|
“الصين هي مصنع العالم، ويُمكن للهند أن تكون مركز المعرفة لهذه المنطقة، وإذا جمعنا بين الاثنتين فسوف يكون ذلك مصدر قوة تعاضدية كبرى”.
راتان تاتا - رجل الأعمال الهندي

أبرزت التوترات الجيوسياسية بين الصين من جانب والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جانب آخر زخمًا واضحًا في الآونة الأخيرة حول بحث الدول الغربية والمستثمرين عن بديل للتنين الصيني ليحل محله، سواء بشكل جزئي أو كلي، في الوقت الذي تزداد المخاوف بشأن شيوع الركود في الاقتصاد الصيني جراء أزمة سوق العقارات الخانقة، بجانب الخسائر التي مُني بها مؤشر شنغهاي شنزن الخاص بالأسهم الصينية عام 2023؛ إذ انخفض بنحو 30%، مما حدا بالدول الغربية إلى التفكير بشأن عدد من الاقتصادات الآسيوية الناشئة لتحل محل التنين الصيني، وكانت الهند في صدارة تلك الدول؛ مما جعلها محط أنظار الشركات العالمية والمستثمرين في الآونة الأخيرة. وفي هذا السياق، يُسلِّط المقال الضوء على قدرة الهند على مزاحمة الصين اقتصاديًّا باعتبارها البديل الأقرب للصين بالنسبة للدول الغربية.
لكن ما المقومات الاقتصادية للفيل الهندي؟
بدأت الهند إصلاحات اقتصادية جادة منذ عام 1991 بهدف التحول نحو اقتصاد السوق، مكنتها من تحقيق مكاسب عديدة، منها: جذب الاستثمار الأجنبي إلى البلاد، وخفض مستويات الفقر، وتحسين أوضاع المعيشة، وحققت معدلات نمو مرتفعة بشكل ملحوظ في إطار جهود الحكومة الهندية للتعافي من تداعيات جائحة فيروس كورونا، فقد سجلت معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 9.1% عام 2021، وهو ما يعتبر واحدًا من أعلى معدلات النمو المُحققة عالميًّا عام 2021، واستمرت الهند في دفع عجلة النمو الاقتصادي، لا سيما في السنوات الثلاث الأخيرة، كما توقع البنك الدولي مواصلة الهند تحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات القادمة في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي يناير 2024، فضلًا عن توقعات جولدن مان ساكس صعود الاقتصاد الهندي كثاني اقتصاد على مستوى العالم ليصل إلى نحو 52.5 تريليون دولار أمريكي عام 2075.

