
دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في تحقيق النهضة اليابانية
بنهاية الحرب العالمية الثانية، عانت اليابان حالة دمار جعلتها تتخلف كثيرًا عن الدول الغربية الصناعية، ورغم ذلك، بذلت الدولة جهودًا كبيرة استطاعت من خلالها تحقيق نهضة اقتصادية كبيرة، والمنافسة مع الدول الغربية في وقت قصير نسبيًّا ودون أي مساعدة خارجية.
كان للشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) دور حاسم في النهوض باليابان وتطوير اقتصاد ما بعد الحرب؛ حيث بلغ إجمالي عددها حوالي 6.51 ملايين شركة، ومثلت بذلك نحو %99.1 من إجمالي الصناعات (باستثناء الصناعة الأولية)، فيما بلغت مساهمتها حوالي 81% من إجمالي العمالة (باستثناء العمالة في الصناعات الرئيسة).
وقد اعتمد نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة في اليابان على العديد من عوامل النجاح، مثل التقنيات المتقدمة، ومهارات التسويق، وصناديق رأس المال، والإدارة الفعالة للموارد. ورغم أن بعض الدول الغربية، مثل المملكة المتحدة وفرنسا، استخدمت نفس استراتيجية التنمية اليابانية، فإن اقتصاداتها لا تزال تتراجع بشكل كبير مقارنة بالتقدم الاقتصادي لليابان.
سياسات اليابان لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة
اتخذت اليابان عددًا من السياسات التي شجعت بها الشركة الصغيرة والمتوسطة على أن تُسهم في تحقيق التنمية، وجاء في مقدمة هذه السياسات الآتي:
دعم البحث العلمي والتطوير: شجعت الحكومة اليابانية عمليات البحث والتطوير في الشركات الصغيرة والمتوسطة؛ حيث منحتها فرصة الحصول على قروض منخفضة الفائدة من المؤسسات المالية الحكومية بعد موافقة الحكومات المحلية على خطط تطوير التكنولوجيا الخاصة بالشركات في مجالات التكنولوجيا العالية، مثل الإلكترونيات والتكنولوجيا الحيوية، كما قدمت الإعانات والامتيازات الضريبية لأنشطة البحث والتطوير التي تقوم بها هذه الشركات الصغيرة والمتوسطة.
تشجيع التبادل التكنولوجي بين الشركات: أدركت الحكومة الآثار الإيجابية للتبادل التكنولوجي والترابط بين الشركات الصغيرة والمتوسطة في مختلف الصناعات، وبدأت في تشجيع هذه الأنشطة. وهو ما تجلى خلال فترة الركود في سبعينيات القرن الماضي، حينما تعاونت الشركات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة في صناعة الآلات لإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة عالية، وفي عام 1981 بدأت الحكومة مشروعات التبادل التكنولوجي لتسهيل التبادل والربط بين الشركات الصغيرة والمتوسطة في كل محافظة.
تقديم الدعم المالي: في السياق ذاته، شجعت الحكومة الأفكار الخاصة بالمشروعات الجديدة؛ حيث تعاونت حكومات المحافظات والبلديات مع القطاع الخاص، وأنشأوا حاضنات أعمال لإعادة تنشيط الاقتصادات المحلية التي تأثرت سلبًا بالركود الاقتصادي، وقدمت الحكومة الدعم المالي، والقروض منخفضة الفائدة إلى المشروعات الخاصة بالحاضنات.
تقنيين وضع الشركات الصغيرة والمتوسطة (الهيكلة القانونية): ارتباطًا بما سبق، تم تنقيح القانون الأساسي للشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل أساسي في عام 1999، والذي يُعد بمثابة العمود الفقري لسياسات الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتي تدور حول سد الفجوة بين تلك الشركات والمشروعات العقارية من حيث إنتاجية العمل، وذلك من خلال رفع مستوى هيكل الشركات الصغيرة والمتوسطة وتحسين ظروف التجارة.
وعليه، يستند القانون الأساسي المنقح إلى فلسفة جديدة تهدف إلى تعزيز النمو المتنوع والقوي وتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة المستقلة بدلًا من تصحيح الثغرات، وله ثلاثة أهداف رئيسة وهي: تشجيع الابتكار في الأعمال التجارية وبدء الأعمال التجارية الجديدة، وتعزيز قاعدة إدارة الشركات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن تسهيل التكيف مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
واتصالًا، أدركت الحكومة أن الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تستطيع إدخال التكنولوجيا الحديثة نظرًا لصغر حجمها والمنافسة الشرسة فيما بينها، وعليه، تم تغيير مفهوم التحديث إلى مفهوم تحويل الأعمال، وذلك خلال ثمانينيات القرن الماضي، كما تم تشجيع الابتكارات التجارية والمشروعات الناشئة منذ التسعينيات.
تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة: في عام 1979، أصبحت مدينة "سوميدا" (Sumida) اليابانية، أول مدينة تنفذ فيها الحكومة قانونًا محليًا لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتأسيسًا على ذلك، أنشأت الحكومة قاعدة بيانات تحتوي على معلومات وبيانات الشركات الصغيرة والمتوسطة في المدينة.
واتصالًا، فخلال عامي 1977- 1978، زار المدينة نحو 180 موظفًا من جميع المؤسسات البالغ عددها 9 آلاف و313 مؤسسة لإجراء مسح، كما عقدوا جلسة استماع مع موظفي الشركات الصغيرة والمتوسطة، وكانت الجلسة فرصة جيدة لموظفي مكتب المدينة لفهم المشكلات التي كانت تواجهها تلك الشركات، كما كانت التجربة مفيدة بشكل عام في وضع خطة رئيسة لتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
مشاركة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في صنع السياسات: منحت اليابان أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة الفرصة للمشاركة في صنع السياسات، ما تجلى خلال عام 1980، حينما أنشأت الحكومة "لجنة النهوض بالصناعة"، والتي تكونت من أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة والخبراء والموظفين الحكوميين. وبالتعاون مع تلك اللجنة، تدير الحكومة مركزًا للشركات الصغيرة والمتوسطة يضم مستشارين تقنيين، ومجهزًا بأدوات وآليات ثمينة يمكن للشركات في المدينة استخدامها.
الترويج للشركات الصغيرة والمتوسطة: روَّجت الدولة كذلك لهذه الشركات من خلال ربطها بالسياحة المحلية؛ حيث أوصت "لجنة الترويج الصناعي" بإنشاء متاحف صغيرة لتقديم صناعة وثقافة مدينة "سوميدا" للسياح المحليين والأجانب، وكذلك أوصت المحلات التجارية الصغيرة بعرض وبيع المنتجات الصغيرة والمتوسطة التي تنتجها مدينة "سوميدا"، وهكذا أصبح تعزيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة جزءًا من سياسات تنشيط الاقتصاد المحلي.
وختامًا، يمكن تقدير نجاح سياسات الشركات الصغيرة والمتوسطة في اليابان على ثلاث جهات، أولًا، تسهيل مبادرات القطاع الخاص؛ حيث باتت الشركات الصغيرة والمتوسطة تملك القدرة على إيجاد مجالات عمل جديدة. ثانيًا، تشجيع أنشطة البحث والتطوير؛ حيث تتمتع الشركات الصغيرة والمتوسطة بميزة تنافسية في أنشطة البحث والتطوير، لأنها يمكن أن تتخصص في مجالات عمل متميزة. ثالثًا، يمكن أن تؤدي الحكومات البلدية دورًا مهمًا في تعزيز وتنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة.
المصدر: مقتطفات تنموية، السنة الثانية، العدد (31).
|