، من خلال هذه المبادرات، تهدف إندونيسيا إلى تحسين الاستدامة وتوفير فرص اقتصادية للمجتمعات المحلية عبر السياحة البيئية والمجتمعية.
(4) التصنيع البحري والبناء:
تشمل المبادرات الاستراتيجية للحكومة تطوير البنية التحتية البحرية؛ حيث قدرت وزارة الطاقة والموارد المعدنية في 2019 أن إندونيسيا تمتلك طاقة بحرية متجددة تبلغ 49 جيجاوات سنويًّا، مع 18 جيجاوات من طاقة المد والجزر، ورغم أن البنية التحتية البحرية الحالية تتكون أساسًا من منصات النفط التي اقتربت من نهاية عمرها الافتراضي، فإن إندونيسيا تتخذ خطوات لتبسيط اللوائح وزيادة التعاون لدعم تقنيات المحيطات المتجددة، مثل الشحن منخفض الكربون، لتقليل انبعاثات الكربون وتعزيز القطاع المتجدد.
(5) الشراكات بين القطاعات:
تشير الأدلة إلى أن السياسات الحكومية الداعمة للتمويل الأزرق والشراكات بين القطاعين العام والخاص كانت حاسمة في نجاح تطوير الاقتصاد الأزرق في عدة دول، ولتسهيل هذه الشراكات، عززت إندونيسيا أنظمتها لتحسين البيانات ومراقبة الأنشطة البحرية، هذا، وتخطط BAPPENAS لإطلاق مؤشر الاقتصاد الأزرق المتكامل (IBEI) الذي يعتمد على لوحة تحكم لمؤشرات الاقتصاد الكلي، ويهدف IBEI إلى تحسين التنسيق بين الوكالات الحكومية والقطاع الخاص، مع تحديد أهداف لكل ركيزة من ركائز الاقتصاد الأزرق، مثل: البيئة (جودة الطاقة المتجددة البحرية)، والاقتصاد (المصايد، السياحة، التصنيع البحري)، والجانب الاجتماعي (العمل، الصحة، التعليم البحري)؛ بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.
(6) آليات التمويل:
أنشأت إندونيسيا مؤسسة التمويل البحري والسمكي؛ بهدف تعزيز الاستدامة المالية وتسهيل الوصول إلى التمويل في هذا القطاع، وقد مكَّن هذا النهج إندونيسيا من جذب تدفقات مالية من القطاع الخاص وتنويع مصادر التمويل المتاحة لقطاع المصايد، ومن خلال أدوات تمويلية جديدة مثل: الصكوك الزرقاء (السندات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية)، وتأمين الشعاب المرجانية، والسندات القائمة على النتائج، أدركت الحكومة أهمية الابتكارات في مجال التمويل لدعم النمو المستقبلي لهذا القطاع.
تحديات النظم البيئية والبحرية في إندونيسيا:
هناك مجموعة من التحديات التي تواجه مدى وسلامة النظم البيئية البحرية والساحلية في إندونيسيا، وإذا لم تتم إدارتها بشكل جيد، قد تُقوِّض من إمكانات اقتصاد المحيطات في إندونيسيا، ومنها ما يلي:
1- إدارة المصايد لا تزال غير مُحسَّنة:
في 2017، قُدِّر أن 38% من مصايد البحر الوطنية كانت مفرطة الاستغلال، مع 44% أخرى مهيأة للاستغلال الكامل؛ مما يؤثر على العوائد وإيرادات الحكومة ورفاهية المجتمعات الساحلية، وفي حين نجحت الحكومة في السيطرة على التوغل الأجنبي في المياه الإندونيسية، تظل إدارة الأسطول المحلي بحاجة إلى تعزيز؛ حيث يتكون أسطول إندونيسيا من أكثر من 600,000 سفينة، 90% منها صغيرة الحجم ومسؤولة عن أكثر من نصف إجمالي الصيد، والعديد منها غير مسجل أو مراقب، كما أن تنفيذ نظام منطقة إدارة المصايد (WPP) لم يكتمل بعد، ويحتاج إلى تنسيق أفضل بين مستويات الحكومة لتوضيح المسؤوليات.
2- تحديات السياحة البحرية والساحلية في ظل ضعف البنية التحتية والضغوط البيئية:
تواجه السياحة البحرية والساحلية تحديات بسبب ضعف البنية التحتية وزيادة أعداد الزوار؛ فعلى سبيل المثال، قبل تطوير السياحة في جزيرة لومبوك في 2015، كانت الجزيرة تعاني من نقص في خدمات المياه (45% من الأسر فقط حصلت عليها عبر الأنابيب)، والصرف الصحي (48%)، وجمع النفايات (26%)، وقد أدى هذا النقص إلى ضغوط بيئية تفاقمت بسبب احتياجات الزوار، كما عكس السياح هذه المشكلات في مراجعاتهم؛ حيث عبَّر العديد منهم عن استيائهم من سوء حالة الصرف الصحي والتلوث في الساحل الجنوبي للومبوك، في حديقة "كومودو" الوطنية، ارتفعت نسبة السياح الذين لاحظوا النفايات البلاستيكية البحرية من 10% في 2009 إلى أكثر من 50% في 2017.