ومن جهة أخرى، ركزت سياسات الحكومة الهندية في الآونة الأخيرة على دفع عجلة الاستثمارات في المشروعات العامة والبنية الأساسية في مجال الطرق، والطاقة المتجددة، عن طريق زيادة مخصصات الموازنة العامة لهذا الغرض؛ بغية استيعاب الاستثمارات الأجنبية. ويتوقع البنك الدولي استمرار التدفقات الاستثمارية الإجمالية في الاقتصاد الهندي، مدعومة بزيادة الاستثمارات العامة، مع تباطؤ طفيف في معدلات نمو الاستثمارات الإجمالية، ويضاف إلى ذلك الثقل الديموجرافي للهند، والذي سيشكل عامل جذب لمزيد من الاستثمارات الأجنبية، حيث يبلغ عدد سكانها حوالي 1.4 مليار نسمة، وسط توقعات بتجاوزها عدد سكان الصين على المدى القريب.
كما تشير التوقعات إلى استمرار انخفاض معدلات الإعالة خلال العقدين القادمين، مما يتيح للمشروعات العالمية المُختلفة عمالة منخفضة التكلفة، لا سيما العمالة في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات، بجانب وجود أعداد كبيرة من السكان يتحدثون باللغة الإنجليزية، وسوق عملاق تستطيع بيع منتجاتها بداخله، كما أن قوة الهند الجيوسياسة تدعمها في جعلها مركزًا صناعيًّا منافسًا للتنين الصيني على المدى الطويل، لا سيما أنها عضوٌّ هامٌّ في تكتلات مثل مجموعة العشرين والبريكس وغيرهما من التكتلات، وقد أفضت النظرة التفاؤلية للاقتصاد الهندي في الآونة الأخيرة إلى رواج في الأسواق المالية الهندية بشكل غير معهود خلال الأعوام الأخيرة على إثر الدخول القوي للمستثمرين إلى البورصة الهندية.
الدول والشركات الغربية تتجه نحو الهند:
تَشكلت مساعٍ غربية جادة في الآونة الأخيرة بقيادة الولايات المتحدة لجعل الفيل الهندي بديلًا للتنين الصيني ولو بشكل جزئي؛ بغية تنويع المراكز الصناعية لتخفيف الاعتماد على الصين وربط الهند بالدول الغربية لوجستيًّا بصورة أكبر، وهو ما اتضح جليًّا أثناء استضافة الهند لقمة مجموعة العشرين سبتمبر 2023، فقد ظهرت ملامح الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، حيث أبرمت الهند مع السعودية والإمارات والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم بشأن المشروع، والتي تضمنت المبادئ الأساسية للمشروع دون اتخاذ خطوات تنفيذية جادة في هذا الصدد، إلا أن الخطوط العريضة للمذكرة أكدت اعتماد الممر الاقتصادي الجديد على الشحن البحري وخطوط السكك الحديدية عبر الدول الآسيوية والأوروبية، ليكون بمثابة المشروع المنافس للمشروع الصيني المعروف بالحزام والطريق في ظل المساعي الأمريكية لتحجيم المشروع الصيني.
يُضاف إلى ذلك السعي الحثيث للشركات متعددة الجنسيات للاستثمار في الهند كجزء من استراتيجيتها في تنويع مصادر إنتاج منتجاتها فيما يُعرف بالصين زائد واحد، بخاصة عقب تصاعد حدة التوتر بين واشنطن وبكين، فقد اتجه عدد من المشروعات الأجنبية للتوسع داخل الهند، حيث قام موردو شركة آبل مثل "Pegatorn" و"Foxconn" بتشييد مصانع جديدة في الهند عام 2023، وذلك لبدء تصنيع آيفون 15 في الهند، كما تشير توقعات بنك "جي بي مورجان" إلى تصنيع الهند واحدًا من كل أربعة هواتف تنتجها شركة آبل خلال عامين، بالإضافة إلى إعلان شركة جوجل عزمها بدء تصنيع هواتفها النقالة في الهند، لا سيما هاتف بيكسل 8 في أكتوبر 2023. كما وافق مجلس الوزراء الهندي على خطة شركة ميكرون التكنولوجية المتخصصة في صناعة الرقائق لضخ استثمارات في البلاد بقيمة 2.7 مليار دولار؛ بهدف إنشاء وحدة جديدة لاختبار أشباه الموصلات عام 2023. ويضاف إلى ذلك إعلان شركة أمازون نيتها لاستثمار حوالي 13 مليار دولار أمريكي في الهند بحلول 2030 في مجال البنية الأساسية للحوسبة السحابية.
معوقات تواجه صعود الفيل الهندي:
على الرغم من المقومات الكبيرة للاقتصاد الهندي، فإنه لا يزال أمام الفيل الهندي سنوات لكي يزيح التنين الصيني من مسرح الاقتصاد العالمي، وذلك بناء على المعطيات الراهنة، فقد ذهب أكثر التوقعات تفاؤلًا إلى حاجة الهند من ثلاث إلى خمس سنوات على الأقل لتبدأ في مزاحمة الصين، وبشرط تحقيق معدلات نمو تربو على 8% سنويًا، بينما ذهبت توقعات أخرى إلى حاجة الهند لحوالي 18 عامًا للحاق بالصين، وبشرط زيادة استثمارات الهند بنحو 3 أضعاف، وبافتراض تحقيق الصين معدل نمو صفري، ناهيك عن أن الاستثمارات التي يضخها الغرب في القطاعات الهندية الرائدة تتركز في قطاع تكنولوجيا المعلومات، وعلى النقيض يتسم الاقتصاد الصيني بالتنوع الكبير مقارنة بالهند، بجانب وجود حاجة مُلحة لتبني مزيد من الإصلاحات لاستيعاب الاستثمارات الغربية القادمة إليها، بخاصة تعزيز المنافسة المحلية وتنافسية اقتصادها على المستوى العالمي، والنهوض بمؤسساتها التنظيمية، والحد من الإجراءات التجارية الحمائية التي تتبعها بين الفينة والأخرى ومنها: حظر التصدير، وفرض رسوم جمركية على مستلزمات الإنتاج الأجنبية، وهو ما يعزز مُناخ الأعمال الهندي في مواجهة مُناخ الأعمال الصيني، فقد جاء ترتيب الهند في مؤشر ممارسة الأعمال في المرتبة 63 عالميًّا عام 2020، بينما احتلت الصين المرتبة 31 عالميًّا في العام ذاته، الأمر الذي يرجح كفة التنين الصيني كمُناخ أعمال جاذب للاستثمارات الأجنبية المُختلفة.

يُضاف إلى ما سبق أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (القوة الشرائية) على مدار 15 عامًا في دولتي الهند والصين يأتي في صالح الصين، حيث تُظهِر إحصاءات البنك الدولي التباين الكبير بين البلدين على مدار تلك الفترة، مما يجعل القوة الشرائية في صالح المواطن الصيني، كما أن معظم المؤشرات الاقتصادية لا تزال في صالح الصين، فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي الصيني حوالي 17.96 تريليون دولار أمريكي عام 2022، بينما بلغ في الهند حوالي 3.42 تريليونات دولار أمريكي، أي أن الاقتصاد الصيني أكبر من الهندي بنحو خمسة أضعاف. ومن جهة أخرى، تظهر حاجة مُلحة لزيادة الإنفاق على التعليم والتدريب في الهند، فعلى الرغم من أنها من أكبر خمس دول عالميًّا لديها سكان دون الخامسة والعشرين عامًا، فإن معدلات الأمية المرتفعة في الهند تحول دون استفادة المشروعات من حجم السكان الكبير، مما يعطي الصين الأفضلية على الهند في هذا الشأن، في ظل تفوق الصين الواضح في أعداد العمالة المدربة والحاصلة على مستويات تعليم ملائمة، مما قد يُفضي في النهاية إلى تفضيل المشروعات متعددة الجنسيات بقاءها وتوسع مشروعاتها في الصين.
وختامًا، لا يزال الفيل الهندي غير قادر على مجاراة التنين الصيني اقتصاديًّا في المدى القريب أو المتوسط، ولكن على المدى البعيد قد يكون للفيل الهندي فرصة لمزاحمة التنين الصيني بشكل قوي، لا سيما كمركز صناعي أو في مجال التجارة الدولية، مع قيام الحكومة الهندية باتخاذ مزيد من الخطوات الإصلاحية السريعة وذات الفعالية، بالتزامن مع مزيد من دعم الدول الغربية للفيل الهندي.
|