خامسًا: من VUCA إلى BANI – تحوّل أطر تفسير اللايقين في النظام العالمي المعاصر:
على الرغم من أن إطار VUCA شكّل منذ نهاية الحرب الباردة، أحد أكثر الأطر شيوعًا في تحليل بيئات اللايقين في النظام الدولي ومجالات الإدارة والقيادة، فإن التحولات البنيوية العميقة والمتسارعة التي شهدها النظام العالمي خلال العقد الأخير كشفت عن قصور متزايد في قدرته التفسيرية. فقد كان نموذج الـ VUCA ملائمًا لعالم يتسم بالتقلب واللايقين والتعقيد والغموض، لكنه ظل – نسبيًا – عالمًا يمكن التعامل معه وإدارته؛ إذ كانت التقلبات ذات إيقاع يمكن استيعابه، وكان التعقيد قابلًا للتفكيك والتحليل، كما كان الغموض يعني المفاضلة بين بدائل معروفة نسبيًا.
إلا أن الواقع الدولي المعاصر تجاوز هذه الافتراضات والخصائص، ليدخل مرحلة أكثر اضطرابًا وفوضوية، تتسم بانهيار الافتراضات التقليدية المتعلقة بالاستقرار وإمكانية التنبؤ، وتتزايد فيها الصدمات المفاجئة والتداعيات غير المتوقعة العابرة للحدود.
في هذا السياق، برز نموذج BANI بوصفه إطارًا تحليليًا يمثل انتقالًا نوعيًا في فهم اللايقين، إذ يعكس عالمًا تتسم أنظمته بالهشاشة، تحكمه علاقات غير خطية بين الأسباب والنتائج، ويتسم بدرجة من التعقيد والهشاشة تتجاوز القدرة على الفهم أو الاستيعاب الكامل. ويُعبّر نموذج BANI عن أربع سمات رئيسة للنظام العالمي المعاصر:

في هذا الإطار، يمكن النظر إلى نموذج BANI بوصفه أداة تحليلية وقيادية تسهم في فهم طبيعة التحديات التي يفرضها عالم يتسم بالهشاشة، والقلق، واللاخطية، وعدم القابلية للفهم. ولا يهدف هذا النموذج إلى تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إعادة توجيه التفكير الاستراتيجي وأنماط القيادة، بما يعزز بناء منظمات أكثر مرونة وقدرة على الصمود والتكيف في ظل بيئة عالمية سريعة التغير وشديدة الاضطراب.
وفي حين ركّز نموذج VUCA على آليات الفهم والتخطيط في بيئات غير مستقرة، يركز نموذج BANI بدرجة أكبر على تعزيز الصمود المؤسسي والقدرة على الاستجابة الفعّالة للأزمات المركّبة.
ولا يعني بروز نموذج BANI نهاية صلاحية إطار VUCA بشكل كامل، بل يمكن النظر إلى النموذجين بوصفهما عدستين تحليليتين متكاملتين. تعكسان مستويات مختلفة من تعقيد النظام العالمي المعاصر، حيث تتداخل مظاهر التقلب واللايقين مع الهشاشة واللاخطية والقلق الجماعي. وعليه، فإن تحليل الواقع الدولي أو السياسات العامة أو أنماط القيادة الاستراتيجية يتطلب توظيفًا مرنًا لهذه الأطر، بدلًا من اختزال التعقيد المتزايد في نموذج واحد جامد؛ فالعالم اليوم هو عالم VUCA في بنيته العامة، وBANI في ديناميكياته العميقة.
|