3- الآثار الاقتصادية والبيئية للتلوث البلاستيكي البحري:
تُلوث النفايات البلاستيكية المحيطات وتؤثر سلبًا على مصايد الأسماك، والسياحة، والنظم البيئية، وتُقدَّر الخسائر الاقتصادية الناتجة عن التلوث البلاستيكي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكثر من 10.8 مليارات دولار سنويًّا، بما في ذلك 450 مليون دولار في إندونيسيا، وتشمل هذه التقديرات التكاليف المباشرة فقط، بينما من المتوقع أن تزيد التكلفة مع إضافة تكاليف المعالجة والتأثيرات غير المباشرة على النظم البيئية، وفي 2020، قدَّر البنك الدولي أن إندونيسيا تُسهم بنحو 0.20 إلى 0.55 مليون طن من البلاستيك في المحيطات سنويًّا.
وأيضًا هناك بعض التحديات طويلة الأمد الناجمة عن جائحة كورونا، من بينها ما يلي:
1- دخول الاقتصاد الإندونيسي أول ركود منذ عقدين:
انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإندونيسيا بنسبة 2.2% في عام 2020، وهو أول ركود منذ عقدين، مقارنة بتوقعات ما قبل الجائحة بنمو قدره 5% (البنك الدولي، 2020)، وقد ساعدت تدابير الدعم الاجتماعي في الحد من آثار الجائحة التي كان من الممكن أن تؤدي إلى زيادة الفقر بثلاث نقاط مئوية (نحو 8.5 ملايين شخص إضافي تحت خط الفقر)، ورغم هذه التدابير، ارتفع معدل البطالة إلى 7.1%، وهو الأعلى منذ عام 2011.
2- القطاعات البحرية تتأثر بطرق متعددة وسلبية:
سيكون لهذا التأثير أثرٌ ملموس في جميع قطاعات الاقتصاد؛ فقد أظهر مؤشر أسعار الأسماك العالمي انخفاضًا بنسبة 8.3% على أساس سنوي بين شهري يناير ومايو من عام 2020، مع تراجع أسعار بعض الأنواع في إندونيسيا بنسبة وصلت إلى 60%، وبين شهري يناير وأكتوبر من عام 2020، انخفض عدد الزوار الأجانب إلى إندونيسيا بنسبة 72% على أساس سنوي، كما بدأت فعاليات تنظيف الشواطئ في جمع كميات متزايدة من النفايات الطبية المرتبطة بالجائحة، وقد أُفيد أن هذه النفايات شكَّلت ما نسبته 16% من إجمالي القمامة العائمة في مصبَّي نهري "سيلينسينغ" و"مروندا" في خليج جاكرتا خلال شهري مارس وأبريل من عام 2020.
هذا، وقد استجابت الحكومة الإندونيسية من خلال تعديل ميزانية الدولة لعام 2020 لتشمل نحو 695 تريليون روبية (ما يعادل 49 مليار دولار أمريكي) في صورة تدابير دعم عبر مختلف قطاعات الاقتصاد شملت الأولويات الرئيسة: تعزيز الرعاية الصحية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ودعم الشركات، ومع ذلك، وكما هو الحال في جميع الدول، تواجه إندونيسيا حدودًا مالية في قدرتها على الاستجابة، وقد كانت هناك حاجة إلى إجراء تعديلات على الميزانية؛ مما قيَّد بعض البرامج القائمة مسبقًا، فقد تم تخفيض ميزانية وزارة الشؤون البحرية ومصايد الأسماك لعام 2020 بنسبة تقارب 20%، أما بالنسبة للسياحة، فقد تم الحفاظ على ميزانيات تطوير البنية التحتية التي أُعلِن عنها مسبقًا للمواقع ذات الأولوية خلال عام 2020، ومع ذلك، عانت ميزانيات الحكومات المحلية من التخفيضات.
وختامًا، إن الاقتصاد الأزرق في إندونيسيا يمثل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة في البلاد، مستفيدًا من الموارد البحرية المتنوعة التي تمتلكها، ورغم التحديات التي تواجه هذا القطاع، بما في ذلك الإفراط في الصيد والتلوث البحري، فإن الحكومة الإندونيسية قد وضعت استراتيجيات فعّالة لتعزيز استدامة الموارد البحرية وتحقيق النمو الاقتصادي من خلالها، ومع التركيز على الاستزراع السمكي المستدام، وحماية التنوع البيولوجي البحري، وتطوير السياحة المستدامة، فإن التوجه نحو الاقتصاد الأزرق يشكل فرصة كبيرة للمساهمة في رفاهية المجتمعات الساحلية والنمو الاقتصادي طويل الأجل، ومن خلال تحسين السياسات، ودعم الابتكار في التمويل، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، يمكن لإندونيسيا أن تظل في طليعة الدول التي تقود التحول نحو الاقتصاد الأزرق المستدام.
|
|
|